دخلت المفاوضات بين الحكومة السورية الانتقالية و«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، مرحلة جديدة لا تقل هشاشة عمّا سبقها، وذلك عقب تسجيل انفراجة «حذرة» في ملف انضمام كل من «قسد» و«الأسايش»، إلى مؤسّستَي الجيش ووزارة الداخلية. ومن المفترض أن تنضمّ «قسد»، بموجب التفاهم الذي تمّ التوصل إليه، إلى وزارة الدفاع، على شكل ثلاث فرق عسكرية وبنظام الكتل لا الأفراد، فيما ستنضمّ «الأسايش»، إلى وزارة الداخلية، على أن يستغني كلا التنظيمين عن اسميهما.
ورغم أنّ اختلافات جوهرية حول آلية تعيين قادة هذه الفرق والوحدات ومهامها، لا تزال قائمة، فقد برزت محاولات لما يسمّى «بناء الثقة» – الذي يرتاب مراقبون في كونه مجرد تقطيع للوقت – عبر جولات لمسؤولين إداريين وعسكريين في «الإدارة الذاتية» و«قسد»، في محافظتَي حمص وريف دمشق، للاطّلاع على تجربة حكم المناطق إدارياً وعسكرياً، وإمكانية تطبيقها في مناطق شمال شرق سوريا.
وفي المقابل، زار وفد حكومي من وزارتَي الداخلية والدفاع، مدن الرقة والطبقة وحيّي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، للاطّلاع على تجربة «الإدارة الذاتية» في حكم تلك المناطق، وبحث إمكانية التفاهم على آلية إدارية وعسكرية موحّدة، يمكن تطبيقها في أنحاء البلاد بعد الانتهاء من عملية الدمج.
وكانت أثمرت المفاوضات بين الطرفين إعلان قوى الأمن الداخلي، في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، بدء فتح الطرقات إلى الحيّين من جهة نزلة الأشرفية، بعد توتر استمرّ لثلاثة أسابيع وصل حدّ اندلاع اشتباكات أدّت إلى مقتل عدد من العناصر من الجانبين. بيد أنّه على الضفّة المقابلة، تبقى المعابر بين الطرفين مغلقة لجهة طريقَي دمشق وحلب، اللذين يربطان بقيّة المحافظات السورية بمناطق سيطرة «قسد»، شمال سوريا وشمال شرقها، ما أدّى، طوال الأسبوعين الماضيين، إلى تعطيل دخول الخضار والمواد الغذائية والطبية والأدوية، وأثار احتمالية حصول أزمة إنسانية واقتصادية في تلك المناطق.
وتهدف ممارسات السلطة الانتقالية، على الأغلب، إلى محاولة الضغط على «قسد»، عبر التضييق اقتصادياً على مناطق سيطرتها، في ظلّ غياب أي بيانات أو تصريحات رسمية تبرّر إغلاق المعابر المدنية، والتي يستخدمها المدنيون، عادةً، للتنقّل بين مناطق سيطرة الطرفين، بهدف التواصل مع أقربائهم أو لغايات اقتصادية أو تعليمية، أو بغرض إجراء المراجعات الطبّية في مشافي العاصمة.
إلى ذلك، قوبلت خطوات التقارب الأخيرة بعدم رضا داخل أنقرة، وهو ما انعكس في استهداف فصائل محسوبة على تركيا نقاطاً لـ«قسد»، في منطقتَي دير حافر وسدّ تشرين. وفي السياق، رأى القيادي في «قسد»، محمود حبيب، في تصريحات إعلامية، أنّ «قضية الاندماج بين الحكومة (وقسد) تعطّلت لمدّة، على خلفية تدخّل تركيا في تفاصيل العملية»، لافتاً إلى أنه «في البداية، وافقت الحكومة السورية على اندماجنا ككتلة واحدة، لكنها غيّرت موقفها لاحقاً، وطلبت أن يتمّ الاندماج على أساس فردي».
وأردف أنّ «تركيا تمارس ضغوطاً على الحكومة السورية لمنع هذا الاندماج»، مستدركاً بأنّه «من المستحيل دمج عناصر (قسد) كأفراد، في وقت يبلغ فيه عدد مقاتليها ما بين 40 إلى 50 ألف مقاتل»، علماً أنه «في اللقاء الأخير بين أحمد الشرع ومظلوم عبدي، تمّ الاتفاق على قبول (قسد) ككتلة واحدة، ما أعاد مشروع الاندماج إلى مساره الصحيح من جديد»، طبقاً للمصدر نفسه. كما نوّه حبيب، إلى أنّ «عملية الاندماج تحتاج إلى وقتٍ كافٍ نظراً إلى الإجراءات التقنية المرتبطة بها، من مثل توزيع القوات وجرد الأعداد، وتحديد أماكن التمركز والمهام والتمويل والتسليح».
وعقب تسريب وسائل إعلام سورية مقرّبة من تركيا، معلومات عن خطّة «لتسليم دير حافر وسدّ تشرين ومسكنة للحكومة السورية، بالإضافة إلى حيّي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب»، جنباً إلى جنب ضغوط مارسها «التحالف الدولي على (قسد)، للإفراج عن عدد من عناصر القوات الحكومية»، كانوا قد اعتقلوا في وقت سابق في اشتباكات سدّ تشرين وحيّي الشيخ مقصود والأشرفية، نفى مصدر مطّلع على المفاوضات، في حديث إلى «الأخبار»، وجود «أي اتفاق على تسليم أي منطقة للحكومة».
وبحسب المصدر، فإنّ «المفاوضات جارية للتوصّل إلى تحقيق الاندماج التام لمناطق (قسد) مع مؤسّسات الدولة، مع مراعاة بعض الخصوصيات»، والذي يحتاج إلى «مزيد من التنازلات من الطرفين لإتمامه».
وأشار المصدر نفسه أنّ «تركيا تصرّ على حلّ وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة، لاعتقادها بأنهما مرتبطان بـ(حزب العمال الكردستاني)»، مضيفاً أنّ «(قسد) منفتحة على كل الأفكار، وتعمل على مناقشة الخطوات مع دمشق وواشنطن، للحفاظ على تماسك اتفاق العاشر من آذار ومنع انهياره».
يأتي هذا في وقت من المنتظر أن تعقد فيه جولة جديدة من الاجتماعات، بين اللجان الأمنيّة والعسكرية من الطرفين، مطلع الأسبوع المقبل، لـ«استئناف التفاوض على بقيّة النقاط الخلافية»، طبقاً للمصدر، الذي يستبعد أن تكون الجولة القادمة «حاسمة»، نظراً إلى «حجم الخلافات حول القضايا التقنية والفنية».
المصدر الأخبار اللبنانية