وقد شهدت إثر الحرب العالمية الأولى تحولات مهمة غيرت ملامحها السياسية والاجتماعية والثقافية. فكان الاحتلال العسكري المباشر عبر القوى الاستعمارية الغربية التي تقاسمت المنطقة، وسقطت فلسطين تحت الانتداب البريطاني ثم تطورت خطة دول الحلف لتُسلمها “هدية” ثمينة للاحتلال الصهيوني.
في ذات الحين خرجت سورية ولبنان من الوصاية الفرنسية الطويلة. أما العراق والأردن ومصر فقد نالت كلها استقلالها بعد عقود من الاحتلال البريطاني.
هذه التحولات الجيوسياسية صنعت وعيًا جديدًا لدى شعوب المنطقة العربية، التي أطلقت حركات المقاومة والتحرر الوطني لتناضل ضد الاستعمار التقليدي متأثرة من ناحية بالمقاومة الشعبية ومن ناحية أخرى بالأيديولوجيات التي انتشرت في العالم انطلاقًا من بداية القرن العشرين لتتوسع مع منتصفه مثل الشيوعية وحزب البعث في سورية ومصر المتحدتين آنذاك والعراق ثم حركة الإخوان المسلمين التي ستكبر في القرن الواحد والعشرين في ثورات الربيع العربي بدعم من نفس دول الحلف حتى أن بعضها سيبلغ الحكم في دول مثل تونس ومصر.
غير أن الخليج العربي الذي كان شبه غائب عن المنطقة في المنتصف الأول من القرن العشرين، سيفاجئ العرب والعالم بتحول مختلف تمامًا سيقلب وجه المنطقة تمامًا.
النفط أو الذهب الأسود الذي انفجر من باطن الصحراء وفاض مثل شلالات منهمرة ذهبًا، أعمى بريقها الساطع تحت الشمس الحارقة العالم كله، جعل شركات النفط الغربية تتوافد متزاحمة على المنطقة لينفتح الباب أمام الدول الغربية التي تنتمي إليها تلك الشركات لنوع جديد من الاستعمار الذي لن يقوم على الاحتلال العسكري المباشر كما حدث قديمًا، بل سيقوم ويتمدد ويستقر معتمدًا على النفوذ الاقتصادي من جهة وعلى النفوذ السياسي من جهة أخرى.
ذلك أن دخول تلك الشركات الأميركية والبريطانية سوف لن يتمّ إلا بدعم من الحكام المحليين الذين وجدوا في هذا “الكنز” الذي منحته الطبيعة للمنطقة وسيلة للتجذّر في السلطة والقبض عليها إلى الأبد (رغم التناحر الداخلي الذي بلغ حد الاغتيال) بعد أن شرعت تلك الشركات الأجنبية في إعادة تشكيل كل ما هبّ ودبّ في المنطقة من المكان والإنسان إلى شكل السلطة.
هذا التحول العميق لم ينجز من خلال احتلال تقليدي عبر جيوش وأسلحة ثقيلة وحرب بل تمّ عبر التسلل إلى عمق منطقة الخليج بأسلوب ناعم وأكثر دهاء وقد تمثل في التواطؤ مع السلطة ضد القبائل لاستغلال الثروة النفطية لصالحهم.
تمركز شركات النفط الأجنبية في الخليج صنع هذا التحول الذي سيُعد من أخطر التحولات التاريخية في المنطقة حيث غيّر شكل الحياة بالكامل فنقلها بسرعة فائقة من البداوة إلى التمدن، كما بدّل البنية الاقتصادية من الرعي بالجمال والمواشي والتجارة إلى أحدث أنماط البنيات الاقتصادية في مرحلة زمنية تعتبر جدًّا قصيرة في تاريخ الشعوب. أمّا عن الإنسان الذي كان يعيش في مجتمع القبيلة المغلق فقد اقتلع من خيمته ليسكن ناطحة سحاب.
وهنا يطرح السؤال الأكبر:
إذا ما كان تأثير هذا التحول الجيوسياسي خطيرًا على المنطقة كخطورة بركان حي فكيف كان تأثيره إذًا على عقلية ونفسية الإنسان ابن الصحراء بمواصفاته المعروفة من شهامة وكرم ونبل وتكاتف بعد أن وجد نفسه فجأة في حلّة التمدن والحداثة التي تخضع للمنظومة العالمية القائمة على الفردانية والاستهلاك؟
عبد الرحمن منيف: هل هو مجرّد روائي؟
الكاتب الروائي السعودي عبد الرحمن منيف، ولعلني أزيده صفة مفكر، ابن بيئته الصحراء سبق الجميع ربّما في الإجابة عن السؤال الذي يُطرح في السرّ أو في العلن: كيف واجه ابن الصحراء الاحتلال الجديد الناعم الذي تسلّل إلى وطنه وحياته راكبًا برميل نفط؟
ولد منيف في عمّان ونشأ بين السعودية والعراق، ودرس القانون ثم اقتصاديات النفط في يوغوسلافيا سابقًا حتى حصوله على درجة الدكتوراه. عمل في صناعة النفط، فاطلع عن قرب على تفاصيل هذه الصناعة الجديدة وكيف غيرت ملامح وجه المنطقة. لكنه لم يتوقف عند الجانب الاقتصادي فحسب، بل تمعّن في الأمر بعقل المفكر وفحصه بعين الفنان والكاتب ليكتشف ويكشف مدى تأثير هذا النفط/ الكنز على حياة الناس العاديين: سكان النجع وأبناء القبيلة وأبناء العم في الشرق الأوسط.
لاحظ منيف أن اكتشاف النفط لم يكن ثروة طبيعية منّ بها الله على سكان الصحراء لتقاسمها والاستفادة منها، بل رأى -عندما أمعن الفكر في واقع الحال- أنّها لا تعدو أن تكون سوى وسيلة استعمار جديدة دفعت الغرب لالتقاط فكرة التنقيب عن النفط في صحاري العرب واعتبارها مطية للدخول والاستقرار هناك تحت مظلة الشركات المتعاونة وبمباركة شيوخ القبائل.
هذا الاكتشاف الذي تمّ على يد الغرب ووجد فيه هذا الأخير مصلحته الأهم، جلب إلى أهل المنطقة من بدو الصحراء الاحتلال الناعم الذي لم يحتج إلى جنود، بل احتاج إلى العلماء والخبراء والشركات، ومعه جاءت قيم جديدة غربية غريبة على المجتمع البدوي البسيط الذي كانت حياته تقوم على الرعي والتجارة والعلاقات القبلية، وإذا بها تتحول فجأة إلى حياة مرتبطة بمناطق استخراج النفط التي تطلبت نمط حياة مختلف تمامًا عن حياة القبائل الرّحل فشُيدت المباني وعُمرت المدن الجديدة بهندسة معمارية مستقرّة وبنمط حياة يعتمد على التجارة الحديثة ببضاعة مستوردة من عندهم بالتأكيد. أما سلطات الحكم التي كانت تعتمد على شرعية دينية أو قبلية فقد تبين لمنيف أنها أصبحت مرتبطة مباشرة بدعم الدول التي تمتلك شركات النفط العملاقة إذ باتت هي وحدها من يضمن لها شرعية البقاء مقابل السيطرة على الثروة.
هذا الوعي العميق والمبكر الذي تمتع به الروائي عبد الرحمن منيف هو ما دفعه إلى طرح ذات السؤال وإلى الإجابة عنه بكتابة ملحمته الروائية الضخمة التي سجل فيها مختلف مراحل هذه التحولات الكبرى وهي خماسية “مدن الملح”، التي اعتُبرت من أبرز الأعمال الأدبية التاريخية العربية في القرن العشرين.
مدن الملح… مدن الربح
هل فكّر منيف في كل الأساطير والمعتقدات التي ارتبطت بالملح لندرته قديمًا وصعوبة نقله وأهميته لحياة الإنسان عندما وضع عنوان “مدن الملح” لخماسيته؟
ربّما… وربّما رأى أن هذه المدن المشيدة حديثًا على الصحراء ستذوب مثل الملح مستقبلًا لو طاولتها الأمواج مثلما تنبأ بذلك أحد شخصيات الرواية.
بين عامي 1984 و1989 صدرت الأجزاء الخمسة التي شكّلت ملحمة “مدن الملح|: التيه، الأخدود، تقاسيم الليل والنهار، المنبت، وبادية الظلمات.
هذا العمل الملحمة لم ينشأ منذ أن نبتت فكرة في ذهن مؤلفه على أن يكون رواية واحدة فقط ترصد ما حدث، بل نشأ منذ بدايته على أساس أنّه مشروع أدبي تاريخي شامل يرصد أوّلًا تحولات الخليج العربي (السعودية تحديدًا) منذ بداية القرن العشرين (1900) وحتى اكتشاف النفط وترسخ السلطة الجديدة ثمّ تفكيك وضعية التحول مستقرئًا المستقبل على ضوء تلك التحوّلات التي رأى مدى خطورتها.
في الجزء الأول “التيه” تبدأ الحكاية من واحة صغيرة، حيث يعيش الناس حياة بدوية بسيطة لكنها طبيعية، هادئة وآمنة. عند وصول الشركات الأميركية الضخمة يقتلع هؤلاء الناس البسطاء من أرضهم، لتتحول القرية بأكملها إلى موقع للحفر والتنقيب عن الذهب الأسود وتنطلق عملية تشييد مدينة “حران” أمام رفض متعب الهذال الذي يمثل معارضة الأهالي.
في الجزء الثاني “الأخدود” تنتقل الأحداث إلى مدينة “موران” التي تنمو بسرعة مذهلة، لتصبح رمزًا للمدينة النفطية وقد تغيّر شكلها بين ليلة وضحاها. مع الأجزاء اللاحقة تتوسع الرواية، فتصوّر تحولات المجتمع، فساد السلطة وتناحر أبنائها على الفوز برأسها، توافد الأجانب والتجار الجدد والأفاقين إلى منبع الثروة وتبعية الأنظمة الجديدة للقوى الأجنبية.
في النهاية تصل الملحمة إلى “بادية الظلمات” الجزء الخامس والأخير، حيث يستكشف عبد الرحمن منيف التغيرات التي طرأت على الناس والأمكنة والهوية في ظل متغيرات كبيرة، فيعلن عن قيام “الدولة الهديبية” ويجعل من فنر شخصية أسطورية، إلا أنها تنتهي بالاغتيال.
وختم منيف الملحمة بأن رأى في الثروة النفطية مصدر استبداد مطلق وظلام سياسي شامل غطى المنطقة بالسواد عوض أن يكون مصدر خير ورفاه للجميع.
*****
بهذا السرد التاريخيّ، كسر منيف التقاليد الروائية التي تعتمد على شخصية محورية واحدة تدور حولها الأحداث لتكون العبرة في مسارها وردود أفعالها، وقدم رواية مختلفة في بنائها الفني والسردي انطلاقًا من أنّ بطلها: المجموعة بكل ما تعرضت له من سطو على نمط حياتها وعلى هويتها التاريخية، المجموعة التي شملت أولئك الذين وجدوا أنفسهم وسط عاصفة من القولبة والتحديث بدون أن يختاروها أو يستعدوا لها.
وقد أثارت خماسية “مدن الملح” هرجًا ومرجًا عند صدور كل جزء منها، ومنذ صدور جزئها الأول قوبلت بالرفض في أغلب بلدان الخليج كما حُظرت من السعودية ولم يسمح بتوزيعها إلا في معرض الكتاب في دورة سنة 2023 كما مُنع كاتبها عبد الرحمن منيف من الإقامة في موطنه بعد أن سُحبت منه الجنسية وظل يعيش شبه منفيّ في عمّان ومدن أخرى إلى أن توفي في دمشق سنة 2004.
كما لفتت هذه الملحمة اهتمام النقاد العرب والأجانب. فاعتبرها إدوارد سعيد عملًا قصصيًّا فريدًا وجادًّا في تناول قضايا النفط وتأثيراته الاجتماعية والسياسية في منطقة الخليج. أما الناقد فيصل دراج فقد رأى فيها “بانوراما سردية ضخمة تفضح تحولات الخليج وتكشف تناقضات التحديث النفطي”. في حين وصفها جبرا إبراهيم جبرا بأنها “من أوسع التجارب الروائية العربية وأكثرها طموحًا”.
عن “الحقيقة” في الرواية التاريخية
لا يمكن لأي قارئ لـ”مدن الملح” أن يغادرها في جزئها الخامس كما دخلها في جزئها الأول، ورغم طولها وكثرة التفرعات والتفاصيل وربما ثقل الأسلوب التسجيلي في أغلبه مما يجعل القارئ يبذل مجهودًا مضاعفًا لقراءة العمل كاملًا تظل “مدن الملح” رواية مختلفة عن كل الروايات، فهي إلى جانب قيمتها الأدبية تعتبر أيضًا وثيقة تاريخية بامتياز لأنها تقدم سردية تاريخيّة محايدة لأن كاتبها فنان ومفكر بينه وبين قارئه ميثاق شرف لا مرئي يحتم عليه النزاهة والصدق. بينما يقدم التاريخ الرسمي والمنتشر للعموم سردية كتبتها أقلام السلطة ومن وجهة نظرها هي فحسب. فتحدثت وتتحدث عن اكتشاف النفط في الصحراء باعتباره قصة نجاح مبهرة للمنطقة وأهلها وهي أساس الازدهار الاقتصادي الذي جعل الحياة متطورة ومواكبة لما يحدث للعالم من تحديث، حوّل هذا العالم في حقيقة الأمر إلى منزل واحد بنفس الهندسة المعمارية ونفس الديكور ونفس التركيبة العائلية والفكرية، عائلة نمطية في منزل نمطي بأسلوب حياة مستنسخة بعدد المليارات على كل شبر على الكرة الأرضية.
تكشف سردية الأحداث في “مدن الملح” لمنيف بكل الوضوح الوجه الآخر للحقيقة التي لا تريد الأغلبية أن تراها، وقد تمثلت في عملية اقتلاع جذور القرى التي غزتها الشركات النفطية وداست على هويتها بالحذاء النفطي الذي لا يختلف في قساوته وتجبّره عن الحذاء العسكري، هذا الاقتلاع كان وراء ضياع الهوية الاجتماعية والثقافية والتراثية التي كانت تعَرِّف بشعوب المنطقة وقد باتت الآن مثل كل البشر تحمل هوّية العالم الموحدة وهي الرأسمالية المتغوّلة بعد غزوها الشامل من خلال الثورة الرقمية التي أنهت آخر أنفاس الهويات في العالم.
هنا تحديدًا تكمن قيمة الفن الروائي الذي يخرج عن الصراط ويتجاسر على أن يكون أداة لتسجيل التاريخ الحقيقي، من خلال التقاطه لتفاصيل الحياة اليومية التي تكمن فيها ملامح الهوية الخاصة بكل شعب من شعوب الأرض. يتجاهل المؤرخون الرسميون مثل تلك التفاصيل ولا يتوقفون عندها لأنها هي الدليل القاطع على أن شعبًا ما بهويته تلك كان يسكن تلك الأرض وكانت له عاداته وتقاليده لكنه شُوِّه فتغيرت ملامحه وتخلى عن كل تفاصيله ليكون مجرد رقم في عالم الأرقام الجديد.
عبد الرحمن منيف استطاع أن يوثق مرحلة تاريخية هامة في تاريخ منطقة الخليج بكل تناقضاتها، مستخدمًا تقنيات الرواية التسجيلية ليكشف حقيقة ما أخفته الوثائق الرسمية.
كل ذلك منح هذا العمل أهمية لا تكمن فقط في قيمته الأدبية، بل في وظيفته التاريخية أيضًا. فبينما يكتب التاريخ الرسمي قصصًا عن التنمية والتقدم، تكتب الرواية ما حدث في الخلف داخل الكواليس من اقتلاع جذري لحياة الناس، ومن تغوّل للسلطة، ومن ضياع للهوية. لذلك تظل “مدن الملح” رواية صادقة تسلط كشّاف الضوء على واحدة من أخطر التحولات التي عرفتها المنطقة العربية في الشرق الأوسط، وتبقى درسًا للأجيال المقبلة تخبرهم عن الثمن الباهظ للنفط الذي دفعه السكان الأصليون وقد تمثل في الاستعمار الناعم الذي تسلل إلى نجوعهم في الصحراء مع الدخان الأسود لآبار النفط ومن دون أن تطلق رصاصة واحدة.