كنت قد فصلت لكم اذ جئت باريس ، كيف وجدت أمر مؤسسي فكرة المؤثر فرضى ، وكيف تعبنا في ستر الأمر وايجاد المؤتمر ، وبعد انقضاء المؤتمر ، تفرق الجمع الذي لفق تلفيقاً ، ثم بعد قليل نقد صبر البيروتيين ، فذهبوا إلى بلادهم عن طريق استانبول ، وبقيت يا عزيزي وجدي أمثل الفكرة ، وبقي خليل زينيه وايوب ثابت ، وهما لم يرشقا من مشرب الجامعة العربية ولا قطرة واحدة ، حتى ولا من الجامعة السورية ، وانما همها بيروت وحدها لا شريك لها .
لو عجلت تلك الايام ورجعت على الفور إلى مصر ، لبقيت المسألة مقطوعة بتراء ، فيكثر استيزاء الافراد والجماعات
والاقوام باشخاصا ويجماعتنا وقومنا ، لكن الله عز وجل سلمني من هذا ، وقدرني على الصبر هناك مثلا للفكرة مدة خمسة اشهر وما هي بالقليلة ولا الكثيرة ، ونعمة المدة كانت ، وفقت فيها كثيراً ، وعظم فيها اختباري لاوريا ، وما أحوجنا إلى مثل هذا الاختبار .
جنت بعد ذلك إلى استانبول ، لأرى ما جد فيها، لان المعرفة بالقديم لا تعني ، والمعرفة عن بعد كثير من مآخذها غير صحيح ، وما أخر العلم المبني على مأخذ غير صحيح …
بعد وصولي بقليل عرفت كثيراً من الاحوال الحاضرة هنا ، وبعد مدة اخرى عرفت اكثر و كدت النني اكتفيت واحطت كل الاحاطة ، ولكن الآن تبين لي انه لولا الصبر والتأني اللذين مكني الفاطر سبحانه منها لرجعت تعرفة غير كافية ، ولذلك أصبحت لا اجسر ان اقول تمت احاطني ، وانما اقول : اصبح يجوز لي ان افصل بشيء من الطمأنينة ، وأن تأخير التفصيل والشرح كان انفع وجاء اليوم في وقته ..
والشرح هنا يتعلق بثلاثة مواضيع و او موضوعات ..
1 – أوروبا والعثمانية – – – الاتحاديون وغيرهم . ٣ – رجال الاصلاح الحقيقي وابناء العرب هنا وفي الجهات الأخرى واني ابدأ بالأول القصر البحث فيه ، واشفع بالثاني ، واخرت الثالث لطوله ، وطولته التوقف التفاهم ، وكثير من اعمالنا على الاحاطة بهذه الحقائق المشروحة فيه .
اوروبا العثمانية – : لقد كشفت اوروبا آخر ستار من ستر السياسة في المسألة العثمانية وقررت التداخل في سائر شؤونها ، والنما لا يزالون مختلفين بعض الاختلاف في كيفية هذا التدخل وكميته وصورة توزيعه فيا بينهم ، وليس في أوروبا اليوم موضوع مقرب على هذا الموضوع ، ولا تفي ثلاثة اشهر حتى تتخص الليالي وتلد ذلك الشكل الجديد الذي يتفقون عليه ، والذي أظنه ان الدولة ستبقى معه وتعيش أحسن مما كانت عائشة ، لأن بعض التداخل طب ، ولست مغالياً اذا ذهبت الى ان الموت اقرب اليها مع عدم التدخل البتة منه مع شيء من ذلك ، فانا اذا قلنا بعدم التدخل البنة ، فحينئذ تخلق كل واحدة سبباً لانشاب الحرب عليها فتؤخذ بداء السكتة دفعة واحدة .
الاتحاديون وغيرهم
الاتحاديون معروفون فمن غيرهم ؟
لا يوجد الآن حزب سياسي آخر إلا ان يكون خفياً ، ولم أسلم شيئاً من هذا ، وحينئذ لا تجد مقابل الاتحاديين الا جماعات الاجناس ، كجماعات الروم وجماعات الأرمن وجماعات العرب .
تعرف ان الروم جماعات واحدة يرأسهم البطرك ، ولكيلا يستيد ربطوه مجلسين روحاني وجسماني ، وهكذا الارمن أما العرب ، فليس لهم مثل ذلك ، وثانياً : الروم والارمن لهم جمعيات سياسية منظمة مرتبة عليه ، وليس للعرب مثل ذلك ، اللهم الا جماعتنا في مصر ، وجماعتنا في بيروت ، إذن غير الاتحاديين هم الروم والارمن وجماعتنا في مصر وجماعتنا في بيروت .
فالاتحاديون ، هم أولياء الأمر مباشرة ، وهم اليوم يتسلحون بعزائم شديدة ماضية ، وناوون نية قاطعة أن يجددوا شباب الدولة بقدر ما تسمح الظروف ، ويشتبون أن يخلص اليهم العرب ، ويساعدهم فضلاؤهم في هذا السبيل ، ويعترفون بخطيئاتهم الماضية ، ويودون ان لا يعودوا إلى مثلها يقدر الامكان ، أنا مؤمن بنياتهم وأقوالهم هذه كل الايمان ، الأدلة كثيرة ظيرت لي ، ولكنني مرتاب من جهة قابليتهم تطبيق العمل على النية ، وعلى كل حال أرى ان عدم تركهم وحدهم خير من تركهم ويرجى به آن تقوى قابليتهم ، فإن شئتم ان تخطئوني بتحسين الظن إلى هذه الدرجة – كما اشرتم إلى ذلك في كتاب ….. – فاني لا اخطئكم بالتخطئة ، لأني أجل رأيكم اكثر من رأيي، وانما ارجو ان يكون في خطئي شيء من البركة ، ارجو ذلك من مصداق قوله سبحانه : « فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً ..
هذا وصف الاتحاديين بما هم عليه اليوم ، أما الروم فقد قلوا في المملكة ، وقصاراهم ان يحافظوا على ما بيدهم من امتيازات البطركية وحق المبعوثية وسيقل الالتفات اليهم ، وأما الأرمن ، فهم آلة بيد روسية ، وسيتم لهم في المبعوثية حظ قريب مما يأملون ، واما نحن معشر العرب ، فان أخاكم الآن يعتبر ممثل جماعتنا ، وقد فضلت ما تم على يدي في الكتاب الذي أرسلته إلى الاخ الرفيق في البريد الماضي وههنا سأزيد :
رجال الاصلاح الحقيقي وأبناء العرب هنا وفي الجهات الأخرى ما أظنكم – استغفر الله ما اعتقد انكم في حاجة إلى بيان ، ان رجال الاصلاح الحقيقيين غير كثيرين ، وما اعتقد انكم تعرفون منهم أكثر من ثلاثة أو أربعة ، وأعني برجال الاصلاحالحقيقيين من جمعوا في موضوع الاصلاح بين صدق النظر وصدق العمل ، من كثرت تجاربهم و مونت روينيم ، وصحت عزيتم ، وشهد أهم ماضيم ، من كثر اختلاطهم بمختلف الطبقات، ووقوفهم على متباين النزعات ، وصيرهم على متنوع العقبات ، من امتزجت روحهم يجب النظام الذي يحبه الله ، وكره الفساد الذي يكره الله وامتزجت سيرتهم بأخبار معامع الجهاد الاصلاحي ، ومن اشربت افكارهم فهم معنى الرابطة ، وأفئدتهم محبتها وتعشقها ، فنحن لقلة هؤلاء واقعون امام حاجتين عظيمتين : الحاجة إلى تكثيرهم ، والحاجة إلى اشغال هؤلاء مع من ليس من جنسهم وطبيعتهم ، ثم نحن مع قلتهم وصعوبة استعاليم مع غيرهم امام مشكلتين عظيمتين ، الأول السبات الذي فيه الأمة ، والثاني الجشع الذي أوروبا فيه .
اترك تفصيل هذا الاجمال الحكمتكم ، وحسبنا هي في كل موضوع ، وآخذ الآن بحكاية حال ابناء العرب هنا لانكم علقتم الأمل على صنف منهم ههنا .
د العرب هنا ثلاثة اصناف ، متاجرون ومتعلمون ومأمورون ، فالصنف الأول لا في الغير ولا في النفير من جهة السياسة والاصلاح ثم هو في غاية القلة ، والصنف الثاني أولاد في ناشئة العمر لا يليقون للسياسة ولا تليق لهم ، والصنف الثالث اربعة اقسام : الضباط والمأمورون المنصبون في بعض الوظائف، والمأمورون المتقاعدون القيمون هنا ، والمأمورون المعزولون الذين جاءوا لينصبوا.
فأما الضباط ، فلا تجربة نفهم في هذه المسالك البنة ، والأولى عدم دخوهم فيها ، فإن هذه التجربة القليلة التي سأقصها الآن زهدتي في كل سياسة يشترك فيها الضباط منا ، ذلك ان (…) ناقم اليوم على الحكومة فيشتهي لاجل هذا زعزعة الدولة ونسفها نسفاً ، وهو لاجل ذلك ناقم على ائتلافنا مع الحكومة ، ومضاد له ، لانه على زعمه يؤخر حركات العرب ، ولا أدري ما هي حركات العرب ، وابن تسير وابن تومي ، وهذا يجتهد أن يجمع حوله بعض أولئك الأولاد وينفرهم منا ومن ضيعنا ، ولكن لا ينجح بحوله تعالى ، ومن جهة أخرى فهو يحافظ على ظاهر الصداقة بيننا ، وقد اردت اختباره ، فرأيته يجنح إلى مصالحة أولياء الأمور وحينئذ يرضى عن كل شيء ، فانظر يا عزيزي الى الذين يعدون انفسهم في مصاف رجالنا ، ، واما المأمورون المتقاعدون ، فمثلهم كمثل العجائز لا يرضيين تيء ، ولا يستطعن عمل شيء .
ه واما المأمورون المنصون ، فلا هم لهم الاحفظ النصب ، « واما طلاب المأموريات ، فجياع مساكين لا يفهمون من الاصلاح الا المأمورية ، ان جاءت فقد جاء الاصلاح ، وان لم تجيء فقد منع الاصلاح . .
ه ومن هذا التفصيل يظهر لك ان العاصمة في حالتها الحاضرة ليس فيها عرب تستطيع جماعتنا ان تعتمد على احد منهم ، أو ان تعمل صلة ورابطة مع احد منهم ، اللهم الا ان يكون « فلان وفلان ، وكل ما اخبركم عنه ، فلان ، وهو سراب بقيعة جاءه الحوكم الظلمان فلم يجده شيئاً ، وبعض أولئك الأولاد يحسدون الشاب عبد الكريم ، وبعضهم لم يتمكن من اناتهم ارباً لا ييم او اخيم او ابن عمهم مثلا ، ومن ههنا اكثروا عليه من قبل وقال وكله هراء وهواء .
ه واما العرب في الحبات الأخرى ، فهم أهل سورية واهل العراق واهل الجزيرة الخلص ، فالسوريون والعراقيون حضر قد الفوا الذل ، وتعودوا الاستجداء والاستكانة ، لا يفهمون ولا يريدون أن يفهموا ، لا يساعدون ولا ينوون ان يساعدوا ، ولا يبيون ولا يروق هم ان يوقظوا ، وأما اهل الجزيرة الخلص ، فهم الأهل وقاهم الله الخير وشد سواعدهم ، أولئك يجب وصل الرابطة بهم من غير أن نقطعها مع الخضر على قلة غنائهم .
د قد قيمت من كتاب الاخ « فلان » كثيراً ، واستنبطت كثيراً ، ولو كان في وسع البشر ان تتوزع ارواحهم على امكنة متعددة لكن روحي اوزاعاً على اليمن وعسير والحجاز ونجد وحضرموت ولكن نظرية الصوفية في هذا الباب لا يمكن تطبيقها .
د انظر يا عزيزي ، أنا لازم لهناك كما تشير ولازم الى هنا ، فان هنا محل عمل ليس بقليل ، فاني ارجو ان يكتر بوجودي هنا عدد رجالنا الذين يعتمد عليم ، فان رضبت عن هذا الرأي فعليك عملان معجلان وعمل بشي مع الزمان ، وأنا معك فيه على بعد المقر ، فالأول من المعجلين تبشيري بتلعراف من رضائك خاصة ، وهو الأهم ، ورضاء الرفاق عامة وهو مهم ، والثاني منها جملك الرفاق على تقديم تلغراف الصدارة يحبذون فيه هذا التعيين ، ويجعلونه دليل إقدامهم على تنفيذ الرغائب كلها بعبارات رقيقة تشويقية، اما الثالث ، فهو ما بيننا من أمر ايجاد الرجال الذين يعتمد عليم ، وتوزيعهم بقدر ما يساعد الزمان والمكان ليت الاصلاح العلمي والعملي .
وإن لم ترض عن هذا الرأي فاكتب الي مفصلا ومبيناً من كل جهة من جهات الموضوع ، وأنا من عهدت من بدع رأبه أسيراً إلى رأي وليه . .
هذه هي الخلاصة المفصلة واليك خلاصة الخلاصة وهي : و أن اليأس لا يجوز في حال من الاحوال ، ولكن الامة في كل اطرافها ليست بحالة يعتمد عليها في شيء ، وانه مع هذا لا يجوز اهمالها ، وكذا لا يجوز اعمال من بيدهم أمر المملكة وتركهم وحدهم ، وانه لا بد لنا مهنا من رجال ، وان اكثر ما يتصرف به الرواة غير صحيح ، واني منتظر امركم بسرعة ، وان شوقي عظيم ….
عبد الحميد الزهراوي
نقلا. عن صفحة الصديق عبدالرحمن الحاج