دمشق ـ «القدس العربي»: أصدر وزير العدل في الحكومة السورية الانتقالية، مظهر الويس، قراراً يقضي بتكليف محاكم البداية المدنية الثانية في مراكز العدليات، بالنظر في منازعات الاستيلاء على العقارات أو التلاعب بملكيتها التي حصلت في الفترة الماضية، الأمر الذي لاقى ارتياحا بين أوساط حقوقيين، أشاروا إلى أن القرار أعطى أولوية لسرعة النظر بهذه القضايا كونها تتعلق بعودة لاجئين ومهجرين لبيوتهم، لكنه استثنى عقارات مستولى عليها قبل عام 2011 تعود في مجملها لعناصر من جماعة «الإخوان المسلمين».
تاريخ من الاستيلاء
وانتشر التعدي على الملكية الخاصة في سوريا بشكل كبير، حيث استغل متنفذون في النظام السابق أو فاسدون تهجير الأهالي ليبيعوا منازلهم ثم ثبتوا العقود في المحاكم بالتزوير ودفع الرشاوى، وبدأت عمليات الاستيلاء على أملاك المعارضين منذ ثمانينيات القرن الماضي، وكانت حينها تطال أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، وبعد اندلاع الثورة حصلت عمليات استيلاء على ممتلكات كثيرة لمعارضين مهجّرين.
القرار الصادر الأربعاء وتم توزيعه الخميس أوضحت مقدمته أنه جاء بهدف حفظ حقوق المواطنين وتسريع حل نزاعات الملكية والغصب ووضع اليد الناشئة خلال سنوات الثورة، على أن يتم تكليف محاكم الاستئناف المدنية الثانية في مراكز العدليات إضافة لعملها، بالنظر في طلبات استئناف القرارات السابقة، موضحا أنه يطبق على الدعاوى موضوع هذا القرار عند تسجيلها، نظام تبادل اللوائح وتقصير المواعيد ما أمكن دون الإخلال بحق الدفاع المشروع، وأن للمحكمة الناظرة في الدعوى إعطاء القرار صيغة النفاذ المعجل وفقا للأصول المحددة في قانون أصول المحاكمات.
وأوضح بيان صادر وزارة العدل أن عمليات الاستيلاء غير المشروع، تمت عبر التعدي أو الغصب أو نقل الملكية بطرق مخالفة للقانون، وعليه أصدرت الوزارة قرارها الذي يتضمن خطة متكاملة لمعالجة هذه القضايا وفق نهج موحد وسريع ومنصف، وذلك بتخصيص محاكم ودوائر قضائية للنظر حصرياً في هذه القضايا، بهدف توحيد الاجتهاد القضائي وتجنّب التناقض في المعالجة، وتقصير المدد الزمنية للنظر في الدعاوى وتبسيط الإجراءات دون المساس بضمانات المحاكمة العادلة، حيث يحفظ القرار كامل حقوق الدفاع الجميع أطراف النزاع، وفقاً لمبادئ العدالة والقانون.
واعتبرت الوزارة أن تمكين أصحاب الحقوق من استرداد أملاكهم عبر قرارات قضائية تصدر خلال آجال معقولة يرمي إلى معالجة آثار النزاع على الملكيات العقارية وضمان عودة الحقوق إلى أصحابها الشرعيين، بما يسهم في تعزيز الاستقرار المجتمعي، والحد من أسباب التوتر والنزاع العقاري.
النفاذ المعجّل
ورحب الحقوقي والمحامي عارف الشعال بقرار وزير العدل بتخصيص محاكم للنظر بالنزاعات الواقعة على الملكية خلال فترة الثورة، موضحاً في تصريح لـ «القدس العربي» أن الغالبية العظمى من هذه القضايا تندرج تحت ما نسميه بـ «دعوى منع معارضة» وهي من اختصاص محكمة البداية المذكورة بالقرار.
واعتبر أن القرار الوزاري يتسق تماماً مع القوانين النافذة، وتحديد غرف محاكم الدرجة الأولى والثانية الناظرة بهذه القضايا، ويعتبر من قبيل توزيع العمل بين المحاكم، وله أساس في قانون السلطة القضائية، لكن اللافت هو إلزام المحاكم بتطبيق نظام «تبادل اللوائح» في أصول التقاضي، وهو نظام مهجور لأن تطبيقه يحتاج لكادر إداري كبير، يمكن توفيره لغرفة واحدة ولكن لا يوجد في القانون ما يمنع المجلس من إلزام القضاة بتطبيق نصوص مهجورة بالقانون.
وأكد الشعال تركيز القرار على مبدأ النفاذ المعجل، ومواعيد قصيرة للجلسات، وفرض نظام تبادل اللوائح، وتكليف إدارة التفتيش مراقبة حسن تطبيق القرار، يفيد بأن المجلس يعطي الأولوية القصوى لسرعة النظر بهذه القضايا كونها تتعلق بعودة لاجئين ومهجرين لبيوتهم، وأن التهاون في هذه السرعة، والبطء في الإجراءات، قد يعرض المتهاون للمساءلة أمام المجلس. وأوضح أن مبدأ النفاذ المعجل الذي حثَّ عليه القرار يطبق على قضايا إشغال العقار وتسليمه، دون نقل الملكية بالسجل العقاري الذي لا بد من قرار مبرم لتنفيذه.
المحامي محمود مرعي قال في تصريح لـ«القدس العربي» إن الذين تم الاستيلاء على منازلهم قبل بداية الثورة عام 2011 لن يستفيدوا من هذا القرار باعتبار أن المحاكم التي أوكل لها البت في مثل هذه الدعاوى قد تم تحديد اختصاصاتها، مشيرا إلى أن صاحب العقار المستولى عليه حين يعود إلى سوريا يستطيع طبعا تحريك دعوى ضد من اغتصب منزله ولكن وفق الآليات العادية المعمول بها في المحاكم السورية وليس في محكمة البداية الثانية التي خصصها القرار الأخير للعقارات المستولى عليها بعد 2011، ما يعني أن البت بمثل الدعاوى لن يستفيد من عملية التسريع باتخاذ القرار وقد تأخذ الدعوى بهذه الحالة سنوات ليبت بها.
وقال إن القرار يُستشعر منه وجود غايات سياسية محددة ضد جماعة الإخوان المسلمين في سوريا حيث حرم هؤلاء من الاستفادة منه باعتبار ان عمليات الاستيلاء على منازل من اتهموا بأنهم من جماعة الإخوان كانت قد بدأت منذ ثمانيات القرن الماضي ولم تبدأ مع بداية الثورة.
عمليات احتيال
ولم يستبعد مرعي حصول حالات احتيال في أكثر من موضع من قبيل أن يكون صاحب العقار الهارب من بطش نظام الأسد قد باع منزله لمواطن يقيم داخل البلاد عبر عقد غير مسجل، واستلم كامل قيمة المنزل، وبعد أن سقط النظام عاد ليطالب بمنزله بحجة أنه مستولى عليه وأنه لم يبعه لأحد.
وبين أن البت في مثل حالات الاحتيال هذه تقع على مسؤولية القضاة حصرا، ومن تم تخصيصهم بالقرار هم قضاة محاكم البداية المدنية الثانية، وهؤلاء أصحاب خبرة مقبولة باعتبار أنهم اكتسبوها خلال فترة لا تقل عن 15 سنة من العمل في السلك القضائي.
وذكر مرعي أن من بين حالات الاحتيال الأخرى الكثيرة قيام رجالات النظام السابق بالاستيلاء على منازل المعارضين ممن نزحوا إلى إدلب أو الريف الشمالي عموما، أو ممن هربوا خارج البلاد، ثم باعوا هذه المنازل لمواطنين عاديين بعقود تمت عبر الاحتيال واستغلال النفوذ والفساد، واليوم وبعد سقوط النظام عاد أصحاب المنازل من النازحين أو المهجرين ليجدوا منازلهم وقد بيعت لآخرين.
وأوضح أن صاحب العقار يستطيع أن يحرك دعوى ضد من احتال وباع منزله إن كان موجودا داخل البلاد أو خارجها، فإن كانت لديه ملكية فيتم الحجز عليها لاسترداد حقوقه منها، لكنه لا يستطيع استرداد منزله ممن اشتراه ويدعى هذا قانونا بـ«شاري حسن النية» الذي لا يلزمه القانون بتسليم المنزل، أما إن كان من قام بعملية الاحتلال، لا ملكية لديه داخل البلاد فحينها لن يستفيد المالك الأصلي بشيء وسيخسر منزله.
وبين أن حالات الاحتيال هذه كانت شائعة في عهد النظام السابق حتى أن أحد المحامين قام بعد انطلاق الثورة بثلاث أو أربع سنوات ببيع نحو 800 عقار لآخرين بعمليات تزوير في ضاحية حرستا، وقام بالانتحار بعد أن تم كشف أمره.
وأكد أن أشخاصا من كبار رموز النظام عادة ما كانوا يستولون على منازل معارضين خارج البلاد، ومنها ما كان في أهم أحياء العاصمة مثل المالكي والمزة وتقدر قيمتها بملايين الدولارات، ويقومون بإعادة بيعها، ومثل هذه الحالات يقدر عددها بالآلاف في مدينة دمشق وحدها، مع انتشار الحالة على مستوى البلاد.
وذكر أن عملية التسريع الواردة في قرار وزير العدل تعني أن الجلسات في الدعوى تكون ما بين أسبوع واثنين، وليس كما في الحالات العادية جلسة كل ثلاثة أشهر.
المصدر القدس العربي