يكسر الرئيس السوري أحمد الشرع العديد من المحرمات على صعيد العلاقات الدولية. ولم تشذ زيارته إلى موسكو، في منتصف تشرين الأول/أكتوبر الجاري، ولقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، عن هذه القاعدة. لكن هذه الحصانة الخارجية المتزايدة لا تعكس حتى الآن مناعة داخلية في وجه العديد من التحديات التي تواجهها سوريا الجديدة.
طبعًا شكَّلت زيارة الشرع إلى موسكو قمة التحولات الهائلة في ملف العلاقات الخارجية التي ينتهجها النظام الجديد.
لم تأتِ زيارة الشرع من فراغ، بل سبقها زيارة هي الأولى من نوعها لمسؤول سوري من النظام الجديد، لوزير الخارجية أسعد الشيباني، يرافقه وزير الدفاع مرهف أبو قصرة، في نهاية تموز/يوليو الماضي حين التقى كل من بوتين ونظيره الروسي سيرغي لافروف.
ردت روسيا بزيارة وفد إلى دمشق في التاسع من أيلول/سبتمبر نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك، حيث التقى الشيباني في دمشق.
وقبل أيام من زيارة الشرع، أي في الثاني من تشرين الأول/أكتوبر، وصل وفد عسكري سوري برئاسة رئيس هيئة الأركان العامة اللواء علي النعسان إلى موسكو، في زيارة يمكن وصفها بالتحضيرية.
من المفهوم أن الشرع يعيد هيكلة علاقات سوريا الدولية بطريقة تخرجها من العزلة التي فرضها عليها نظام الأسدين منذ عشرات السنين، وازدادت مع بشار الأسد. هكذا تبني الدول علاقاتها على أساس المصلحة وتحقيق الأهداف الوطنية سواء الداخلية أو الخارجية. ومن هنا يبرز الانفتاح السوري في العلاقات وكسر المحرمات في مقاربة الملفات العالقة والتي تعيق تقدم سوريا وبنائها، سواء في العلاقة مع الولايات المتحدة، والتفاوض المباشر مع إسرائيل، وصولًا إلى زيارة موسكو الأخيرة، ناهيك عن العلاقة مع الاتحاد الأوروبي والدول العربية والإقليمية، وعلى رأسها السعودية وتركيا وقطر.
لكن، إذا كان استعجال النظام السوري الجديد لإعادة ترميم هذه العلاقات وهيكلتها مفهوما من أجل النهوض بسوريا من الهوة العميقة والدمار الممنهج للنسيج الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، وحتى العمراني، فإن القفز السريع فوق الذاكرة والتجربة الجمعية للسوريين بهذه السرعة له محاذير عدة.
تَسَمَّر الكثير من الرفاق السوريين طويلا أمام الشاشات أو شاهدوا الصور ومقاطع الفيديو المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي للحظة دخول الشرع إلى الكرملين ومصافحة بوتين وممازحته. صحيح أن العديدين شعروا بالرضا لرؤية علم الثورة الأخضر حاضرًا في الكرملين، بما يمثل من انتصار على ما أرادته روسيا أصلاً، وصحيح أن العديدين قارنوا بين زيارات الأسد التي كانت بمثابة استدعاء لرئيس صوري، لكن الجميع اجتاحه هذا الشعور بالغضب والحيرة لمصافحة بوتين، الرجل الذي أطال معاناة السوريين لتسع سنوات إضافية، ما يعنيه ذلك من عشرات آلاف الضحايا والمدن المدمرة، ونهاية وأبدًا تأمين إفلات الأسد من العقاب على جرائمه وعلى رأسها المجازر الكيماوية.
من الواضح أن السوريين يمنحون الحكم الجديد فرصة ليروا النتائج، حين يتعلق الأمر بالانفتاح مع دول يناصبها السوريون عداء تاريخي مثل إسرائيل، أو ما زالت أياديها ملطخة بدمائهم مثل روسيا.
لكن لا يبدو أن النتائج، وتحديدًا عدم التحدث عنها رسميًا، يساعد النظام الجديد.
والحال أنه لا يمكن مقارنة إعادة التواصل والانفتاح مع روسيا، بتلك مع الولايات المتحدة الأميركية.
فالولايات المتحدة بالنسبة للسوريين هي الدولة التي وقفت، مع الاتحاد الأوروبي، ضد نظام الأسد منذ 2011، وحضور سفيرها لتظاهرات حماة في صيف ذلك العام، وصولًا إلى قطع العلاقات.
كما أن العقوبات الأميركية، وأبرزها قانون “قيصر”، كان لها الأثر البالغ في إضعاف نظام الأسد ومحوره الإيراني ككل.
كما أن مد الجيش الحر بالسلاح، وأبرزها صواريخ “تاو”، كان لها أثر بالغ في المسار العسكري في مراحل دقيقة من عمر الثورة، وتزامنت مع تمسك أميركا والغرب بإيجاد حل لسوريا يكون القرار ٢٢٥٤ ورحيل الأسد في صلبه.
هذا في زمن الثورة، أما في زمن الانتصار وسقوط الأسد، فإن الانفتاح على الولايات المتحدة أدى إلى رفع العقوبات، وضغط الولايات المتحدة على إسرائيل لمحاولة ضبطها في التوسع جنوبًا وإجبارها على مسار تفاوضي مع سوريا الجديدة، بالإضافة إلى الضغط الأميركي على قوات سوريا الديمقراطية الذي أدى إلى توقيع اتفاقية بين الشرع ومظلوم عبدي.
رفع العقوبات عنى المس المباشر بحياة الناس والتجار وإعادة نهوض الاقتصاد، وبالتالي لمس الناس نتائج هذا الانفتاح بطريقة سريعة وملموسة. الأمر نفسه ينطبق على السعودية وتركيا وقطر وغيرها من الدول العربية والإقليمية الداعمة لمسار الدولة الجديدة.
أما بالنسبة لروسيا، فلا يتضح حتى الآن ما هي النتائج التي يحصدها السوريون جراء إعادة بناء العلاقات “التاريخية” مع روسيا. فباستثناء الأخبار عن استكمال طبع وتوريد العملة السورية، ليس هناك نتائج مرئية.
على العكس من ذلك، تبدو روسيا واضحة وصريحة في رفض تسليم الأسد وفي الاحتفاظ بقواعدها في سوريا. أي فعليًا تستمر بجني المكاسب التي من أجلها دعمت بشار الأسد.
يضيف غياب الشفافية والمصارحة الرسمية السورية لأهداف سوريا الجديدة من الزيارة، بل إن هذا الود الظاهر تجاه بوتين يترك مجالًا واسعًا للغضب والتأويلات أو على الأقل لعدم الارتياح في أوساط السوريين الذين خسروا بيوتهم وأحباءهم ومستقبلهم بسبب كل من دعم بقاء بشار الأسد في السلطة.
صحيح أن الموقف الروسي في الأيام الأخيرة قبل سقوط الأسد كان واضحًا بالتخلي عن الأسد، على الرغم من الشك بأن أي خيار آخر كان ليغير مصيره يوم 8 كانون الأول/ديسمبر، لكن ذلك لا يلغي تاريخًا طويلًا من دعم الديكتاتور.
يبدو أن ما يريده الشرع من روسيا لا يتعلق بإعادة الإعمار أو الدعم الاقتصادي وهو أمر ليست روسيا قادرة عليه، بل استخدام نفوذها من أجل ضبط الوضع الداخلي السوري، وتحديدًا مع العلويين ساحلًا ومع السوريين الكرد وقوات سوريا الديمقراطية، شمال شرق سوريا.
إذا، إنه قرار النظام الجديد في دمشق بجعل روسيا شريكًا في الأمن الداخلي السوري، خصوصًا فيما يخص العلويين والسوريين الكرد.
لكن هل يحتاج الشرع إلى وسيط دولي من أجل الحوار مع السوريين في الساحل؟ ولماذا فشل النظام في تطمين العلويين الذين عانوا من تشبيح عصابات النظام وقواته الأمنية تحت حكم الأسد أيضًا؟
وإذا كانت روسيا استقبلت عقب معارك ومجازر الساحل، “نحو 9000 علوي في حميميم”، فما هو المطلوب منها حاليًا؟
وماذا سيقدم النظام السوري الجديد في المقابل؟
هل تكون محاولة القضاء على كتيبة “الغرباء” في حارم، أي ريف إدلب الغربي القريب من الساحل والقواعد الروسية، أول الغيث؟ أم أن محاولة قوات الأمن السيطرة على مخيم عمر أومسين مباشرة بعد زيارة روسيا هي محض مصادفة؟
أما في الشمال الشرقي، فيبدو أن إدخال روسيا كوسيط ضامن مع قوات سوريا الديمقراطية ثمنه كبير أيضًا: السكوت عن تحول القاعدة الروسية الضخمة في القامشلي إلى قاعدة استراتيجية، خصوصًا أنها تحوي أجهزة تشويش وتجسس إلكتروني.
على العكس من العلاقة مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية والإقليمية، من الوارد أن تتحول العلاقة مع روسيا بهذا الشكل المتسارع إلى أزمة، ما لم تظهر للسوريين مكاسب التنازل عن حقهم بمحاسبة روسيا على دعمها للأسد.
هذه النقمة قد لا تبقى موجهة ضد روسيا فقط، بل إنها قد تشكل مادة لتقوية الجماعات الجهادية الأجنبية المنتشرة شمال البلاد.
قاد الشرع بلاده إلى الخروج من النفق وهذا مفهوم جدًا، لكن لا يمكن القفز فوق دماء الناس وذاكرتهم بسرعة من دون مكاسب ملموسة.. ذلك قد يؤسس إلى انفجار لاحق لا يستفيد منه إلا أعداء استقرار سوريا وحرية السوريين
. المصدر تلفزيون سوريا
