كان لبعض الباحثين السوريين والعرب مقاربات عديدة للتجربة الرواندية، غلبت عليها الإشادة بنموذج النهوض الرواندي من بحور الدماء التي أغرقت هذا البلد عام 1994. مقاربات ركّزت في نسب النمو وتراجع معدّلات الفقر، وانحسار معدّلات الجريمة، واسترداد “السلم الأهلي”، وتحقّق درجة عالية من الاستقرار السياسي وانخفاض مستويات الفساد، في دولة باتت متفوّقة على معظم أقرانها في وسط القارة الأفريقية. لكنّ تلك المقاربات خلت من أيّ معالجات عميقة لسبب “الندبة” التاريخية المتمثلة بلحظة انفلات غرائز القتل من عِقالها من جانب “أكثرية” من السكّان حيال “أقلية” منهم، بصورة قد تكون غير مسبوقة في تاريخنا المعاصر بهذه الدرجة والحدّة. ولم تتطرّق تلك المقاربات إلى إجابةٍ على السؤال الأهم: هل تجاوزت رواندا احتمال تكرار هذه التجربة التي كانت قد سبقتها تجاربُ مصغّرة عنها، أشبه بمقدّمات لها؟
حكم “الأقلية”
يصعب على المتعمّق بالتجربة الرواندية، قبل الإبادة وخلالها وبعدها، أن يتجاهل نقاط التشابه مع الحالة السورية. هي نقاط تشابه، لا تطابق، لكنّها مناسبة وفق المنهج المقارن لاقتناص بعض الدروس المفيدة. نقاط تشابه تشمل تعقيدات العلاقة بين “الأكثرية” و”الأقلية” في تركيبة الحكم، ودور الاستعمار في الرفع من حدّة هذه التعقيدات. وأدوار الأطراف الخارجية بعد الاستقلال، خصوصاً الإقليمية منها، وكذلك الدولية. من دون أن ننسى التقاعس الدولي لحظة “الإبادة”، ومن ثمّ، محاولة “تخليص الذمّة” الدولية بعدها عبر دعم الطرف المنتصر، الذي يمثّل من وقع عليه فعل “الإبادة”، مع غضّ الطرف عن تجاوزاته وانتهاكاته، مروراً بفترة انتقالية بدأت لتكون مؤقّتةً، لكن من أمسك بزمامها لم يفلتها منذ أكثر من 30 عاماً، حتى تحوّلت رواندا ديكتاتوريةً مرتبطةً باسم الرئيس، وتستند إلى قوة “الأقلية” التي يمثّلها.
ويحلو لكتّابٍ عربٍ كثيرين إرجاع موبقات العلاقة بين مكوّنات المجتمع الرواندي إلى “الاستعمار”، وهم محقّون جزئياً. لكن إحدى أبرز الدروس التي على السوريين اقتناصها من التجربة الرواندية، أنّ “الخارج” لا يملك القدرة على التأثير فينا، إلّا عبر اللعب على أوتار إشكالات قائمة بالفعل.
يتكوّن المجتمع الرواندي من ثلاث مجموعات بشرية، لا تفرّقها انتماءات عِرقية بالمعنى الإثني أو الجيني للكلمة، كما لا تفرّقها انتماءات دينية أو ثقافية مختلفة. نقطة الفرق الوحيدة بينها، “طبقية”، متعلّقة بأسباب اقتصادية. فأكثرية “الهوتو”، التي تشكّل نحو 85% من السكّان، عُرفوا تاريخياً بأنهم فلاحون. وأقلية “التوتسي” التي تشكّل نحو 14% من السكّان، عُرفوا تاريخياً بأنهم رعاة ماشية، ما جعل لهم أفضلية اقتصادية على نظرائهم من “الهوتو”. أمّا أقلية الأقلية، “التوا”، فعُرفوا بالعيش في الغابات وامتهان الصيد، وهم الطرف الأكثر ثانويةً في المشهد الرواندي المعاصر.
قبل الحقبة الاستعمارية بقرون، كانت أقلية “التوتسي” تحتلّ الطبقات العليا في النظام الاجتماعي والسياسي الرواندي، فيما احتلت أكثرية “الهوتو” الطبقات الدنيا. ورغم ذلك، كانت هناك درجة ملحوظة من التعايش السلمي بين المجموعتَين بسبب حاجة كل مجموعة إلى الأخرى لإتمام الدورة الاقتصادية. وكانت حالات تزواج تحصل بين المجموعتَين. وكانت العشيرة، ركيزة التنظيم الاجتماعي، ولاحقاً السياسي. ومنذ القرن الخامس عشر، بدأت العشائر تندمج في ممالك كانت تتصارع داخل البقعة الجغرافية المعروفة اليوم برواندا. أشهر تلك الممالك مملكة رواندا التي كانت تحكمها عشيرة التوتسي نيجينيا، التي توسّعت وهيمنت على نحوٍ متزايد على منافسيها، حتّى وصلت إلى أقصى اتّساع لها خلال القرن التاسع عشر في عهد الملك كيجيلي روابوجيري، الذي طبق إصلاحات إدارية أجبر فيها رعاة “التوتسي” على التنازل عن الماشية لـ”الهوتو” أو لـ”توتسي” آخرين، مقابل خدمات اقتصادية وشخصية. وهي إصلاحات فاقمت الخلاف بين “التوتسي” و”الهوتو”، وقد عزّز روابوجيري دور “التوتسي” في النخبة السياسية الحاكمة حتّى أصبح اسم هذه المجموعة البشرية لصيقاً بالحكم بصورة شبه رسمية، وأدّى توسّع نطاق مملكة روابوجيري إلى مناطق في الشرق كانت مأهولة بالكامل بـ”الهوتو” إلى تعزيز سطوة “التوتسي” على أكثرية “الهوتو”.
الاستقلال… حكم “الأكثرية”
تعرّضت رواندا للاستعمار الألماني بين عامَي 1897 – 1916، والبلجيكي بين عامَي 1916 – 1961. ولم يغيّر الاستعمار من الهرمية الاجتماعية والسياسية القائمة في البلاد، بل دعم النظام الملكي القائم وتعاون مع الطبقة التوتسية الحاكمة. وفاقم المستعمر البلجيكي، بصورة خاصة، من التمييز الرسمي بين المجموعات المكوّنة للمجتمع الرواندي. إذ أصدر عام 1939 بطاقات هُويَّة شخصية تحدّد من ينتمي إلى كلٍ من “التوتسي” و”الهوتو” و”التوا” بناءً على عدد الأبقار التي يمتلكها الشخص. وأدّى ذلك إلى عرقلة حركة الانتقال بين الطبقات التي كانت تحدُث في المجتمع الرواندي سابقاً، كما أن البلجيكيين فاقموا من تعاونهم مع أقلية “التوتسي” في قمع أكثرية “الهوتو” واضطهادها، وانعكس هذا التمييز على الوظائف وفرص التعليم أيضاً.
وفي مرحلة متأخرة من الاستعمار البلجيكي، استشعر المستعمرون تفاقم التذمّر في أوساط أكثرية “الهوتو”، فتغيّرت سياستهم باتجاه تحريض “الهوتو” ضدّ أقلية “التوتسي” من خلال نشر فكرٍ من قبيل أن “التوتسي” إقطاعيون، ولا يحملون أصول رواندية، وهو ما جعل رواندا أشبه بمِرْجَلٍ تتقد تحته النار.
اندلع في خريف 1959 ما عُرف بالثورة الاجتماعية ضدّ الاستعمار البلجيكي. كان فلاحو أكثرية الهوتو عماد هذه الثورة التي شهدت عيّنة” مصغّرة لـ”الإبادة” التي ستحدث بعد ثلاثة عقود ونيّف من هذا التاريخ. إذ تعرّضت أقلية التوتسي لأعمال عنف تسبّبت بمقتل نحو 20 ألفاً منهم وبتهجير نحو 300 ألف إلى دول الجوار. وفي 1962، استقلّت رواندا وأُلغِي النظام الملكي، وسيطرت أكثرية الهوتو على الحكم. لكن حوادث القتل بحقّ أقلية التوتسي لم تتوقّف. تسبّب ذلك بموجة أخرى كبيرة من اللاجئين “التوتسي” وصل تعدادها نحو نصف مليون رواندي بحلول ثمانينيّات القرن العشرين. ويمكن القول إنّ موجات العنف المتقطّع بين “الهوتو” و”التوتسي” باتت من سمات رواندا بعد الاستقلال. فيما أصبح نظام الحكم “هوتوياً” متشدّداً (اشتقاقاً من اسم “الهوتو”).
وفي 1973، وصل جوفينال هابياريمانا إلى السلطة بانقلاب عسكري. وتميّز أول عقد ونصف العقد من حكمه، بتراجع العنف ضد أقلية “التوتسي”، وبازدهار اقتصادي نسبي. لكن التمييز لصالح أكثرية “الهوتو” استمرّ. وفي نهاية الثمانينيّات، ساء الوضع الاقتصادي، وتردّت شعبية هابياريمانا، فقرّر العزف على وتر “المتآمرين” من أقلية “التوتسي”. وفي هذه الأثناء، كانت قوة سياسية ومسلّحة تتشكل في أوساط اللاجئين من “التوتسي” في البلد الجار، أوغندا. إذ تشكّلت الجبهة الوطنية الرواندية بقيادة بول كاغامي، الذي سيتحوّل إلى أحد أشهر الأسماء في تاريخ رواندا المعاصر.
ولد كاغامي لوالدين من أقلية “التوتسي”. فرّت عائلته إلى أوغندا المجاورة عام 1960 هرباً من المذابح. ونشأ كاغامي في المنفى وصعد سريعاً في أوساط “بني جلدته” المنفيين. وقد تعاون مع بعض “الهوتو” الموصوفين بـ”المعتدلين” من المعارضين للتمييز والعنف بحقّ أقلية “التوتسي”، فحظيت الجبهة الوطنية الرواندية بزخم كبير، وبدعم من أوغندا التي احتضنت اللاجئين “التوتسي”. ورفعت “الجبهة” شعار تأمين حقّ العودة للاجئين إلى وطنهم، فكانت تلك أداةً مناسبةً للرئيس الرواندي هابياريمانا لحرف أنظار الاستياء الشعبي عن الوضع الاقتصادي المتدهور، فاستغل تشكيل تلك “الجبهة”، ليقول للروانديين تحديداً من أكثرية “الهوتو”، إنّ هناك مؤامرة في البلد الجار، تُحاك ضدّ حكمهم البلاد. واتهم “التوتسي” المتبقين داخل رواندا بأنهم متعاونون مع الجبهة الوطنية. وفي 1990، غزت “الجبهة” رواندا، ما أدّى إلى ما يُعرف بـ”الحرب الأهلية الرواندية”، التي لم يستطع أيٌّ من الطرفين حسمها بعد تدخّل قوىً خارجية لدعم كل منهما. وبعد مظاهرات جماهيرية وتصاعد المعارضة المحلية لسياساته، من “الهوتو” المعتدلين، اضطرّ الرئيس هابياريمانا إلى توقيع اتفاقية لوقف إطلاق النار عام 1993.
في “العشرية الأولى” بعد “الإبادة”
في 6 إبريل/ نيسان عام 1994، وقريباً من أجواء مطار كيغالي عاصمة رواندا، أُسقطت طائرة كانت تقلّ الرئيس الرواندي هابياريمانا ليُقتَل مع من كان معه. وفي اللحظة التالية لاغتيال الرئيس، وجّه الإعلام الرسمي أصابع الاتهام لأقلية “التوتسي”. وانطلقت حملة تعبئة وتحريض لأكثرية الهوتو بضرورة القيام بـ”الواجب”. وانطلقت في البداية حملة جرائم ممنهجة، فاغتالت قوات الأمن رئيسة الوزراء، وهي من “الهوتو” المعتدلين. ومن ثمّ قُتِل قادة المعارضة السياسية، وتحالفت القوات الحكومية مع مليشيا مسلّحة متطرّفة من “الهوتو” بهدف قتل “التوتسي” و”الهوتو” المعتدلين، قبل أن تبدأ حملة قتل شعبية منفلتة بفعل التحريض الرسمي. كانت عمليات القتل بشعة، إذ تنقلت بين المنازل مستهدفة “التوتسي”، وكل من حاول تقديم الملاذ أو الحماية لهم. وتخللتها أعمال نهب واغتصاب للنساء، وأعمال قتل جماعية في الملاعب والمدارس والكنائس. واستُخدمت فيها الأسلحة البيضاء.
وفي 4 يوليو/ تموز، أي بعد نحو مئة يوم، توقّفت أعمال القتل على وقع تقدّم الجبهة الوطنية الرواندية التي استغلّت حالة الفوضى، وانشغال مسؤولي حكم الأكثرية بجرائم القتل والتصفيات بالداخل، لتتقدم سريعاً بدعم من الجارة أوغندا، وتسيطر على العاصمة، فيما فرّ معظم “الهوتو” المتورّطين في أعمال الإبادة الجماعية إلى الكونغو الديمقراطية. وتختلف الأرقام حول حصيلة القتلى في مئة يوم. في أقل التقديرات قُتل نحو نصف مليون إنسان. فيما تقدّر الأمم المتحدة عدد القتلى بنحو 800 ألف نسمة، وتقول الحكومة الرواندية الحالية إنّ أكثر من مليون إنسان أُبيدوا.
ولم يكن انتصار “الجبهة الوطنية” نظيفاً، إذ تخلّلته أعمال انتقامية بشعة أودت بحياة عشرات الآلاف من أبناء أكثرية “الهوتو”. وقد فرّ نحو مليوني شخص إلى البلدان المجاورة خوفاً من الانتقام، معظمهم بطبيعة الحال كان من أكثرية “الهوتو”. وهكذا، عاشت رواندا خلال مئة يوم على وقع زلزال ديموغرافي عنيف، فمن أصل ثمانية ملايين نسمة، تعداد السكّان يومها، فقدت رواندا نحو ثلاثة ملايين إنسان بين قتيل ومهجّر.
كان التعافي من كارثية “الإبادة” التي عرفتها رواندا عام 1994 صعباً. إذ تطلّب الأمر نحو عشر سنوات، كي تبتعد البلاد إلى حدّ كبير عن تداعيات تلك المقتَلة. من الناحية الأمنية، عاشت رواندا تحت وطأة شبح “الحرب الأهلية” مجدّداً. إذ تحوّلت قوى السلطة السابقة وعناصرها من أكثرية “الهوتو” إلى متمرّدين ومليشيات أخذت تهاجم الحكومة الجديدة من داخل رواندا، أو من خارج الحدود.
سياسياً، وبعيد “الإبادة”، شكّلت حكومة برئاسة باستور بيزيمونغو من أكثرية “الهوتو”، ليكون بول كاغامي، قائد الجبهة الوطنية الرواندية، نائباً له. وكان الأمر أشبه برئيسٍ “واجهة”. إذ كان كاغامي الحاكم الحقيقي للبلاد. وسرعان ما تهاوت الشراكة الشكلية بين الرجلين، فاستقال بيزيمونغو، ومن سُجن بتهمة التحريض على العنف العرقي، ليصبح بول كاغامي رئيساً رسمياً للبلاد منذ العام 2000. ومن الناحية الإدارية، بعيد “الإبادة”، كانت رواندا في حالة شلل تام على صعيد تقديم الخدمات الاجتماعية والمالية. وقد فقدت مؤسّسات الدولة نحو 40% من موظّفي الخدمة المدنية، إمّا قتلاً أو فراراً خارج البلاد. وكان نحو 80% من موظّفي الدولة لا يحملون شهادة ثانوية، وكان 3.5% فقط من موظفي الصحّة أطباء أو ممرضين مؤهلين بحلول العام 1998.
رواندا اليوم
بالمعايير الاقتصادية والإدارية، يمكن الإقرار بأنّ نهضة رواندا، بالقياس إلى ما كانت عليه بعيد “الإبادة” استثنائية. من أبرز معالم هذه النهضة انخفاض معدّلات الفساد فيها مقارنة بدول الجوار، وصعود دور المرأة. إذ تتمتّع بأغلبية نسائية في برلمانها الوطني. وبدأ مسار اقتصاد رواندا بالنهوض منذ العام 2000 (عام تولي كاغامي الرئاسة رسمياً)، لتسجّل أرقاماً متقدّمةً في مؤشّرات التنمية البشرية. وبعد أن كان 78% من السكّان تحت خطّ الفقر عام 1994، انخفضت هذه النسبة إلى 45% عام 2011. وبين عامَي 2000 و2021 ارتفع متوسّط العمر المتوقّع من 46 إلى 65 سنة. وفي 2019، أطلقت رواندا أول قمر صناعي في الفضاء بهدف ربط المدارس في المناطق النائية بشبكة الإنترنت. ووفق صندوق النقد الدولي، حافظت رواندا بين عامَي 2010 و2020، على متوسّط نمو سنوي بوسطي 8%، لتكون واحدة من الاقتصادات الأسرع نمواً في العالم.
ويخبرك المعجبون بتجربة النهوض الرواندية في عهد بول كاغامي كيف تحوّل العقد الاجتماعي بين الروانديين من وسيلة إقصاء (لصالح الأقلية أو الأكثرية الحاكمة)، إلى وسيلة لتعزيز الهُويَّة الوطنية الجامعة. وكان لافتاً أن الدستور الانتقالي الذي اعتُمد بُعيد “الإبادة” عام 1994، بقي معمولاً به إلى أن جرى تبنّي الدستور الجديد بعد استفتاء، عام 2003. وقد نصّ الدستور الجديد على نظام حكم متعدّد الأحزاب تقوم فيه السياسة على أساس الديمقراطية والانتخابات. وقد حُظِر تأسيس أيّ نشاط سياسي على أسس ما دون وطنية (عرقية أو طبقية أو دينية). كما حُظِر أيّ نشاط سياسي يحمل شبهةَ تمييز بين الروانديين، كما سنّت الحكومة قوانين تجرّم أيديولوجية “الإبادة الجماعية”، وتشمل الترهيب أو خطابات التشهير أو إنكار “الإبادة” أو السخرية من ضحاياها.
ومن ركائز النجاح في تجربة النهوض الرواندية تعميم مبدأ اللامركزية في الوحدات والمؤسّسات الحكومية على صعيد تصميم وتنفيذ المشاريع. وهي نقطة ارتكاز، تجب الإفادة منها في حالتنا السورية، اليوم.
هل المشهد بهذه “المثالية” في رواندا اليوم؟
يجيب حقوقيون، بالنفي. وتخبرك “هيومن رايتس ووتش” مثلاً أن قوانين تجريم أيديولوجية “الإبادة الجماعية”، تُستخدم أداةً سياسيةً لمنع أبسط أشكال المعارضة للحكومة الرواندية. وفيما ينصّ الدستور على تعدّد الأحزاب، نجد رواندا محكومةً من حزب وحيد، هو الجبهة الوطنية الرواندية، المنتصرة في حرب 1994. ويُسجن أيّ معارض، حتى لو بالرأي. أمّا على صعيد “العدالة الانتقالية”، فقد أُشيد كثيراً بنظام محاكم غاشاشا، التي اعتمدتها الحكومة الرواندية لإيجاد أساس للمصالحة الوطنية. وهي محكمة تقليدية تديرها القرى والمجتمعات، وكانت غاية اعتمادها التسريع في محاكمات المشتبه بارتكابهم جرائم “الإبادة” في عام 1994. ورغم أن هذا النمط القانوني نجح إلى حدّ ما في تصفية جانب كبير من إرث “الإبادة” في نفوس الروانديين، إلّا أنه تعرض لانتقادات حادّة من منظّمات حقوقية دولية، نظراً لأنه لا يفي بالمعايير القانونية العادلة. وتشير تقارير حقوقية إلى أن آلاف السجناء لقوا حتفهم في السجون نتيجة الاكتظاظ، بينما كانوا ينتظرون عاماً بعد عام أن تجري معالجة قضاياهم.
كذلك يشيد المعجبون بإعادة هيكلة الجيش في رواندا بعد “الإبادة”، فلم يُحلّ الجيش رسمياً، بل حصلت إعادة دمج وتأهيل لبعض المقاتلين السابقين مع الجدد (القادمين من الجبهة الوطنية المنتصرة). ورغم تسريح بعض المقاتلين السابقين وتجريد قيادات سابقة من مناصبها ونزع سلاح جانب كبير منها، إلّا أن عملية إعادة الهيكلة لم تقم على هدف الإقصاء، بل بغاية ضمان ولاء المقاتلين للدولة. وإحدى أبرز النقاط التي يجب التوقّف عندها في عملية إعادة التأهيل تلك، أنها قامت على تحويل عقيدة الجيش من عقيدة الولاء العرقي إلى عقيدة الولاء الخالص للدولة. مع تحويل التجنيد في الجيش وسيلةً لتوفير وظائف لعدد كبير من العاطلين عن العمل بعد “الإبادة”.
لكن ما لا يخبرك به هؤلاء المعجبون بتجربة النهوض الرواندية، أن تركيبة الجيش الرواندي اليوم تقوم على أغلبية من المقاتلين المتحدّرين من أكثرية “الهوتو”، مع سيطرة القيادات من الجبهة الوطنية الرواندية التي تضم أقلية “التوتسي” على المواقع المحورية للقوة. أي ما يشبه تركيبة الجيش في عهد حكم حافظ الأسد في سورية. أكثرية من العناصر الأقلّ محورية، وأقلية من العناصر الأكثر قدرة على التحكّم بمواقع القوة داخل المؤسّسة العسكرية. ولذلك؛ نجد الجيش موالٍ بالمطلق للرئيس، المتحدر من أقلية “التوتسي”.
خاتمة
يتمتّع بكارزمية عالية، وقدرة ملحوظة على الإقناع، ويحظى بدعم خارجي، إقليمي ودولي، واسع النطاق. إنه بول كاغامي، الذي يصفه أنصاره بـ”المخلّص” و”الزعيم”، الذي خرج ببلده المدمّر من أوحال “الإبادة” الدامية، إلى رحاب التنمية والمصالحة الوطنية. في ضفة منتقديه، هو ديكتاتور يحكم باستخدام أدوات القمع وإرهاب الدولة. الحاكم المطلق للبلاد منذ العام 2000، والفائز في كل “الانتخابات” التي عرفتها منذ ذلك التاريخ، بنسبٍ تتجاوز الـ90%. وقد عدّل الدستور عام 2015 بصورة تتيح له البقاء في السلطة حتى العام 2034.
في 2016، قال كاغامي لمجلة جون أفريك: “لا أعلم أين كنا سنكون اليوم لو تولى زعيم ضعيف قيادة هذا البلد”. لذا قد تنال شخصية كاغامي استحسان أنصار نظرية “المستبدّ العادل”، الرائجة في بلداننا العربية ومنها سورية. إذ من دون رجل قوي، مستبدّ إلى درجة ما، هل كانت رواندا ستخرُج من مستنقع الحرب الأهلية المستديمة بين مكوّناتها؟
دعونا نقرّ أن رواندا اليوم مكانٌ أفضل بكثير ممّا كانت عليه عقوداً، حتى قبل 1994. لكن، ألا تحمل وصفة “المستبدّ العادل” التي يعتمدها بول كاغامي عوامل تخليق “حرب أهلية جديدة”، داخلها؟ فالتاريخ الرواندي نفسه شاهد على حكم ناجح إلى حدٍ ما لملك رواندي من أقلية “التوتسي” في القرن التاسع عشر، كان هو الأساس لاحقاً لإذكاء التوترات بين “التوتسي” و”الهوتو”. ورغم التقدّم الكبير في طريقة إدارة الحكم في رواندا، عبر حظر التمييز رسمياً، بين “الأقلية” و”الأكثرية”، إلّا أن واقع الأمور، أن “الأقلية” تحكم رواندا مجدّداً. ويشكّل كاغامي رأس حربة هذا الحكم.
من الصعب تخيّل خروج نهائي لرواندا من لعنة “الأقلية” و”الأكثرية”، ومن سيحكم منهما، إلّا بحكم ديمقراطي حقيقي، وتداول فعلي للسلطة بموجب أحزاب سياسية، لا عرقية أو طبقية. سوى ذلك، قد لا يؤدّي التظاهر بدفن الأحقاد، الرائج اليوم في رواندا، إلّا إلى دفع الحنق بين مكوّنات المجتمع إلى طبقات خفيّة غير مُعلَنة تشبه التي عاشها السوريون، وخبروها جيّداً في عهد حكم آل الأسد.
في حالة سورية اليوم، يؤمل ألّا تنجرّ كذلك إلى دوّامة التنازع على الحكم بين “أقلية” و”أكثرية”، والعنف الأهلي الكبير أثناء الانتقال من حكم إلى آخر داخل هذه الدوامة كما عاشها الروانديون. لكن ذلك يتطلّب ربّما أن نتعلّم من التجربة الرواندية، ومن تجربة السوريين الخاصة أيضاً، وأنهم بحاجة ملحّة إلى ديمقراطية حقيقية، وتداول فعلي للسلطة، لا لحكم “مستبدّ عادل”، يستند إلى “أقلية” أو “أكثرية”، ويحمل في داخله عوامل التخلّق الملائمة لانفجار أهلي مقبل
. المصدر العربي الجديد