ضاهر عيطة.كاتب سوري
ليست الجامعات والمعاهد والأكاديميات، ولا الفلسفات والعلوم والنظريات، إلا أشكالاً من رُقِيّ الحضارات وتطوّرها؛ وهي لم توجد إلا لانتشال الإنسان من مأزق يمرّ فيه، ولتفتح أمامه نوافذ على الحياة، حتى النظريات والفلسفات الأكثر تشاؤمًا، كالمدرسة العبثية مثلًا، كانت تتصارع مع الواقع القائم للخروج منه ببذرة أمل، لا لتيئيس الناس منه والقضاء عليهم.
وربما أشد فعل أليم يفعله الإنسان هو أن “ييئس” الآخرين من الحياة، وهذا ما لم يفعله حتى المشتغلون في مسرح العبث؛ إذ كانوا يتطلعون من خلال عملهم إلى ضوء لا يرونه يأتيهم أبداً في الواقع، لا من قريب ولا من بعيد، غير أنهم مع ذلك كانوا ينتظرونه ويتخيّلونه، ولم يقتلوا الخيال بخنجر التيئيس، وهذا أيضاً ما لم تفعله فلسفة ولا علم ولا دين.
وقد سعى المشتغلون في مسرح العبث إلى التشابك مع الواقع من منطلق البحث والتجريب، للعثور في داخله على شيء جديد ومفيد، لا لمَحْوه، وهذه، على كل حال، مهمة مستحيلة وعصيّة على الفكر والفن؛ لأنّ الواقع هو التجسيد الكلّي لما هو قائم في هذه الحياة، أمّا الوقائع فهي جملة الأحداث التي تُشكّل ذلك الواقع.
غير أن بعض الأكاديميين السوريين المغتربين -الذين التفتوا مؤخرًا إلى سوريا وأهلها- يفعلون ذلك بإصرار عجيب؛ إذ يحسنون قلب كل أمر رأساً على عقب، وحتى لو وضعوا العربة في موضع يسبق الحصان فإنهم يجدون ما يبرّرون به فعلهم أحسن تبرير.
يعيش المئات منهم مرفهين في دول أوروبية متحضّرة، ويريدون من ملايين السوريين الناجين لتوّهم من شبح المقابر والمعتقلات والجوع أن يكونوا مثلهم، وأن يستنسخوا الواقع الغربي الذي هم فيه ويطبقوه على واقعهم السوري القابع في الحضيض.
يريدون من سوريا أن تغدو دولة حديثة، وأن تسود فيها الحقوق المدنية والإنسانية خلال أسابيع أو أشهر، أو سنة على أكثر تقدير؛ وأن توقِفَ الأمهات شلالات الدموع عن أعينهن، وأن يكفّن الآن عملية البحث عن رغيف خبز لإسكات أنين جوع أطفالهن، ويلتفتن إلى ما هو أهم، وأن ينشغلن فقط بـ”حقوق المرأة ومساواتها مع الرجل”!
يريدون من ملايين المعذبين الخارجين لتوّهم من جحيم الخيام والاغتراب والتهجير، ومن الأطفال الذين هجروا مدارسهم ومقاعدهم على مدار أربعة عشر عاماً، وقد صاروا شباباً الآن، أن يؤسّسوا دولة القانون والدساتير، ويتبنّوا مفهوم الحكم المدني والعلماني والديمقراطي، وأن يطبّقوا كل ذلك في حياتهم اليومية.
وإن لم يفعلوا ذلك بين ليلة وضحاها، فسوف تُفتح عليهم بوّابات الجحيم، ويكون مصيرهم الهلاك وعودة سوريا إلى حالٍ أسوأ مما كانت عليه في الحقبة الأسدية، وكأنهم يريدون قتل السوريين ببطء مرتين: مرة بالكيماوي الأسدي، ومرة بتحليلاتهم وتنبؤاتهم.
تيئيس تلو تيئيس، ومقارنات ومقاربات عجيبة، رغم معرفتهم أنّ التاريخ البشري لم ينجب أحطّ وأقذر من التنظيم الأسدي، عرّاب البراميل والأسيد والكبتاغون، لكن مثل هذه المقارنات والمقاربات، حتى وإن كانت خارجة عن السياق، يطوّعونها لتصبّ في خدمة الأهداف التي تصبو إليها تنظيراتهم.
هم مهرة في صياغة المعاني والرسائل، بارعون في المقدمات والخاتمات والمضامين، يتسلّلون إلى العقول بالبراهين والنظريات لتيئيس السوريين من أنفسهم ومن كل شيء، ومن أيّ نجاح يحققونه.
من أين يأتي إصرارهم العجيب على تيئيس الناس فور أن حلّوا في حياة جديدة بعد عدّة عقود من السراب؟ وهم الذين أُشيع عنهم أنهم كانوا معارضين للأسدية سيدة السراب، ويُفترض أنهم من أوائل من يبادرون إلى زرع الآمال في القلوب السورية؛ لكن ما يفعلونه هو العكس تماماً، وكأنهم لم يكونوا معارضين أبداً إلا من حيث المظهر والشكل.
ومع سقوطها أحسّوا كأنّ بساط الريح سُحب من تحت أقدامهم، وباتوا مسعورين ومشحونين بطاقة كره رهيبة؛ فوجدوا في النظريات والفلسفات التي تعلموها في الأكاديميات الأوروبية أقنعة تستر ما يختبئ في أعماقهم.
وكأنهم مبتلون بحنين لا شعوري إلى الماضي؛ حين كانوا يعيشون مطمئنين طالما أنّ قراهم وبيوتهم محصّنة ضد البراميل والصواريخ، ولم يُشرَّد أحد منهم أو من أهلهم، وهو ما هيأ لهم الاستغراق في بحوث أكاديمية تناولوا فيها كلّ القضايا والتفاصيل، لكن حبر أقلامهم لم يسافر أبعد من حيز الورق وظلّ محبوساً في قيد التنظير، مستغرقون في علم السياسة والفلسفة والأدب والفكر والفن والتاريخ، متجنّبون قدر ما يستطيعون الخوض في الفظائع التي تُرتكب للسوريين على يد السفّاح الأسد.
لكنهم فجأة، ومع بشائر السقوط، تحوّلوا إلى سياسيين وثوّار ومعارضين ومضحّين، بل وشهداء حتى؛ يصرخون من بعيد، وكأنهم يصرخون من تحت القبور حانقين: “نريد حقّنا وأمننا قبل كلّ الحقوق وأمن كلّ السوريين”.
وربما لم يفاجئهم السقوط بقدر ما فاجأهم استيقاظ شهواتهم المباغت مع هذا المعطى الجديد؛ أن يكونوا هم -أو من يشبههم- في صدارة المشهد، يقودون سوريا الوليدة ولو من خلف الكواليس. ولمّا لم يحدث ذلك، سارعوا إلى إطلاق رصاصات تنظيراتهم التيئيسية على وسائل التواصل والإعلام، يصدّعون بها الأذان والرؤوس.
يريدون من سوريا التي قسمتها الحقبة الأسدية إلى عشرات الكانتونات والمعسكرات والجبهات أن تسودها أنظمة حكم فدرالية كما في ألمانيا، على سبيل المثال، وإلا فمصيرها الاحتراب والاحتلال والتقسيم.
يريدون من ملايين السوريين الذين فُقروا وباع كثير منهم كل ما يملكون ليدفعوا ثمن معلومة عن ابنٍ في المعتقل -وقد بيعت مثل هذه الأخبار بعشرات الملايين- أن يتبنّوا نظرياتهم الأخلاقية والقانونية والتجارية ويطبقوها على أرض الواقع، كأنهم لا يعلمون أنّ معظم التجارات القذرة، ومنها تجارة الاعتقال، كانت إحدى صور الثراء لدى العصابات الأسدية، حيث يتقاسم عوائدها من هم أدنى رتبة في الفرع الأمني وصولاً إلى رأس الهرم المخلوع بشّار.
وربما كان كثير من هؤلاء المنظّرين من المستفيدين من تلك التجارة؛ غير أن عيونهم يومها كانت نائمة وأفواههم صامتة لا تحسن الكلام. أما الآن فقد رقت قلوبهم فجأةً على السوريين، وتفتّحت أعينهم على أحوالهم، وتحرّر لسانهم من بين حلوقهم؛ يرصدون أيّ انتهاك يحدث ويصرخون، ويُفلسفون كلّ تفصيل ليبنوا عليه تنظيرات تؤول في النهاية إلى الدعوة لإسقاط السلطة الحالية والإتيان بغيرها، ولو من المريخ!
يريدون من قادة القوة العسكرية التي دحرت النظام أن ينسحبوا من المشهد وكأنهم لم يكونوا، ومن العناصر والشباب والرجال الذين شاركوا في معركة التحرير أن يتصرّفوا كمؤسسة عسكرية تشبه الجيوش الغربية المتطورة والحديثة، وأن يطهّروا صفوفهم من كلّ شبهة أو خطأ، وإلا فكلّهم إرهابيون وداعشيون، ويقتضي سوقهم إلى المحاكم الدولية.
ويعلم هؤلاء أكثر من غيرهم أنّ معظم جيوش الغربية وقواتها الأمنية تُدار من قبل خبراء وضبّاط تخرّجوا ربما من الجامعات ذاتها التي تخرّجوا هم منها، وقد استغرق تأسيس هذه الجيوش عشرات السنين -إن لم نقل مئات- ومع ذلك فهي إلى الآن ترتكب عشرات الجرائم والمجازر في أنحاء الأرض، كما في فلسطين والعراق وأفغانستان وأوكرانيا وغيرها.
إذن فليقل لنا الميئسون: بأيّ عصا سحرية يمكن أن يتشكّل جيش سوري من هذا الطراز الرفيع بلمح البصر، وقد كان أفراده يعيشون مهجَّرين في البراري والصحاري والوديان، وفي إدلب يوم الأمس؟
ولكن ربما أكثر ما يثير حفيظة هؤلاء الميئسين أن كثيراً من السوريين لم يعودوا يلتفتون إلى تنظيراتهم ولا يأبهون بها، لأن تجربة الواقع المرير التي عاشوها كانت بالنسبة إليهم أعمق مدرسة تعلموا فيها كيف يواجه الإنسان الخراب بالبناء، والتيئيس بالأمل، ويبني المستقبل وإن كان من رحم الأنقاض.
وربما ينسى هؤلاء الأكاديميون أنّ ملايين السوريين يعيشون محرومين الآن من أبسط حقوق الإنسان ومن كلّ شيء؛ وما يحتاجونه اليوم ليس تنظيرات تثقل همّهم، بل خبز وماء وزيت وخبرة عملية تعينهم على النهوض، لا أن يتم دفعهم إلى الموت واليأس.
غير أن ما يلفت الانتباه أكثر من غيره، ومن حسن الحظ، هو تحوّل أمل كثير من السوريين إلى أداة تيئيس لهؤلاء الأكاديميين، وليس العكس.