بدأت واشنطن تتبنى نهجاً أكثر براغماتيةً في تعاملها مع الحكومة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع، الذي تولى السلطة في ديسمبر 2024 بعد الإطاحة ببشار الأسد في تحولٍ لافتٍ في السياسة الأميركية تجاه سوريا. هذا التغيير يعكس تحولاً استراتيجياً في المقاربة الأمريكية تجاه دمشق، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى إعادة تقييم مصالحها في المنطقة في ظل المتغيرات السياسية والأمنية.
المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، توماس براك، أكد دعم واشنطن للحكومة الجديدة، مشدداً على رفض أي محاولاتٍ لإنشاء “دولة داخل الدولة” أو اعتماد نظامٍ فيدرالي في سوريا. كما أشار إلى ضرورة أن تتحمل الحكومة السورية الجديدة مسؤولياتها، خاصةً في ظل التحديات الأمنية والإنسانية التي تواجهها البلاد.
من جهةٍ أخرى، يشير بعض المحللين إلى أن الموقف الأميركي يشوبه التباساً، حيث يتردد بين التأييد المرحب بتوجهات الحكومة الجديدة وبين علاقة واشنطن الوثيقة مع إسرائيل وبعض الفاعلين الإقليميين، مما يعقد تحديد أولويات السياسة الأميركية في سوريا.
في هذا السياق، يبرز دور الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع، الذي يسعى إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة السورية وتعزيز العلاقات مع القوى الدولية والإقليمية. وقد أشار إلى أهمية إنهاء عصر القصف المتبادل بين سوريا وإسرائيل، مؤكداً ضرورة التوصل إلى اتفاقات أمنية تساهم في استقرار المنطقة.
لكن، الخطوات الأميركية الأخيرة، مثل رفع العقوبات جزئياً، زيارة وزير الخارجية السوري إلى واشنطن، واللقاءات المباشرة بين الرئيسين الأمريكي والسوري، تشير إلى رغبة في إعادة بناء العلاقات على أسس جديدة. ومع ذلك، تبقى هناك تحديات كبيرة، بما في ذلك مسألة الاعتراف الرسمي بشرعية الحكومة السورية الجديدة، والتنسيق مع القوى الإقليمية والدولية المؤثرة في الملف السوري.
الخطاب الأميركي
قال الدكتور إياد المجالي، الباحث في العلاقات الدولية والإيرانية، لـ “963+”: إن تعاطي واشنطن مع الحالة السورية بعد وصول الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع إلى الحكم في دمشق يعد مؤشراً يعكس واقعاً معقداً لا يمكن فهمه بسهولة، خاصة في سياق ما تحاول الولايات المتحدة تفعيله من أدوات سياسية وإنسانية وبراغماتية تهدف إلى حشد الدعم الإقليمي للحكومة الانتقالية برئاسة الشرع.
وأضاف أن ما يتم تداوله عبر الإعلام الأميركي والإقليمي يهدف إلى إظهار المشهد السوري كفرصة قابلة للتغيير، تخدم أمن واستقرار المنطقة، وتحمي مصالح مختلف الأطراف والمكونات السورية المتعددة على الجغرافيا السورية، مع التركيز على حماية الأقليات ومحاربة التطرف والإرهاب كاستراتيجية أمريكية جديدة.
وأوضح أن الخطاب الأميركي جاء مواكباً لهذا التحول الجذري، لكنه لم يعالج طبيعة السلطة السورية المؤدلجة، بل سعى إلى ربط الحكومة السورية بسلسلة من القيود التي ترسخ مكاسب الولايات المتحدة الاستراتيجية دون أي حراك حقيقي لمعالجة جذور الأزمات السياسية والأمنية والاجتماعية التي أوصلت سوريا إلى هذا الواقع المشتت.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة، في خطابها تجاه حكومة الشرع، تجاوزت الحسابات السياسية وفتحت المجال أمام إسرائيل لفرض أمر واقع على الجنوب السوري، كما سمحت لأنقرة بتنفيذ مشروعها السياسي في الشمال السوري. وبيّن أن واشنطن حققت مكاسب سياسية تخدم تل أبيب من خلال تقليص نفوذ طهران وحصر دور موسكو في سوريا ضمن نطاق وجودها العسكري في المياه الدافئة بالمتوسط في طرطوس.
واستطرد قائلاً إن التصريحات الأميركية جاءت متضاربة ومتقاطعة، ولم تحدث تغييراً ملموساً في المشهد السوري الداكن. حتى فيما يتعلق بـ”قانون قيصر” والعقوبات المفروضة، فقد بدت قرارات رفعها باهتة ومشروطة ومبرمجة تبعاً للمزاج الأمريكي.
روسيا وإيران وصياغة موقف واشنطن
حول أثر النفوذ الإيراني والروسي في صياغة الموقف الأميركي من دمشق بعد انتقال السلطة، قال الدكتور المجالي إن تلك المرحلة تعد من اللحظات الفارقة في التاريخ السياسي السوري، حيث تشير المعطيات إلى تقلص واضح في النفوذ الروسي وتراجع ملموس في تأثير إيران على الجغرافيا السياسية السورية.
وأضاف أن هذا الواقع جعل من سوريا اليوم أكثر المراحل غموضاً منذ سقوط الأسد وتسلم الشرع للسلطة، موضحاً أن تصاعد حدة الصراع أصبح واضحاً بين واشنطن التي تتحكم بإيقاع المشهد من جهة، وموسكو التي تسعى للحفاظ على نفوذها من جهة أخرى، مروراً بتركيا وإسرائيل اللتين تتسابقان ــ كما قال ــ للسيطرة على مفاصل الحدث السوري.
واختتم المجالي بالقول إن واشنطن تعمل ضمن هذا الصراع على صياغة موقفها من حكومة دمشق بطريقة تزيد من الضغط عليها، بما يحمي مكاسب الولايات المتحدة ومصالحها ويضمن استمرار نفوذها كلاعب رئيسي في المشهد السوري، خاصة في ظل غياب مشروع سوري إصلاحي قادر على استعادة الدولة السورية كدولة سيدة لقرارها وأمنها الوطني.
تعاطي واشنطن مع وصول الشرع
قال بشار علي الحاج علي، ديبلوماسي سوري سابق وباحث في الشؤون السياسية والدولية يقيم في النمسا، لـ “963+” إن تعاطي واشنطن مع وصول الشرع إلى السلطة في دمشق جاء من زاوية اختبار الفرص لا من باب القطيعة التاريخية. وأضاف أن الإدارة الأميركية رأت في التطور الحاصل فرصة لإعادة هيكلة المقاربة تجاه دمشق بعد تراجع النفوذ الإيراني وخروج وحدات ومستشارين من الأراضي السورية.
وأوضح أن الموقف الأميركي اتسم بالبراغماتية والانضباط، إذ كان قبولاً بالأمر الواقع دون اعتراف رسمي كامل، مع استعداد لإدارة المشهد الجديد بما يخدم المصالح الإقليمية والأمنية للولايات المتحدة وشركائها العرب، من دون الانخراط في رهانات مبكرة على شخصية القيادة الجديدة.
وحول طبيعة الخطاب الأميركي تجاه الحكومة السورية الجديدة، أوضح بشار علي الحاج علي أن هذا الخطاب يتسم بـ”الانخراط الحذر المشروط”. وقال إن الإدارة الأميركية حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع الحكومة الجديدة، لكنها لم تمنحها بعد صفة الشريك السياسي.
وأضاف أن الموقف الأميركي يوازن بين تشجيع الانفتاح التدريجي وبين حماية الخطوط الحمراء المرتبطة بالمشاركة السياسية وحقوق الإنسان وتوجهات السياسة الإقليمية، مشيراً إلى أن واشنطن تبنت سياسة “المراقبة الفعالة”، أي دعم مرن قابل للتراجع أو التوسع بحسب السلوك الميداني والسياسي لدمشق.
إدارة النفوذ الأميركي وشروطه
بالنسبة لتأثير النفوذ الروسي والإيراني في صياغة الموقف الأميركي من دمشق بعد انتقال السلطة، قال إن النفوذ الخارجي كان عاملاً حاسماً، غير أن خروج إيران من المعادلة الميدانية غيّر حسابات واشنطن بصورة ملموسة. وأضاف أن الإدارة الأميركية تعاملت مع هذا الانسحاب باعتباره فرصة لتقليص الاحتكاك الإقليمي وتعديل توازنات القوى داخل سوريا، دون الانجرار إلى فراغ أمني أو سياسي تستفيد منه القوى الأخرى، روسيا وإيران.
وأوضح أن الموقف الأميركي الحالي يقوم على إدارة التباين مع روسيا لا على مواجهتها، مع السعي لضمان استقلال القرار السوري بالحد الأدنى الممكن، بما يحول دون إعادة إنتاج أي محور معادٍ للمصالح الأميركية أو العربية.
وعن مراجعة واشنطن لوجودها العسكري شمال شرقي سوريا، أشار الحاج علي إلى أن واشنطن تشهد بالفعل مراجعة استراتيجية لهذا الوجود، إلا أن النقاش لا يزال في إطاره المؤسساتي ولم يُترجم إلى قرارات تنفيذية.
وأضاف أن المقاربة الجديدة تركّز على تحويل الوجود الأميركي من صيغة “الانتشار القتالي” إلى “التموضع السياسي والأمني المرن”، بما يحافظ على القدرة على التأثير من دون التورط في صراع طويل الأمد، مشيراً إلى أن هذا الاتجاه يعكس قناعة متزايدة بأن النفوذ الأميركي يمكن أن يُمارس عبر أدوات دبلوماسية واقتصادية وشراكات محلية مدروسة، لا عبر التواجد العسكري المكثف.
وحول شروط الإدارة الأميركية لرفع العقوبات أو استئناف العلاقات الدبلوماسية مع دمشق، قال الديبلوماسي السوري السابق إن رفع العقوبات تم جزئياً في إطار مقاربة اختبارية تعتمد على تقييم دوري للسلوك السياسي والمؤسسي في دمشق.
وأضاف أن الشروط الأميركية الجوهرية بقيت ثابتة: التقدم الملموس في العملية السياسية برعاية الأمم المتحدة، احترام الالتزامات الحقوقية، وضبط السياسات الإقليمية بما ينسجم مع متطلبات الأمن الجماعي الإقليمي والدولي.
وأوضح أن واشنطن تؤكد أن التخفيف الجزئي للعقوبات ليس مكافأة بل أداة تحفيز مشروطة، قابلة للمراجعة في حال تراجع المسار السياسي أو ظهرت مؤشرات على عودة النفوذ الإيراني أو تعثر مسار الإصلاح المؤسسي.
وعن موقف واشنطن من دور سوريا الجديد في الإقليم بعد التغيير في قيادتها، أشار الحاج علي إلى أن واشنطن تنظر إلى سوريا ما بعد كانون الأول 2024 باعتبارها عنصراً محتملاً في إعادة بناء التوازن الإقليمي، لا كمصدر تهديد مباشر. وأضاف أن انسحاب إيران من الساحة السورية أتاح فرصة لإعادة تموضع دمشق ضمن فضائها العربي والإقليمي، وهو ما تسعى الولايات المتحدة إلى تشجيعه ضمن مقاربة واقعية توازن بين الاستقلالية الوطنية والانفتاح الإقليمي.
ولفت إلى أن أهمية سوريا الجديدة تكمن في قدرتها على لعب دور استقرار نسبي، شريطة أن تُدار سياستها الخارجية بقدر من الاتزان يحول دون العودة إلى سياسات المحاور أو استدعاء الاستقطاب القديم.
المصدر موقع 963