لا يفوّت مسؤولو حزب الله مناسبة إلا ويذكّرون من يهمّه الأمر في الداخل قبل الخارج أن تنظيمهم المسلّح مستعدٌّ لفعل كل ما يلزم للحؤول دون تجريده من سلاحه الباقي. ومن ضمن هذا الـ”ما يلزم” خوض حربٍ ليست ضد إسرائيل، ذلك أنّ مَن هو مطروح أن يجرّد الحزب من ترسانته هو الحكومة اللبنانية ممثلة بقواتها المسلحة. بالتالي، فإنّ “المعركة الكربلائية” التي لوّح نعيم قاسم بخوضها في أحد خطابات أغسطس/ آب الماضي، حرب أهلية بالضرورة.
لكنّ الحزب الذي لطالما تباهى بأنه إيراني المأكل والمشرب والهوى والتدريب والولاء والتمويل والأهداف يدرك أنّ حرباً أهلية قد تفعل فيه أسوأ مما فعلت الضربة الإسرائيلية القاصمة المستمرّة له منذ سبتمبر/ أيلول 2024، لا بفضل قوة أعدائه المحليين، بل لأن الجيوش النظامية، وهذا حال حزب الله فعلياً، تخسر بالضرورة في أي حرب أهلية. يدرك الحزب أنّ ما كان نسبه إلى نفسه من قوة فائقة أرانا مفاعيلها في حرب 2006 ضد إسرائيل، وحربه في سورية منذ 2012، لا تعني شيئاً في اقتتال الشوارع بين حيّ وآخر وبين جيران في مبنى واحد وداخل أزقّة يصبح فيها العملاق قزماً والقزم عملاقاً. يدرك على الأرجح أنّ قواعد الحرب الأهلية في بلد صغير وشديد التعقيد مثل لبنان، لا تفيد معها الصواريخ طويلة المدى و”الكورنيت” والراجمات وفرقة رضوان وغيرها، لأنّه في حرب الشوارع، “كلّ ديك على مزبلته صيّاح”، وزواريب الحواري ومتاهاتها في المناطق “الأخرى” التي قد يضطرّ حزب الله إلى دخولها بحثاً عن أعدائه قد لا يخرج منها سالماً على منوال ما حصل في الحرب الأهلية المصغرة التي فجّرها في مايو/ أيار 2008، في إحدى سكرات قوته الكارثية.
أكثر من ذلك، في حال اندلاع حرب أهلية قد ينقسم فيها الجيش، ويتقسم بموجبها البلد ربما، حتى لو تمكن حزب الله من إحكام سيطرته على مناطق مصنّفة معادية له، فإنّ ذلك سيجعل منه خاسراً بجميع المعايير سياسياً وطائفياً وديمغرافياً: لن يكون له أي حليف، ثم إنّ الفرز الطائفي في مناطق صافية مذهبياً سيجعل من اللبنانيين الشيعة، ومنهم عوائل حزب الله وحاضنته الشعبية التي يسميها الحزب “بيئته”، مكشوفين ومعرّضين أكثر من أي وقت مضى للعدوان الإسرائيلي.
إذاً، إن كان حزب الله يعرف أن حرباً أهلية ستكون مقتلاً له، لماذا ينشد قادته نشيد الموت كل يوم ويهدّدون بمعركة أهلية كربلائية؟ … أغلب الظن أن قادة حزب الله لم يفهموا شيئاً من قوانين العالم الذي تغيّر عما كان عليه قبل عشرين عاماً. ومثلما لم يستوعبوا أنّ كل شيء اختلف عسكرياً بين 2006 و2024، فإنهم لم يدركوا كذلك حجم الانقلاب الحاصل سياسياً داخل البلد. يظنّ نعيم قاسم ورفاقه أنهم كلما رفعوا من منسوب التهديد بحرب أهلية، فإنّ الأطراف الأخرى، الحكومة ومعارضي الحزب وأعداءه، سيخافون وسيرتدعون عن تنفيذ قرار حصر السلاح بيد الدولة. وظنٌّ كهذا ليس مولوداً من فراغ، ذلك أن هذا ما ظلّ يحصل منذ عام 2000، يوم انسحبت إسرائيل من الأراضي اللبنانية التي كانت تحتلها، ولم يعد من مبرر لوجود حزب الله مسلحاً، فاخترع العقل الإيراني ــ السوري بدعة اسمها مزارع شبعا لتبرير دوام الحال على حاله. منذ عام 2000، كل محاولة لنزع سلاح حزب الله كانت تواجه بتهديد بحرب أهلية، وباغتيالات حين كانت الحالة تستدعي ذلك. أما اليوم، فمن يعرف الجو العام في لبنان، يعلم استحالة استمرار تعايش غالبية اللبنانيين مع سلاح حزب الله، خصوصاً بعدما تيقّنوا أن هذا السلاح لا أوجع إسرائيل ولا ردعها ولا حمى لبنان، بل استجلب الوحشية الإسرائيلية وشرّع لها أبواباً.
استحالة التعايش مع السلاح، مضافة إليها الحملة العالمية الحاسمة باتجاه تصفية كل حالة مسلحة موالية لإيران في المنطقة، من شأنها مجتمعة أن تجعل اقتناع قادة حزب الله بجدوى التهديد بحرب أهلية في سبيل تفاديها خرافة شبيهة بأسطورة حزب الله القادر على ردع إسرائيل وجعلها تقف على رجل واحدة على ما أخبرنا حسن نصر الله قبل بضعة أشهر من اغتياله.
المصدر العربي الجديد