
الأدب أيّاً كان جنسه، رواية أم شعراً أو قصة أو مسرحاً، فإن فكرته تكون مقتبسة من الواقع، مهندسة بخيال أدبي مزخرف بالكنايات والمجازات وتناصات لإيفاء الغرض. حتى إن كان ذلك الجنس الأدبي خيالياً في مكانه وزمان فعله، فإن فكرته تكون مقتبسة من واقع الكاتب الحي، أو قد ترسخت في مخيلة الكاتب، نتيجة قراءاته، فليس هناك عمل أدبي دون مرجعية واقعية سابقة يقف الكاتب عليها، ويطلق العنان لنصه الأدبي، كما كان لكل قبيلة شاعرها، الذي يدافع عنها من خلال قصائده. فالشاعر كان يؤدي دور المقاتل من خلال شعره، إذ كان يذم من يتهجم أو يهين قبيلته، ويمتدح فرسان قبيلته في المبارزات وقبيل الذهاب إلى الغزوات وبعد العودة منها. لذا، هناك القصيدة الغزلية، والهجائية، والملحمية طويلة السرد الغنية بالأحداث المهمة التي تشير إلى حزن أو فرح قوم الشاعر، وربما انتصار أو خسارة في معركة أحدثت منعطفاً وتغييراً في حياة هؤلاء القوم.
والرواية هي أكبر الأعمال الأدبية حجماً، ويمكن أن نقول إنها جامعة لمجمل الأجناس الأدبية، من شعر وقصة ومسرح عدا الأسطورة، لأن لها مناخها الخاص كالتنظيم الطبقي أنموذجاً، حسب سياق الفكرة والحوار السردي. فيها يكون الصراع داخلياً، تماماً عكس الأسطورة التي يكون فيها الصراع خارجياً، دولة ضد دولة أخرى. فكرة الرواية أتت كضرورة ملحة، لأن الموضوع المراد الكتابة عنه لا تتسع له الأجناس السابقة في السرد، فكاتبها يريد أن يروي الأحداث بتفاصيل دقيقة جداً. وهناك رواية السير الذاتية التي تتداخل فيها سيرة الروائي مع أحداث الرواية. وهناك الرواية التاريخية، وتكون واقعية تروي سيرة تاريخية. والرواية الخيالية. والرواية الفلسفية، كما رواية عالم صوفي. وهناك أيضاً الرواية العلمية، ويكون موضوعها علمياً.
وللأدب جنس آخر هو السيرة الذاتية، وهي تحصيل حاصل للسنوات التي عاشها الكاتب من مقتبل عمره إلى كهولته، يكتبها بعد سنوات من العمر والمعرفة، مكتسباً خبرة حياتية كإمضاء اعتراف. يتمرد سليم بركات في روايته «فقهاء الظلام» ذات المناخ الكردي، مستوضحاً من أسماء الشخصيات وجغرافية الأحداث المكتوبة بصيغة فلاش باك؛ عن النطفة الإلهية. فالرواية صادرة عام 1985، وتروي أحداثاً وقعت أثناء وقبل بناء الثكنة الفرنسية في منطقة قامشلي شمال الدولة السورية، من خلال شخصية بيكاس الذي يكبر في العمر خلال ساعات قليلة، حتى يصل إلى عمر البلوغ. كل ساعة يتقدم فيها بالعمر تعادل ثلاث سنوات شمسية. الغاية من التمرد اختزال تاريخ تلك البقعة خلال سنوات قصيرة، فمن خلاله تجري الأحداث الممتدة من الجد حسين الميرسيني إلى الحفيد بيكاس الأب. قدم سليم بركات شخصياته وعرَّفها بصيغة مسرحيَّة، وهي حالة تنويهية للمتلقي. بذلك يقول: حدقوا جيداً في أحوال تلك المنطقة.
«بيكاس» شخصيَّة دلالة تصويرية رمزية لضرورة الفكرة المراد إيصالها والحديث عنها، تمثل الحقيقة، ونموّها المتسارع يمثل المتغيرات والتطورات التي حصلت في تلك المنطقة خلال فترة زمنية قصيرة، كوفود الناس القادمين من هضبة الأناضول وروسيا الجنوبية، وسمُّوا بالمهاجرين وعملوا كحصّادي أراضٍ وتزوجوا من أبناء وبنات المنطقة، ما سبب ازدهار العمران والزراعة، فأثاروا حسد العرب البدو الجوالين بأغنامهم، فأوفد «آل مسلط» إلى «حسو الميرسيني جد الملا بيناف» مطالبين إياه باقتطاع مراعٍ من أرضهِ لهم، لكن حسو رفض ذلك وأثبت ملكية الأراضي بورقة مختومة من الحكومة، لكن قبائل المسلط لم ترضَ بجواب حسو الميرسيني، واعتبرت ملكيته أسلاباً ويجب استردادها، فأعلنت الحرب على الأكراد، لذا سُدت طرقٌ وافتتحت طرقٌ جديدة، فترسخ بذلك تقسيم المنطقة إلى طرق خاصة بالأكراد وأخرى بالعرب البدو. نُصبت فخاخ وسُممت مراعٍ، وكان الأكراد في حربهم يستخدمون فخاخ الثعالب والمرقاع، فهم ماهرون في الصيد، حيث بإمكان حجر المرقع أن يفجر جمجمة ويهشمها. بينما استخدم البدو البنادق، حاصلين عليها من الثكنة الفرنسية، التي أُنشئت هناك. والفرنسيون حين فهموا طبيعة المنطقة منحوا البنادق للبدو، في ما بعد أتى الأكراد أيضاً بالبنادق من تركيا، لاشتغالهم بتهريب التبغ كحرفةٍ، وكانوا متزمتين دينياً لأنهم رأوا في الفرنسي كافراً نجساً يتناول لحم الخنزير! دامت المعارك حتى سقط عباس الجبوري على يد الأكراد. وتشتت البدو، بينما انتقل حسو الميرسيني للإقامة في قرية موسيسانا.
تدور أحداث الرواية بين ثلاث شخصيات محورية رئيسية هي بيكاس «اسم كردي»، ومعناه الوحيد في اللغة العربية، الذي في ليلة زفافهِ الأولى يخرج إلى العراء دون أن يترك أثراً لنفسهِ، لذا يضطر والده المّلا بيناف إلى الإعلان عن وفاتهِ، فيختار الأب مخدة تكون هي بيكاس. اختيار المخدة بدلاً عن بيكاس كناية عن اختفاء الراحة، فالمخدة أداة الراحة. لكن بيكاس يظهر في المقبرة، وذلك دليل على بقاء الألم والمعاناة، وهي حالة تأكيدية أخرى عن وهم اختفاء الألم، وتأكيد آخر على بقاء الألم حين تضع زوجة بيكاس مولوداً يكون كما بيكاس تماماً، لذا يختار للمولود اسم بيكاس ــ بيكاس الثاني، فالأنا لدى بيكاس الأب والابن هي الأنا الجمعية، أي أنها تمثل الجماعة. بيرينا «اسم كردي» وهي زوجة المّلا، ومعناه الجرح في اللغة العربية. والّملا بيناف تاجر حبوب ولمهنته هنا كناية أيضاً، فتلك المنطقة مشهورة بزراعة القمح والشعير.
إذا كانت رواية «فقهاء الظلام» ترتبط بالحياة من خلال سيميائية حياة عائلة الملا بيناف، فإن سؤال الأدب في رواية «شجرة تنمو في بروكلن» الصادرة عام 2011 عن دار الأهلية للطباعة والنشر، يكمن في بؤس الحياة في حي بروكلن، من خلال عمالة الأطفال في نبش القمامة. ترصد بيتي سميث كاتبة العمل وابنة ذلك الحي، حياة عائلة إيرلندية فقيرة مكونة من الزوج جون مولان الذي يعمل مغنياً، والزوجة التي تعمل خادمة في البيوت، والأبناء فرانسي مولان ونيلي اللذين يعملان في نبش حاويات القمامة، كما هو حال جميع أبناء هذا الحي، فيعثرون فيها على الخرق البالية والزجاج والمعادن، ويبيعونها لأحد الدكاكين في الحي.
هي رواية تصويرية، استنطاق للمكان الأول بفعل البعد الزمني عنه، تقنيتها السردية المتخيل الذاتي، وهي خالية من التعابير الأدبية الرصينة. الراوي مجهول الاسم، وأحياناً يكون السرد بلسان إحدى الشخصيات، مثل فرانسي، لإيصال فكرة ما إلى القارئ. وعملية الروي أشبه برحلة إلى الذاكرة بعد أن يبتعد الفرد عن مكانه الأول فكرياً وجسدياً واقتصادياً. المكان ليس المكان الجغرافي المقصود بهِ فحسب، وإنما المكان كتعبير سيميائي يشار بهِ إلى حالة الفقر الذي يعاني منه سكان مدينة وليامزبريغ، متذكراً أدق التفاصيل كما هو الحال بالنسبة لبيتي سميث / فرانسي مولان، إذ تتذكر توصية والدتها كاتي بشأن شراء اللحم، وطقس شرب القهوة، ووقوفها في طابور الانتظار للحصول على الخبز، وتناول فطيرة حلوة المذاق، وبائع المخلل اليهودي العجوز صاحب اللحية البيضاء الذي كانت تشتري منهُ قطع المخلل. إذ كانت تبقي القطعة في يدها ثم تلعقها وتقضمها بتمهل. ذلك كان يشعرها بسعادة التملك فكانت تأكلها طوال اليوم. بقاء قطعة المخلل في يدها تعبير بليغ عن حالة الفقر المدقع الذي تعانيه عائلة مولان، والسعادة في التملك، حتى لو كان هذا الشيء مؤقتاً، لذا كانت تتناول قطعة المخلل بتمهل.
في هذهِ الرواية تسلط بيتي سميث 1896 ـ 1972 الضوء على الحياة البائسة لهذهِ العائلة بشكلٍ مفصل، ابتداءً من العلاقة الزوجية بين الزوجين جون مولان وكاتي، إلى العلاقة بين الأبوين والأبناء، وبين الأبناء وأصدقاء العائلة، كما علاقة فرانسي بسيسي أخت الأم والإعجاب بها وإعجابها بأصدقاء الأب في النقابة. كما أنها تسلط الضوء على حياة العائلة الداخلية. ثم تنتقل بيتي إلى الحياة الدينية في الحي من خلال مودي دونافان صديقة فرانسي، التي تأتي إليها لترافقها إلى الكنيسة للاعتراف بذنبٍ ما أمام الكاهن في غرفة الاعتراف، التي خصصت لهذا الغرض في الكنيسة. إنها ترصد سيرة البؤس لهذهِ العائلة، فالتحسر هو أيضاً شكلٌ آخر من أشكال البؤس، كالتحسر على الحياة في بلاد العائلة الأصلية التي تسير فيها الحياة برتابة، فالابن يسير على خطا أبيه، جئنا إلى هنا ليكون أبناؤنا أحراراً. أما في هذه البلاد فهناك الأمل، هذا ما قالته والدة كاتي لابنتها. وقالت أيضاً بنبرة تحسر وبؤس: عليك أن تعلمي ابنتك القراءة والكتابة، هي محظوظة لأن والدتها تجيد القراءة. عليك أن تقصي عليها الحكايات الخرافية التي نعرفها من بلادنا عن الجنيات والأقزام والأشباح، التي كانت تسكن في عقول أهل والدك، والعين الشريرة. تعليم الحفيدة فرانسي كل هذه الأشياء التي لا وجود لها في الواقع، كناية عن الجهل الذي تربت عليه الجدات، فالجدة أميَّة كانت تعمل لدى الإقطاعيين في بلادهم الأصلية، لكن الأم «كاتي» ترد في وجه أمها: لماذا عليَّ أن أعلم ابنتي أشياء لا وجود لها؟ ذلك دلالة على وعيها، فهي تجيد القراءة.
فترد أمها: على الطفلة أن تمتلك المخيلة لتكوّن عالماً خاصاً بها، لذا تقترح الجدة أن تقرأ ابنتها لفرانسي صفحة من الإنجيل. للأمر بعدٌ آخر عدا الهوية الدينية للحي وصفحة من كتاب شكسبير الشاعر والمسرحي الإنكليزي، والأساطير. الغاية هي تنمية الخيال ولكسب الحقيقة! هي سيرة البؤس المنتقل من الجدة إلى الأم فالحفيدة فرانسي، التي استحوذت عليه من عماتها ومن الكتب التي واظبت على قراءتها بنفسها. تدخل فرانسي مولان المدرسة وفي ظنها أنها ستتعلم أشياءً كثيرة. ففي البدء تعلمت أن تميّز يدها اليمنى من اليسرى بفضل الحقنة التي تلقتها من الصحة المدرسية، كانت تحمل أفكاراً عاجية عن المدرسة؛ أنها ستتعلم القراءة والكتابة في يوم واحد، لكن واقع المدرسة القائم على سوء المعاملة والعنف، رغم أن العنف كان ممنوعاً في المدرسة، من قبل المعلمة والطلاب أنفسهم والتمييز الطبقي كذّب أفكارها البريئة؛ إذ وبختها المعلمة لأنها من طبقة فقيرة وأجلستها في مقعدٍ مخصص لفرد واحد فقط إلى جانب طالبة أخرى في المقعد ذاته، فأصبحتا اثنتين في مقعد واحد. ولم يكن مسموحاً لأبناء طبقتها بالخروج من الحصة لقضاء الحاجة. كانت المعلمة تكذّب رغبتهم في ذلك، بينما فتيات العوائل الثرية كانت المعلمة تجلسهن في مقعد مستقل ويستطعن الخروج من الحصة متى يرغبنَ.
لم تكن المدرسة كما ظنتها فرانسي، أنها المدينة الفاضلة الخيرة، منهل العلم والمعرفة. لكن الحقيقة كانت قاسية، إذ فيها تنتشر الأمراض وتنتقل ببساطة من طالب إلى آخر. ممرضة المدرسة كانت تأتي كل أسبوع لتقوم بفحص الطالبات، حيث تقف وظهرها إلى النافذة بينما الطالبات واقفات وظهورهن إلى الحائط، ثم تقوم بعملها. وما إن تكون هناك فتاة مصابة بعدوى ما حتى يتم عزلها، فتبدأ الممرضة بإلقاء محاضرة عن قذارة هذهِ المصابة وضرورة الابتعاد عنها وإبعادها عن المدرسة، ليوم واحد على الأقل، كي تقوم والدتها بمعالجتها. وكانت المصابة بالعدوى تذل وتهان من قبل الطالبات غير المصابات، وهي في طريقها إلى منزلها «قذرة، قذرة، المعلمة تقول إنك قذرة، عليك الذهاب إلى البيت لأنك قذرة». وفرانسي أذلت وأهينت لأنها أصيبت بعدوى أبو كعب مرة، ومرة أخرى بالقمل. فعالجتها أمها بفرك شعرها بالكاز. تجنبتها رفيقاتها في المدرسة بسبب الرائحة، لكنها لم تكترث للأمر، فقد سبق وتعرضت للإهانة، ووالدتها كاتي لم تكترث لملاحظات المعلمة حول فرك رأس ابنتها فرانسي بالكاز. لكن لم تكن المدرسة بهذا السوء دائماً، فكان هناك الكثير من الفرح والبهجة كما في حصص الموسيقى والرسم، فالمادتان كانت تعطيان من الوجدان وتعبر عنه، لذا أكملت فرانسي دراستها حتى المرحلة الثانوية.
هكذا، فإن الأدب والحياة وجهان لعملة واحدة، ولا وجه دون الآخر، كما الفكرة الفلسفية القائلة، إن الوجود يسبق العدم. فالأدب يتغذى على الحياة، لذا فكرته مقتبسة منها. ويمكن أن نقول أيضاً إن الحياة هي الوجبة الدسمة للأدب، ومثالاً على ذلك: رواية «فقهاء الظلام»، ورواية «شجرة تنمو في بروكلن».
كاتب سوري
مصحح.. المصدر القدس العربي