فارس خشان
بيّنت الجولة الأولى من الحرب الإسرائيليّة ضد قطاع غزة أنّ فتح “حزب الله” لجبهة الجنوب اللبناني لم يقدّم دعماً فعليّاً لـ”حركة حماس”، لأنّ الجيش الإسرائيلي، وفق ما بيّنه تسريح عدد كبير من جنود الاحتياط الذي كان قد تمّ استدعاؤهم في السابع من تشرين الأوّل (أكتوبر) الماضي، “مرفق على وضعه”.
كما أنّ النتائج التي حققها الجيش الإسرائيلي على جبهة المواجهة مع “حزب الله”، أصبحت مجالَ “تباهٍ” له، بحيث اعتبرها الرئيس السابق للمخابرات الإسرائيليّة أموس يادلين الذي يترأس حالياً مركز الاستشارات الاستراتيجية “مايند إسرائيل”، هزيمة “تكتيكية” للحزب “المرتدع”.
ولم تعد الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران قادرة على تهديد الولايات المتحدة الأميركية، إن لم توقف الحرب في غزة، بتوسيع الحرب على الجبهة اللبنانيّة، لأنّه، كما بات واضحاً للجميع، أنّ الضغوط عكسيّة، إذ إنّ واشنطن هي التي تمارس الضغط على تل أبيب حتى لا توسّع الحرب ضد “حزب الله” على الجبهة اللبنانيّة.
وفي واقع الحال، فإنّ “محور المقاومة” سواء كان في لبنان أو في العراق أو في اليمن، لا يمكنه أن يقدّم شيئاً قيّماً لـ”حركة حماس” من خلال “جبهات المساندة العسكريّة” إذ تمّ اتخاذ الإجراءات الوقائية لكل جبهة على حدة، سواء من خلال القوة الإسرائيليّة نفسها أو من خلال القوة الأميركية التي انتشرت في المنطقة.
وعليه لا يوجد حليف فعّال لقطاع غزة الذي يقاوم الهجوم الإسرائيلي، سوى جهتين لا تكنان سوى العداء لـ”محور المقاومة”، أي الدول العربيّة ولا سيما منها تلك المعتدلة، والرأي العام في أوروبا والغرب الذي بدأ يُحدث تغييرات على مستوى مواقف القيادات من إسرائيل ويفرض عليها قيوداً عملانيّة وزمنيّة، وفق ما يظهر بوضوح في الولايات المتحدة وفرنسا وبلجيكا وأسبانيا بالإضافة طبعاً الى الأمانة العامة للأمم المتحدة.
والحالة هذه لماذا عاد “حزب الله” إلى إشعال الجبهة اللبنانيّة بالتزامن مع انتهاء “الهدنة المؤقتة” في غزة؟
قد تكون أسباب ذلك كثيرة، كالحالة المعنويّة مثلاً، إذ إنّ انسحابه من حرب “طوفان الأقصى” يعني التسليم بما تقوله إسرائيل عن إلحاق هزيمة تكتيكيّة به، من جهة أولى، وسيتم تفسيره على أنّه خيانة لتعهداته لـ”حماس”، من جهة ثانية، وإفقاد إيران ورقة “مساومة” وهي التي تعمل على تحرير أموالها المنقولة من كوريا الجنوبية الى قطر بموجب آخر صفقة رهائن مع الولايات المتحدة، من جهة ثالثة.
ولكنْ ثمة سبب جوهري لعودة “حزب الله” الى الحرب يتمحور حول مستقبله العسكري في جنوب لبنان، إذ إنّ دخوله، في المرحلة الأولى من الحرب ضد غزة، أعاد القرار 1701 الذي أوقف الحرب في العام 2006 الى الطاولة، بحيث ثبت أنّ تنفيذه “وهميّ” وأنّ الدور الذي قامت به قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) بالتنسيق مع الجيش اللبناني لم يرتقِ الى مصاف التعهدات التي قطعتها الجهتان للمجتمع الدولي.
وهذا يعني عمليّاً  أنّ القرار 1701 قد سقط وأنّ حالة الحرب بين “حزب الله” وإسرائيل قد عادت الى ما كانت عليه، قبل ساعات من صدور هذا القرار في العام 2006.
وقد تعهّدت الولايات المتحدة الأميركية لإسرائيل أنّها سوف تبذل كل ما تملكه من قدرات من أجل فرض تنفيذ القرار 1701، طالبة منها عدم تصعيد الحرب على الجبهة اللبنانيّة.
وقد بدأ “حزب الله” يخشى من التداعيات المحتملة لمثل هذه الضغوط الأميركية، في ظل إفصاح إسرائيل عن أنّ أهدافها في الجنوب اللبناني، إن لم تتحقق دبلوماسيّاً، فإنّها سوف تفرضها عسكريّاً، خصوصاً بعدما اطمأنّت إلى أنّ إجراءات جيشها في قطاع غزّة والضفة الغربيّة قد حدّت من فاعلية “حماس” كشريك فاعل لـ”حزب الله” في أيّ حرب موسّعة ضده.
وتريد إسرائيل أن تبعد عن حدودها “حزب الله” عموماً و”فرقة الرضوان” التي تلقت في آخر أيّام الجولة الأولى من الحرب ضربة نوعيّة باستهداف أبرز قياداتها الميدانيّة وبينهم ابن رئيس “كتلة الوفاء للمقاومة” النائب محمّد رعد.
وتضغط إسرائيل من أجل إيجاد منطقة عازلة بين بلداتها الحدوديّة في الشمال وبين الجنوب اللبناني مماثلة لتلك التي تنشئها بواسطة الاجتياح البرّي، في قطاع غزة، على اعتبار أنّ التفاهمات السياسيّة لم تعد قادرة على طمأنة مواطنيها على حدود لبنان وغزة، بعد الهجوم النوعي الذي قادته “حماس” في السابع من تشرين الأول.
وهذا ما يهدف “حزب الله” إلى مقاومته، من خلال عودته الى مسرح الحرب، بحيث يبقى في الواجهة ويتلقى عروض التهدئة ويساوم على أساسها.
ولن يكون هذا التطوّر من دون انعكاسات على الداخل اللبناني، فـ”حزب الله” سوف يضغط أكثر من أيّ وقت مضى حتى لا يكون رئيس الجمهوريّة المقبل إلّا وفق المواصفات التي تناسبه، وحتى لا يكون قائد الجيش اللبناني، مهما كانت العلاقة به جيّدة، إلّا “مطواعاً” بحيث لا يضطر أن يواجه ضباطاً مثل هؤلاء الذين كانوا في مراكز القرار العسكري، عند إصدار القرار 1701، على غرار اللواء الشهيد فرانسوا الحاج الذي كان من موقعه كرئيس لغرفة العمليات في قيادة الجيش وأبرز المرشحين لخلافة الرئيس ميشال سليمان في القيادة، يتصدّى لشحنات أسلحة الحزب ويصادرها.
وهذا يعني أنّ “حزب الله” انتقل فعليّاً، من موقع المساند لغزّة الى موقع المدافع عن “جدواه” عسكريّاً (وهذا تكليف إيراني)، وهو بذلك يحتاج الى مؤازرة غزّة له، بحيث إذا انتصرت بمنع إسرائيل من تحقيق أهدافها ينتصر معها، وإذا انهزمت يقدّم لها، في حال تصاعدت ضغوطات المجتمع الدولي، الجبهة الجنوبيّة بديلاً.
وعليه، فإنّ لبنان ينتظر أيّاماً عصيبة في منطقة أثبتت الأدلة التاريخيّة أنّ الحلول فيها، ولو كانت مؤقتة، تحتاج الى دماء غزيرة!