خليل حسين محرر بموقع السفينة
تمر الشعوب في تاريخها بمحطات مفصلية تجبرها على طرح الأسئلة الصعبة، وسوريا اليوم تقف أمام أحد أهم هذه الأسئلة: هل حان الوقت للانتقال من منطق الكراهية والثأر إلى منطق المصالحة والبناء؟
لقد تركت سنوات الصراع جراحًا عميقة في نفوس السوريين، وخلفت آلامًا وخسائر يصعب تجاوزها أو محوها من الذاكرة. لكن الأمم لا تستطيع أن تبقى رهينة ماضيها إلى الأبد، وإلا تحولت الذاكرة من مصدر للعبرة إلى سجن يمنعها من التقدم نحو المستقبل.
إن الاعتراف بأخطاء الماضي ليس ضعفًا، بل شجاعة أخلاقية ووطنية. وهو لا يعني تجاهل المعاناة أو التنازل عن العدالة، بل يعني الإقرار بأن الجميع مطالبون بمراجعة التجربة واستخلاص دروسها، لأن بناء المستقبل يبدأ دائمًا بالصدق مع الذات قبل أي شيء آخر.
لقد أثبتت تجارب الشعوب أن الكراهية لا تنتج إلا مزيدًا من الكراهية، وأن الثأر لا ينهي الصراعات بل يورثها من جيل إلى آخر. أما الأوطان التي استطاعت النهوض من أزماتها الكبرى، فقد فعلت ذلك عندما اختارت الحوار بدل الانتقام، والمواطنة بدل الإقصاء، والشراكة بدل الانقسام.
سوريا التي يحلم بها أبناؤها ليست سوريا المنتصر والمهزوم، ولا سوريا الغالب والمغلوب، بل سوريا الدولة التي تحترم جميع مواطنيها وتحمي حقوقهم وكرامتهم على قدم المساواة. دولة يشعر فيها الجميع بأنهم شركاء في الوطن، لا ضيوفًا فيه ولا خصومًا لبعضهم البعض.
إن الاختلاف بين الناس حقيقة إنسانية وطبيعية. لكل فرد شخصيته وأفكاره وقناعاته وتطلعاته، ولا يمكن لأي مجتمع أن يفرض على جميع أفراده أن يفكروا بالطريقة نفسها أو أن يتبنوا الرأي ذاته. المشكلة ليست في الاختلاف، بل في تحويله إلى عداوة، وفي اعتبار التنوع تهديدًا بدل اعتباره مصدرًا للغنى والقوة.
اليوم، أكثر من أي وقت مضى، يحتاج السوريون إلى خطاب جديد يتجاوز لغة التخوين والتحريض، ويؤسس لثقافة الاحترام المتبادل. خطاب يركز على ما يجمع الناس لا ما يفرقهم، وعلى ما يمكن بناؤه معًا بدل البقاء أسرى لما حدث بالأمس.
إن الأجيال القادمة لن تسألنا فقط عما جرى، بل ستسألنا أيضًا ماذا فعلنا بعد ذلك. هل اخترنا أن ننقل إليها إرثًا من الأحقاد والانقسامات؟ أم اخترنا أن نمنحها وطنًا أكثر استقرارًا وعدالة وقدرة على احتضان جميع أبنائه؟
ربما لا يستطيع السوريون تغيير الماضي، لكنهم قادرون على تحديد شكل المستقبل. والطريق إلى ذلك لا يمر عبر الكراهية أو الثأر أو الإقصاء، بل عبر الاعتراف المتبادل والعدالة والمصالحة والعمل المشترك.
لقد دفعت سوريا ثمنًا باهظًا بما يكفي. وربما تكون أعظم مسؤولية تقع على عاتق أبنائها اليوم هي أن يحولوا الألم إلى حكمة، والانقسام إلى شراكة، والذكريات المؤلمة إلى دافع لبناء دولة حديثة تحترم الإنسان وتكفل حقوقه وتصون كرامته.
إن اللحظة الراهنة ليست مجرد مرحلة سياسية عابرة، بل فرصة تاريخية. فرصة لاختيار أي سوريا نريد: سوريا التي تبقى أسيرة جراحها، أم سوريا التي تمتلك الشجاعة لتطوي صفحة الألم، دون أن تنسى دروسها، وتفتح صفحة جديدة عنوانها المواطنة والعدالة والسلام.
هذا هو التحدي الحقيقي، وهذا هو الأمل الذي يستحق أن يعمل من أجله جميع السوريين.