
كان أيلول/ سبتمبر تمهيداً لخريف سياسي حافل بدأ للتو. وسيكون، إلى حدّ ما، مفصلياً بالنسبة إلى الشرق الأوسط والعالم بأسره. وأتوقف عند الحدثين الرئيسيين.
في 27 تشرين الأول/ أكتوبر، تجري انتخابات الكنيست الإسرائيلي، التي ستُفضي نتائجها إلى اختيار رئيس الوزراء الإسرائيلي الجديد. ووفقاً لاستطلاعات الرأي الحالية، يتصدّر الانتخابات المرتقبة رئيس الأركان السابق للجيش، الجنرال في الجيش الإسرائيلي غادي آيزنكوت. لكن نتنياهو، أبرع صانعي الائتلافات السياسية، قد يتمكن حتى في حال حلوله ثانياً من العودة إلى رئاسة الحكومة، من خلال تشكيل ائتلاف مع أي طرف، من اليمين المتطرف والمتدينين الأرثوذكس المتشددين وصولاً إلى آيزنكوت نفسه.
لماذا يمكن لنتائج الانتخابات في إسرائيل الصغيرة أن تؤدي دوراً بالغ الأهمية بالنسبة إلى الشرق الأوسط بأسره؟ لأن بقاء نتنياهو في السلطة ينذر بمزيد من زعزعة الاستقرار في المنطقة (فليحترق كل ما حول إسرائيل)، وباستمرار أزمة مضيق هرمز، والأزمة اليمنية مع إغلاق مضيق باب المندب، فضلاً عن مواصلة الحرب مع إيران، التي ستردّ بقصف دول المنطقة، ما دامت لا تستطيع اختراق “القبة الحديدية” الإسرائيلية.
نحن لا نعرف كيف سيتصرف السياسيون الإسرائيليون الآخرون في حال انتخابهم. فالخطاب الانتخابي شيء، والواقع شيء آخر. لكن يمكن القول بالتأكيد إن أهداف واستراتيجيات الموساد والجيش الإسرائيلي تختلف في ما يتعلق بالمسألة الإيرانية. فالجيش، تقليدياً، أكثر معارضة لنتنياهو، وحتى خلال الحرب، كان يضع ضمن أهدافه إضعاف القدرات العسكرية لإيران وإلحاق أكبر قدر ممكن من الضرر ببرنامجها النووي، في حين أن الموساد، الذي يخضع مباشرة لرئيس الوزراء، يعلن صراحة أن هدفه الوحيد هو تغيير النظام.
يُعدّ الموساد، إلى حدّ ما، أشبه بمِبضع في يد رئيس الوزراء. وإذا أخذنا في الاعتبار أن المدير الحالي للموساد، رومان هوفمان، الذي تولّى منصبه في حزيران/ يونيو الماضي، كان قبل ذلك السكرتير العسكري الشخصي لنتنياهو، أي من أكثر المقربين إليه ثقةً، فإن حدّة هذا المِبضع لا تزداد إلا في يد نتنياهو.
جاء هوفمان إلى رئاسة الموساد من خارج الجهاز. فهو ينحدر من سلاح المدرعات، وقد عارضت تعيينه على رأس الموساد نخبةُ الجهاز، بقيادة المدير السابق دافيد برنياع. وكان هوفمان بالنسبة إلى هذه النخبة دخيلاً ومحسوباً على نتنياهو، الذي دافع عنه شخصياً أمام المحكمة في الدعوى التي رفعها برنياع، بعدما نبش الأخير في الماضي العسكري البعيد لهوفمان واقعةً مثيرة للجدل تتعلق بتجنيده قاصراً، ثم اعتقال المراهق من جانب جهاز الأمن الإسرائيلي “الشاباك” (شين بيت)، وهو الجهاز الأمني “المجاور” للموساد.
لذلك، من المنطقي افتراض أن الحملة الرامية إلى تغيير النظام في إيران، والتي ستمتد تداعياتها، كدوائر على سطح الماء، إلى جميع الملكيات الخليجية، ستتواصل حتماً إذا حافظ نتنياهو على السلطة.
لكن حدثاً أكثر أهمية، بالنسبة إلى الشرق الأوسط والعالم بأسره، سيبدأ في 3 تشرين الثاني/ نوفمبر.
إنها انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، وإذا تمكن الجمهوريون من الاحتفاظ بالسيطرة على مجلس الشيوخ، فستكون يدا ترامب طليقتين لتنفيذ أي سيناريو بشأن إيران. وسيحظى بموافقة الكونغرس، وسيشعر بدعم الكونغرس له، وقد تظل المنطقة تهتزّ لعامين آخرين. لكن هناك احتمال غير ضئيل بأن يخسر الجمهوريون السيطرة على المجلسين. وعندها سيعمل الكونغرس بكل ما أوتي من قوة على وضع العصي في عجلة عربة ترامب. بل إن الديمقراطيين قد يبادرون إلى إجراءات العزل.
خسارة الجمهوريين في تشرين الثاني/ نوفمبر تبعث على الأمل لدى إيران ولدى المنطقة. لكن هناك جانباً خطيراً هنا، إذ إن إدراك ترامب أنه لم يعد لديه ما يخسره قد يدفعه إلى الإقدام على السيناريو الأكثر تطرفاً وخطورة، أي التحرك الخاطف.
أولاً، سيعتبر إيران مسؤولة بصورة غير مباشرة عن هزيمته، وقد يفرّغ كل الغضب المتراكم لديه على شكل وابل من صواريخ “توماهوك”، بل وحتى اللجوء إلى استخدام الأسلحة النووية التكتيكية.
ثانياً، أولئك الممولون الذين استثمروا في حملة ترامب الانتخابية، وإذ يدركون أن زمن آلتهم الخارقة للدروع المناهضة لإيران يقترب من نهايته، سيطالبونه حرفياً بحسم ختامي ساحق، أي بتطهير إيران وفق تكتيك الأرض المحروقة.
لا يمكننا اليوم أن نعرف على وجه الدقة ما الظروف المصاحبة والملابسات التي ستحيط بنتائج انتخابات الكونغرس: فربما، في حال خسارتها، سيجد ترامب نفسه مقيّداً فعلياً في تحركاته، وخشية أن يثير غضب ناخبيه والغالبية الديمقراطية في الكونغرس، وتجنّباً لبدء إجراءات عزله، سيعمد على الفور إلى التخلي عن الملف الإيراني، وينتقل إلى هدف جديد، مثل كوبا أو غيرها.
خسارة نتنياهو في انتخابات الكنيست وفقدانه منصب رئيس الوزراء ستساعد ترامب على الحفاظ على توازنه على الحبل حتى عام 2028، إذ لن يكون هناك من يضغط عليه حرفياً للمضي في القضاء على الحرس الثوري الإيراني وإيران عموماً. المعادلة بسيطة: عندما يكون نتنياهو رئيساً للوزراء، يكون الموساد أيضاً في يده، ولترامب حساب خاص في العلاقات مع الموساد.
ومن خلال دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة التي اختتمت للتو في نيويورك، وتوافد النخبة السياسية العالمية بأسرها، كان من الصعب ألا نلاحظ مدى الفتور الذي اتسم به استقبال نتنياهو في وطنه الثاني، نيويورك.
فهل كان ممداني وحده القادر على تنظيم ذلك؟
مغادرة جميع الدول المشاركة تقريباً لخطابه في خطوة احتجاجية (إذ لم يبقَ في قاعة الجلسات، أثناء كلمة نتنياهو، أكثر من عشرة ممثلين عن الدول)، وتجمعات احتجاجية حملت رسومًا كاريكاتورية، نُظمت في المدينة وعند مبنى الأمم المتحدة نفسه، وحملة تبدو وكأنها منسقة ومتزامنة في وسائل الإعلام الأميركية الرئيسية، من صحيفة “نيويورك تايمز” اليسارية إلى “وول ستريت جورنال” اليمينية، حول أن نتنياهو تلقى، عشية 7 تشرين الأول/ أكتوبر مباشرة، تحذيراً من “العاصفة” التي كانت حماس تستعد لها.
قد تكون مثل هذه الحملة الواسعة، إلى جانب عدم عقد لقاء شخصي مع ترامب خلال وجودهما في نيويورك في هذه الأيام، إشارة مباشرة إلى نتنياهو من صديقه الأصهب.
فحبكة الحملة في وسائل الإعلام، بما فيها “وول ستريت جورنال”، تكمن في أن نتنياهو تلقى شخصياً تحذيرين من جهتين بشأن ما كان يجري الإعداد له في 7 تشرين الأول/ أكتوبر: رئيس الاستخبارات المصرية وقائد دولة الإمارات. لكن ليس هذا فحسب، إذ إنه لم يستجب للتحذير، بل لم يُبلغ بهما أيضاً أجهزة استخباراته وجيشه.لماذا؟
قال وزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت يوم الأحد 27 أيلول/ سبتمبر إنه لم يعلم بتحذير نتنياهو من الهجوم الذي كانت حماس تستعد له إلا من خلال التقارير الإعلامية.
بدأت وسائل الإعلام الإسرائيلية تنهال بالأسئلة: لماذا لم يُحذّر بيبي أحداً من الإشارات التي تلقاها من نظرائه في مصر والإمارات، ولماذا لم ينقلها لا إلى رئيس الشاباك ولا إلى الجيش؟ ووصل الأمر إلى أن بعضهم افترض أن هجوم حماس كان مفيداً لنتنياهو من الناحية الاستراتيجية، إذ أتاح له إطلاق يديه في غزة وبدء حرب فعلية مع إيران، ويصوّر الأمر وكأن إسرائيل ليست المعتدي، بل ضحية توجه ضربة انتقامية عادلة. وكأن الرأي العام العالمي سيدعم أفعال إسرائيل، لأنها لم تكن البادئة بالهجوم، بل بعدما تكبّدت خسائر بشرية فادحة، بدأت عملية انتقامية، وتعمل على تسوية غزة بالأرض بحثاً عن حماس.
عشية الانتخابات، يمكن التوصل إلى أي اتفاق كان. وعلى العكس، يقول أنصار نتنياهو إن خصومه السياسيين في الداخل كانوا يخططون للقضاء عليه سياسياً من خلال الكشف عن مثل هذا الإخفاق في أمن البلاد، لكنهم لم ينجحوا في ذلك، وتمكن نتنياهو، كما هي عادته، من الردّ بقوة، بل وأكثر من ذلك بكثير: فقد تحولت غزة إلى صحراء من الأنقاض، وقُتل حسن نصرالله وعلي خامنئي، وتمت تصفية قادة حماس.
وهذا بالضبط ما سيُسوّقه نتنياهو في الانتخابات. فهل سيصدّقه الإسرائيليون أنفسهم؟ وهل يريد الإسرائيليون أنفسهم حرباً أبدية؟ سنعرف ذلك بعد شهر.
وبعد أسبوع آخر، سنعرف ما إذا كنا جميعاً سنعيش مع ترامب حتى نهاية عام 2028. ومن اللافت أن ترامب نفسه يعتزم اتخاذ قراره النهائي بشأن إيران بعد صدور نتائج انتخابات التجديد النصفي. ومن الواضح أنه يخشى أن يؤدي أي قرار إلى هزيمة الحزب الجمهوري.
ولو أنه تنازل الآن أمام إيران، وترك لها ذلك المضيق اللعين هرمز، بالتنسيق مع عُمان، وهو ما تطالبه به بالفعل غالبية الملكيات العربية، فإن الديمقراطيين ووسائل إعلامهم سيفترسونه، واصفين إياه بالضعيف والفاشل.
ولو بدأ بقصف مكثف، فسيؤدي ذلك إلى ردّ إيراني مماثل، وستشتعل النار بمنطقة الشرق الأوسط بأسرها، وسيتكبد الأميركيون خسائر عسكرية وخسائر على مستوى صورتهم، وهذا ليس ما يطلبه منه ناخبوه أنفسهم. فقد وعد بعدم خوض أي حروب، لكنه ورّطهم في مستنقع لا يستطيع الخروج منه بأي شكل.
بل أكثر من ذلك، فإن مليارات الدولارات العربية، بدلاً من أن تذهب إلى “صندوق السلام” التابع لكوشنير، ستتوجه للعمل على إسقاط ترامب في الانتخابات. وقد تنخرط إيران الآن في هذه المهمة أيضاً، إذ لا جدوى لها من الانتظار حتى يجتاز ترامب بهدوء وسلام انتخابات الكونغرس. ووفقاً لمنطق تطور الأحداث، يفترض أن تصعّد إيران الأحداث العسكرية في تشرين الأول/ أكتوبر، من أجل رفع أسعار النفط إلى مستويات أعلى، وتشديد أزمة الطاقة والأزمة الاقتصادية العالمية.
دوني (اسم الدلع لدونالد ترامب الشائع في أميركا-“المدن”) يفهم ذلك جيداً. إنه في موقف صعب.
وفي الوقت الراهن، لا تتطابق أهدافه إطلاقاً مع أهداف نتنياهو، الذي يحتاج إلى ألعاب نارية دموية ومبهرة، وإلى استئناف الأعمال القتالية، وإلى ما يمكن تسويقه للناخبين قبيل التصويت.
ألم يكن هذا هو السبب تحديداً ليسافر يوم الأحد للقاء زعيم الإمارات بن زايد؟