ملخص
يُشبه الناس الحرب أحياناً برقعة الشطرنج، غير أن هذا المجاز يخون الواقع. فالرقعة عالم نظيف من 64 مربعاً وقواعد واضحة وقطع خشبية بلا عاطفة ومعلومات مكتملة للطرفين، بينما تدور الحروب في بيئة يسودها الضباب والخداع والتكلفة البشرية الباهظة. وتظهر الدراسات النفسية والتاريخية أن القادة الحقيقيين لا يحسبون الاحتمالات كلاعبي الشطرنج المتربصين، بل يقررون بناء على الحدس والخبرة المتراكمة تحت الضغط.
بين رقعة الشطرنج والحروب يخطر لنا أولاً أن الكل يموت ويضحي ليحيا الملك. وتكون التضحية بداية بالبيادق الجنود الأقل حظاً، حطب الحروب، يقف في الصفوف الأولى التي تتلقى السهام والرماح والرصاص.
لا أحد يحزن بما يكفي على بيدق يتهاوى على الرقعة فدا الجميع، وهو على خط المواجهة يحمي بجسده باقي القبيلة. وتبدأ القطع الأخرى رقصتها الأخيرة وهي تحمي رأس الهرم، لتبدو جميعها من بيدقها الأصغر وصولاً للوزير يفكرون ويرسمون الخطط أكثر من القائد الأعلى. لكن فعلياً وعلى أرض الواقع هل يفكر هذا القائد كما يفكر اللاعب الذي يحرك كل حجارته فداء له؟
حيث لا رمادي
أبيض أو أسود، إنها رقعة الشطرنج حيث لا وجود للحلول الوسط، ولا مكان بينهما لأي ظل أو حياد أو مساحة رمادية يتفاوض فيها الطرفان. تبدأ المعركة متساوية تماماً، من دون ضباب أو معلومة مخفية عن الخصم بـ32 قطعة مختلفة تتصارع على المربعات، وينتهي كل شيء بكلمة واحدة قاطعة “كش ملك”.
هذا العالم المطلق الحاد كخط الحدود بين لونين هو ما جعل البشرية منذ أكثر من 1500 عام تقع في غرام تشبيه القائد السياسي أو العسكري بلاعب الشطرنج. فنتخيل القائد وكأنه يرى الرقعة كاملة من فوق، ويحسب النقلات مقدماً ويضحي ببيدق ليربح وزيراً، ويهدم قلعة فداء للملك، ولا يتحرك إلا وهو يعرف بالضبط أين ستكون كل قطعة.
وهذا ما يقوله رولان الأخرس، لاعب شطرنج وأمين صندوق الاتحاد الفرنكوفوني للشطرنج، حين نسأله إن كان يوافق على هذا التشبيه، ويضيف “بالنسبة لي كلاعب شطرنج، التشبيه يصح من ناحية التفكير الاستراتيجي، وعلى الرقعة أنا دائماً أفكر: ما هدفي، ماذا يريد خصمي، أين نقاط قوته وضعفه، وإذا لعبت هذه النقلة، ماذا يمكن أن يحدث بعدها؟ ولكن هناك فرقاً كبيراً جداً. فالشطرنج لعبة بقواعد واضحة، وأنا أرى كل القطع أمامي. أما في الحرب فالأمور ليست بهذه البساطة، فهناك معلومات ناقصة ومفاجآت وعوامل سياسية واقتصادية ونفسية. والأهم أن قطعة الشطرنج في النهاية مجرد قطعة، أما في الحرب فنحن نتحدث عن بشر وحياة حقيقية. لذلك بالنسبة لي، التشبيه مفيد لفهم بعض جوانب الاستراتيجية، لكن لا يجب أن نأخذه أبعد من ذلك”.
لعبة يعرفها ولا يعرفها الجميع
رقعة من 64 مربعاً بالتساوي بين الأبيض والأسود، تتوزع عليها في البداية 16 قطعة من كل جهة، ملك واحد هو الهدف الأخير الذي لا يجوز أن يسقط، ووزير أو ملكة يعد القطعة الأقوى إذ يتحرك في كل الاتجاهات وبأي مسافة، وقلعتان تسيران في خطوط مستقيمة، وفيلان يتحركان قطرياً فقط كل منهما حبيس لون واحد من المربعات، وحصانان يتحركان بقفزة على شكل حرف “L” تجعلهما الوحيدين القادرين على القفز فوق القطع الأخرى، وثمانية بيادق هم أدنى القطع رتبة وأكثرها عدداً، يتقدمون خطوة واحدة في كل مرة نحو خط النهاية حيث يمكن لأي منهم أن يتحول إذا وصل سالماً إلى وزير كامل الصلاحية.
والهدف الوحيد هو “كش الملك”، أي وضع ملك الخصم في موقف لا يستطيع فيه الهرب من التهديد بأي نقلة متاحة.
وتقسم اللعبة تقليدياً إلى ثلاث مراحل: الافتتاح، حيث يطور كل لاعب قطعه وفق خطط محفوظة سلفاً من مئات السنين من التجربة المتراكمة، ثم وسط اللعبة، حيث تبدأ المعارك الفعلية والتضحيات المحسوبة، وأخيراً النهاية، حين يتبقى عدد قليل من القطع وتصبح كل حركة مصيرية. هذا الإطار البسيط في وصفه، معقد إلى ما لا نهاية في تطبيقاته، هو ما أغرى المفكرين على مدى قرون بأن يروا فيه نموذجاً مصغراً للحرب والسياسة والحكم.
من الهند إلى بلاط بغداد
لم تكن اللعبة في نشأتها ترفيهاً بريئاً، فقلد ولدت في الهند تحت اسم “چاتورانجا” أي “ذات الأذرع الأربعة”، نسبة إلى فيالق الجيش الهندي القديم من مشاة وفرسان وفيلة وعربات حربية، لتكون في جوهرها محاكاة عسكرية منذ يومها الأول. ومع انتقالها إلى بلاد فارس أخذت اسم “چترنگ” وتلفظ Chat-rang، وحين فتح المسلمون بلاد فارس في القرن السابع الميلادي، ورثوا اللعبة وعرّبوا اسمها إلى “الشطرنج”، محتفظين حتى بعبارة “شاه” أي الملك، و”شاه مات” أي الملك مات أو عجز، التي تحولت لاحقاً في اللغات الأوروبية إلى “Checkmate”.
واللعبة لم تكن دوماً موضع ترحيب من السلطة، ففي عام 1005 للميلاد أمر الخليفة الفاطمي في مصر الحاكم بأمر الله بحرق كل رقع الشطرنج ومنع اللعب بها كلياً، بسبب تصنيفها ضمن ألعاب الميسر والملهيات المنبوذة شرعياً، وللحد من مجالس السهر والتجمعات غير المحبذة في عاصمته، بحسب الروايات التاريخية والكتب التي وثقت قراراته التشريعية والتنظيمية في مصر الفاطمية. وهذه اللفتة تستحق التأمل، فحتى محاكاة الحرب على رقعة صغيرة قد تُخيف صاحب السلطة الحقيقية من أي تفكير ذي طابع تخطيطي أو انقلابي ربما.
لعبة لا تعرف الكذب
عندما نقول إن هذه اللعبة لا تعرف الكذب، يبدأ التشبيه برقعة الحرب بالتصدع. فالشطرنج لعبة “معلومة كاملة”، أي إن كل قطعة على الرقعة مكشوفة أمام الطرفين في كل لحظة، ولا وجود لورقة مخفية أو نية مبيتة لا يراها الخصم. أما الحرب الحقيقية، كما وصفها المنظر البروسي كارل فون كلاوزفيتز في مطلع القرن 19 فتحكمها ضبابية جوهرية، إذ لا يعرف القائد أبداً بدقة أين يقف عدوه، ولا ماذا ينوي فعلاً، ولا حتى حجم قواته الحقيقي. وينطبق الأمر نفسه على غرف القرار السياسي، حيث يكون الخداع أداة عمل يومية وقد يبرر بالدعاية والحرب النفسية، لذلك يرى كثير من الباحثين في نظرية الألعاب أن لعبة “البوكر” ربما وليس الشطرنج، هو المجاز الأدق لعالم السياسة والحرب، في لعبة تُخفى فيها الأوراق عمداً، ويكون الخداع والتظاهر جزءاً مشروعاً من قواعدها وليس خرقاً لها.
وعن هذا يقول الأخرس، وهو مدرب وحكم دولي ومنظم دولي معتمد من الاتحاد الدولي للشطرنج، “صحيح أنني في الشطرنج أرى كل قطع خصمي، وهذه أفضلية كبيرة مقارنة بما يحدث في الواقع. لكن على رغم أنني أرى القطع، فأنا لا أرى ما يدور في رأس اللاعب الآخر، وهنا تأتي أهمية النوايا. مثلاً، أرى أنه حرّك حصانه إلى مربع معين، لكن لماذا، هل يريد الهجوم، هل يحضّر لشيء بعد ثلاث نقلات، أم يريد فقط أن يجعلني أعتقد أن هناك تهديداً؟”.
ويختصر منهجه في جملة واحدة “ليس المهم فقط أن ترى ما أمامك، بل أن تحاول فهم ما وراء النقلة. أحياناً السؤال الذي أسأله لنفسي ليس فقط: ماذا يستطيع أن يفعل؟ بل ماذا يريد مني أن أعتقد أنه سيفعل؟”.
معركة تربح وحرب تخسر
قد يكسب القائد معركة ويخسر الحرب، وهذا بالضبط ما يعرفه الأخرس جيداً من تجربته الخاصة على الرقعة. “هذا يحدث كثيراً في الشطرنج. ممكن أن أرى بيدقاً أو حتى قطعة أستطيع أخذها وأفرح بالمكسب، وبعد عدة نقلات أكتشف أنني فتحت ملكي، أو خسرت المبادرة، أو وضعت قطعي في مواقع سيئة. لذلك أحاول ألا أسأل نفسي فقط: ماذا سأربح الآن؟ إنما ماذا سيحدث لموقفي بعد أن أربح هذه القطعة”. والأصعب من اكتشاف الخطأ، كما يقول، هو التخلي عنه، إذ “ممكن أن أكون قد استثمرت عدة نقلات في هجوم معين، ثم أكتشف أن الهجوم لم يعد مجدياً. هنا يجب ألا أقول: بدأت هذه الخطة، إذاً يجب أن أكملها. أحياناً أفضل قرار هو أن أعترف بأن الموقف تغير وأبدأ من جديد”.
زوغزوانغ: حين تكون الحركة نفسها هي الخسارة
من أدق مفاهيم الشطرنج وأقلها تداولاً خارج أوساط اللاعبين مصطلح ألماني الأصل هو “زوغزوانغ” ويعني حرفياً “الإجبار على التحرك”. وهو موقف قاسٍ يجد فيه اللاعب نفسه ملزماً بقاعدة اللعبة التي تفرض عليه تحريك قطعة في دوره، بينما أي تحريك متاح سيجعل وضعه أسوأ مما لو بقي ساكناً. والقاعدة الوحيدة التي تنقذه، البقاء بلا حراك وهي ممنوعة عليه. هذا المفهوم، على ندرته في الشطرنج، أشبه بوصف دقيق لكثير من اللحظات السياسية الحقيقية، حين يكون الصمت خسارة، والتصعيد خسارة أكبر، والتراجع إذلالاً لا يقل كلفة. فالقائد المحاصر بأزمة داخلية أو خارجية كبرى غالباً ما يقف في زوغزوانغ سياسي حقيقي، لا يملك رفاهية عدم الحركة التي قد تنقذه، وهو مجبر على اختيار أي تحرك، وكلها مؤلمة بدرجات متفاوتة فقط.
وأقرب ما يصفه الأخرس لهذا الموقف هو سؤاله عن التراجع “متى يكون قراراً ذكياً، ومتى يصبح مجرد تأجيل للهزيمة؟”، يجيب “في الشطرنج، الرجوع إلى الخلف ليس دائماً ضعفاً. أحياناً أفضل نقلة عندي تكون أن أرجع بالحصان أو الوزير، أحمي قطعة، أعيد ترتيب موقفي، وبعدها أبدأ من جديد بطريقة أقوى. بالنسبة لي، الانسحاب يكون ذكياً عندما أعرف لماذا أتراجع وماذا سأفعل بعد ذلك. أما إذا كنت فقط أهرب من تهديد إلى تهديد من دون أن أغيّر شيئاً في الموقف، فأنا غالباً أؤجل الخسارة”. ويضيف أن اللعبة علّمته أيضاً أن يضع كبرياءه جانباً “أحياناً أريد أن أقول لن أتراجع، سأكمل الهجوم، لكن الرقعة لا تهتم بكبريائي. إذا كانت الحسابات تقول إن التراجع هو أفضل نقلة، فعليّ أن أتراجع، والصبر بالنسبة لي لا يعني السلبية. إذ يمكنني أن أحسن مواقع قطعي، وأمنع خطة الخصم، وأنتظر اللحظة المناسبة. أحياناً القوة الحقيقية ليست أن تضرب بسرعة، بل أن تجعل موقفك قوياً لدرجة أن الفرصة تأتي إليك”.
القادة لا يحسبون كاللاعبين
الافتراض الشعبي يقول إن القائد العظيم يحسب عشرات الاحتمالات قبل أن يتحرك تماماً كبطل الشطرنج. لكن الأبحاث التجريبية تقول عكس ذلك تماماً، عن اللاعبين أنفسهم أولاً. ففي دراسات الباحث الهولندي أدريان دي غروت في أربعينيات القرن الماضي، التي طوّرها لاحقاً عالما النفس في جامعة كارنيغي ميلون هربرت سايمون ووليام تشيس عام 1973، تبين أن بطل العالم آنذاك ماكس أويوه أدرك عمق موقف معقد على الرقعة خلال خمس ثوانٍ فقط بمستوى فهم يفوق ما وصله لاعب هاوٍ قوي بعد 25 دقيقة كاملة من الحساب. لم يكن الفارق في سرعة الحساب العقلي، إنما في أن عقل الخبير لا يحسب بالمعنى الحرفي، فهو يتعرّف على أنماط مختزنة من آلاف الساعات السابقة، وهي ظاهرة أطلق عليها سايمون اسم “التقطيع الذهني”.
وتأتي المفاجأة الأكبر من أبحاث عالم النفس الأميركي غاري كلاين، الذي درس في ثمانينيات القرن الماضي كيف يتخذ قادة عمليات إطفاء الحرائق قراراتهم الفعلية تحت الضغط، بتمويل من الجيش الأميركي. وجد كلاين أن هؤلاء القادة، في أكثر من 80 في المئة من قراراتهم، لا يقارنون البتة بين خيارات متعددة بالطريقة التي يُفترض بلاعب شطرنج أن يفعلها، لكنهم يتعرفون فوراً على الموقف كنسخة شبيهة بموقف سابق عاشوه، ويختارون أول حل معقول يخطر لهم، ثم يتخيلونه ذهنياً للتأكد أنه سينجح قبل التنفيذ. وقد أطلق كلاين على هذا النموذج اسم “القرار القائم على التمييز” وقد تبنّاه الجيش الأميركي رسمياً لاحقاً في عقيدة تدريب ضباطه على القيادة الميدانية. وهكذا نجد أن القادة الحقيقيين في أكثر لحظاتهم حسماً، لا يشبهون لاعب الشطرنج المتأني الذي يحسب بهدوء وحكمة، وهم يشبهون أكثر خبيراً يعرف ماذا يفعل ربما بحدسه وخبرته المتراكمة.
وحين نسأل الأخرس إن كان يشعر فعلاً أنه يحسب كل الاحتمالات أثناء اللعب، أم إن القرار يأتيه كحدس فوري يبرره لاحقاً، يقول “الأجمل في الشطرنج هو ألا أكتفي بتوقع ما سيفعله خصمي، بل أحاول أن أجعله يلعب بطريقة تخدمني أنا. بدل أن أسأل فقط ما هي نقلته القادمة، أفكر ماذا يمكنني أن أفعل حتى تصبح خياراته محدودة؟ وهذا يحصل من خلال الضغط والتهديد والسيطرة على مربعات مهمة، وأحياناً إجباره على الدفاع بدلاً من تنفيذ خطته”.
لكن هذا “الحدس الخبير”، بحسب ما توصل إليه كلاين لاحقاً في حوار علمي مشترك عام 2009 مع عالم النفس دانيال كانمان الحائز جائزة نوبل، وكان الاثنان قد اختلفا لسنوات حول موثوقية الحدس، ليس سحراً يعمل في كل بيئة. فهو موثوق فقط حين يتوفر شرطان، الأول أن تكون البيئة منتظمة بما يكفي لوجود إشارات حقيقية يمكن تعلّمها، والثاني أن يكون الخبير قد تلقى على مدى سنوات طويلة تغذية راجعة سريعة وواضحة على قراراته السابقة، تماماً كما يحدث للاعب الشطرنج الذي يعرف فوراً، عند نهاية كل مباراة، هل كانت خطته صائبة أم خاطئة؟ ولكن المشكلة أن السياسة والحرب نادراً ما توفران هذا الشرط الثاني، إذ إن نتيجة قرار سياسي كبير قد لا تتضح إلا بعد سنوات، وحين تتضح، تختلط بعوامل أخرى كثيرة يستحيل عزلها، مما يجعل حدس القائد أقل قابلية للتطور والتصحيح الذاتي.
نقلة شطرنجية
يكفي متابعة أي نشرة إخبارية أو تحليل سياسي عن أزمة ما لتقفز إلينا عبارة “نقلة شطرنجية” أو “أحجار شطرنج” أو أي عبارة تشبّه التحرك السياسي أو العسكري بالشطرنج من توقيع اتفاق إلى سحب سفير إلى شن غارة. هذا الاستسهال اللغوي الذي يقع فيه كثير من المحللين والصحافيين يريح الكاتب أكثر مما يخدم القارئ، فهو يمنح فوضى الأحداث نظاماً وهمياً، ويوحي بأن هناك عقلاً واحداً يرى الرقعة كاملة ويتحكم بكل قطعة عليها، بينما الواقع الميداني في أي أزمة إقليمية أقرب إلى عدة لاعبين يلعبون ألعاباً مختلفة على الرقعة نفسها في آن واحد، بعضهم لا يعرف حتى أنه يلعب، وحين يستسهل الإعلام هذا المجاز، فهو يعفي نفسه من مجهود البحث عن تفسير أكثر فوضى لكنه أصدق.
وحين يضحّي لاعب الشطرنج بقطعة، فهو ينفذ عملية حسابية باردة تماماً، يتنازل فيها عن قيمة مادية صغيرة مقابل مكسب موضعي أكبر يعرف مسبقاً أنه سيحدث. الكلمة نفسها، “تضحية”، حين تُستعار لوصف خسائر بشرية حقيقية في حرب أو معركة سياسية، تحمل خطورة لغوية مقصودة أحياناً. حيث تُبرّد الفعل وتحوّل جندياً أو مدنياً من كائن حي إلى رقم في معادلة، وتمنح المتحدث غطاء بلاغياً يشبه غطاء لاعب الشطرنج حين يزيح بيدقاً عن الرقعة من دون أي شعور بالذنب. وحين نسأل الأخرس عن مصير هذا المنطق عندما تكون القطع جنوداً ومدنيين، يتوقف عن الحديث النظري ويحسم موقفه بلا مواربة “هنا بالنسبة لي يتوقف التشبيه تقريباً. في الشطرنج يمكنني أن أقول بكل بساطة سأضحي بالحصان لأنني سأحصل مقابل ذلك على هجوم قوي أو ربما كش مات. في النهاية الحصان قطعة خشبية لكن عندما نتحدث عن الحرب، نحن لا نتحدث عن قطع. نتحدث عن أشخاص، وعن عائلات، وعن حياة لا يمكن إعادتها بعد انتهاء المباراة. لذلك نعم، الشطرنج يساعدنا على فهم بعض جوانب التفكير الاستراتيجي، لكن يمكن أن يصبح التشبيه خطراً إذا جعلنا ننظر إلى البشر كأنهم مجرد أرقام أو قطع يمكن التضحية”.
أسطورة العبقري
يتخيل الخطاب الشعبي بطل الشطرنج عبقرياً منعزلاً يفكر وحيداً أمام الرقعة، تماماً كما يتخيل القائد السياسي عقلاً واحداً يقرر مصير أمة بمفرده. والحقيقة أن كلا التصورين مبالغ فيهما إلى حد التضليل، فخلف كل بطل عالمي في الشطرنج اليوم فريق كامل من المدربين والمحللين وبرامج الحاسوب التي تفحص ملايين المواقف قبل أي مباراة رسمية، تماماً كما أن القرار السياسي أو العسكري الفردي هو في الحقيقة محصلة تراكمية لأجهزة استخبارات ومستشارين وضغوط داخلية متعددة قلما تظهر للعلن. وعلى رغم أن أسطورة العقل الاستراتيجي الفذ الذي يتحرك بمفرده محببة جماهيرياً لأنها تمنحنا بطلاً واحداً نحمّله المديح أو اللوم، لكنها تحجب حقيقة أكثر تعقيداً وأقل بريقاً، فالقرارات الكبرى تنتجها رؤوس عدة حتى لو ظهر إلى العلن رأس واحد فقط.
اللاعبون القادة
يُروى أن نابليون بونابرت كان عاشقاً للشطرنج ويلعبه حتى في خضم حملاته العسكرية، لكن الوثائق التي جمعها المؤرخ البريطاني إدوارد وينتر تكشف أن نابليون وبشهادة معاصريه ومن بينهم سكرتيره الخاص بورين، كان لاعباً “من الدرجة الثالثة” فحسب، وخسر أغلب مبارياته المسجلة، حتى إنه كان معروفاً بمحاولات الغش في تحريك القطع خلافاً للقواعد من دون أن يجرؤ أحد على تنبيهه. فالقائد الذي غيّر خريطة أوروبا عسكرياً، فشل في أن يكون حتى لاعباً متوسط المستوى على رقعة الشطرنج. وفي سياق معاكس تماماً، يقف بطل العالم السابق غاري كاسباروف، الذي حين اعتزل اللعب الاحترافي عام 2005 في أوج مجده، انتقل إلى معارضة سياسية فعلية وخطرة ضد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وترأس تحالفات معارضة وواجه الاعتقال في الشوارع، واضطر أخيراً لمغادرة بلاده خوفاً على حريته. فلو وصل إلى السلطة هل كانت عقلية الرقعة ستنجح معه في الميدان السياسي الحقيقي؟
فقاعات ووقائع السياسيين اللاعبين
وفي التاريخ الحديث شخصيات سياسية وعسكرية وقيادية لعبت الشطرنج أو ادعت ذلك لإضفاء عنصر الذكاء والحكمة ربما.
ويبدو فيدل كاسترو الحالة الأكثر توثيقاً والأقرب إلى الواقع. فالمؤرخ البريطاني إدوارد وينتر يسجل أن كاسترو هزم اللاعب فيليبرتو تيرازاس بكش ملك في هافانا عام 1966، وتعادل في المباراة نفسها من ذلك العام مع خواكين كاماريا، وظهر في صور رسمية مع بوبي فيشر وبطل العالم تيغران بتروسيان ورئيس الاتحاد الدولي للشطرنج فلورنسيو كامبومانيس، خلال أولمبياد الشطرنج العالمي الذي استضافته كوبا تلك السنة. وله جملة تلخص علاقته باللعبة أكثر من أي تحليل “الشطرنج يضعك باستمرار أمام ضرورة حل المشكلات”.
كما تبدو واقعة الزعيم الليبي معمر القذافي أقرب إلى المشهد السينمائي منها إلى الخبر الصحيح. ففي الـ12 من يونيو (حزيران) 2011، في عز الحرب الأهلية الليبية وتحت غارات “الناتو”، وبينما كانت معارك حقيقية تدور في البريقة، زار رئيس الاتحاد الدولي للشطرنج الروسي كيرسان إيليومجينوف العاصمة الليبية طرابلس، وجلس أمام القذافي على الرقعة، وبثّ التلفزيون الليبي مشاهد من المباراة على الهواء. وقد تعمّد إيليومجينوف أن يجعلها تعادلاً احتراماً للضيافة، ووصف مستوى مضيفه لاحقاً بلا مجاملة بأنه لاعب هاوٍ، وإن كان “هادئاً، يلعب بشكل طبيعي ولائق”.
الشطرنج… أبرز معارك الحرب الباردة
هناك حالة ثالثة تكشف كيف تتحول الرقعة نفسها إلى سلاح سياسي مباشر، فوزير الخارجية الأميركي عام 1972 هنري كيسنجر تدخّل شخصياً لإقناع بوبي فيشر بخوض مباراة العمر أمام السوفياتي بوريس سباسكي في ريكيافيك، محوّلاً لعبة على رقعة صغيرة إلى إحدى أبرز معارك الحرب الباردة بالوكالة.
أما البيت الأبيض فسجل رؤسائه كان أكثر انتظاماً، فلقد كان توماس جيفرسون لاعباً متحمساً انضم إلى نادٍ للشطرنج في باريس عام 1786 وخاض مبارياته مع بنجامين فرانكلين نفسه، وأبراهام لينكولن اشترى طقم شطرنج لابنه تاد لا يزال معروضاً حتى اليوم في المتحف الوطني الأميركي، وجيمس غارفيلد وُصف في عمود متخصص بالشطرنج عام 1880 بأنه “لاعب من الطراز الأول”، واستضاف ثيودور روزفلت أساتذة عالميين في البيت الأبيض عام 1906، كمل لعب بيل كلينتون فعلياً لفريق جامعة جورجتاون عام 1968، وأقرّ باراك أوباما بولعه باللعبة في سيرته الذاتية.
وقد تكون حالة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الأكثر شهرة اليوم وهشاشة في التوثيق، فعلى رغم أن الإعلام الغربي دأب لسنوات على وصفه بلاعب الشطرنج البارع و”الاستراتيجي البارد الذي يفكر بعشر نقلات مقدماً”، لا يوجد أي دليل موثق على أنه يلعب اللعبة فعلياً، لا بمستوى هاوٍ ولا حتى بمستوى مبتدئ.
وتقف أسماء أخرى تتردد كثيراً في الأدبيات الشعبية عن “قادة أحبوا الشطرنج”، مثل فلاديمير لينين، ووينستون تشرشل، والمهاتما غاندي، وفاتسلاف هافيل، لكنها تبقى الأضعف توثيقاً. وهناك مباراة واحدة مسجلة للينين ضد الكاتب مكسيم غوركي عام 1908، لكن لا سجل كافيا يوضح مستواه أو انتظامه في اللعب، أما البقية فيرد ذكرهم في مقالات عابرة من دون مصدر أولي يوثق فعلاً مدى جديتهم في اللعبة. وهذا ملفت جداً، فكما يصعب أحياناً التمييز بين نقلة محسوبة ونقلة متهورة إلا بعد فوات الأوان، يصعب أحياناً التمييز بين قائد لعب الشطرنج فعلاً وقائد اكتفى العالم بأن يتخيله يلعبه وصفق له وبجّل عبقريته.
الرمادي يغلب
إذاً، مربع أبيض يجاوره مربع أسود، بلا ظل بينهما وبلا مساحة للتفاوض. هذا هو بالضبط ما يجعل الشطرنج مغرياً كمرآة للقيادة ومضللاً في آن، فعالمه نظيف ومحدود ورياضي وعادل، يبدأ متوازناً تماماً وينتهي بحكم واحد قاطع. أما رقعة الحرب والسياسة الحقيقية، فلا مربعات بيضاء أو سوداء فيها على الإطلاق، ودرجات الرمادي والغموض والخداع فيه لا تحصى، وقطعها ليست خشباً منحوتاً يُرفع عن الرقعة بلا ألم.
هناك على الرقع الملتهبة في العالم بشر من لحم ودم لهم أسماء وعائلات وخوف حقيقي من الموت. والقائد الذي يظن نفسه لاعب شطرنج قد يخسر أكثر مما يظن، لأن خصمه الحقيقي، خلافاً لكل ما تعلمه على الرقعة، لا يلعب بالقواعد نفسها… وربما لا يلعب الشطرنج أصلاً.
