ملخص
تراجع الأحزاب التقليدية في ألمانيا يفتح المجال أمام صعود متسارع لحزب “البديل من أجل ألمانيا”، في ظل ضغوط اقتصادية واستقطاب متزايد حول الهجرة، بما يهدد نموذج الاستقرار السياسي الذي ميّز البلاد لعقود. وامتداد هذا التحول إلى قوى أوروبية كبرى أخرى قد يعيد تشكيل الاتحاد الأوروبي، من سياساته تجاه أوكرانيا والهجرة وحقوق الإنسان إلى طبيعة المشروع الأوروبي نفسه.
إنها أيام قاتمة لأوروبا، وما يتعرض له المحافظون الألمان، ممثلين في حزب “الاتحاد الديمقراطي المسيحي” CDU، من إذلال سياسي لم يبلغ مداه بعد، لكنه يمضي بوضوح في هذا الاتجاه.
فقد أظهرت الانتخابات الإقليمية الأخيرة أن الحزب كاد يختفي سياسياً في ولاية مكلنبورغ – فوربومرن، بعدما أخفق حتى في تجاوز عتبة خمسة في المئة اللازمة للحصول على تمثيل في برلمان الولاية.
والمفارقة بالطبع أن هذه العتبة أدخلت إلى النظام السياسي الألماني بعد الحرب لمنع الأحزاب المتطرفة الهامشية من اكتساب موطئ قدم، لكن حزب “البديل من أجل ألمانيا” AfD، الذي يمكن اعتباره النظير التقريبي لحزب “ريفورم” في بريطانيا، الذي يرى فيه كثيرون اليوم حزباً متطرفاً كبيراً، تصدر الاقتراع هناك، مثلما فعل بصورة أكثر لفتاً في سكسونيا العليا، حيث حصل على أكثر من 43 في المئة من الأصوات واقترب من تشكيل حكومة.
أما في مكلنبورغ – فوربومرن الواقعة شمالاً، فلا يحصل حزب اليمين المتشدد “سوى” على نحو 38 في المئة، متقدماً بفارق غير كبير على “الحزب الديمقراطي الاجتماعي”.
وفي برلين، التي عرفت تقليدياً بأنها معقل لليسار، اتخذت خيبة الأمل من الأحزاب الرئيسة شكلاً مختلفاً. فقد تصدر حزب اليسار “دي لينكه” النتائج، وإن بنحو ربع الأصوات فقط، فيما حصل “الاتحاد الديمقراطي المسيحي” و”البديل من أجل ألمانيا” على نحو 17 و16 في المئة على التوالي.
ولعل أفضل طريقة لفهم “دي لينكه” هي اعتباره حزباً ذا توجهات شبيهة بتوجهات زعيم حزب العمال السابق في بريطانيا جيريمي كوربين، فيما لا تزال تركيبته السياسية تحمل بقايا من الحزب الشيوعي السابق في ألمانيا الشرقية.
ولا عجب أن يصف المستشار الألماني فريدريش ميرتس، زعيم “الاتحاد الديمقراطي المسيحي”، هذه النتائج بأنها كارثة، فيما وصفها سياسي بارز في “الحزب الديمقراطي الاجتماعي” بأنها “نكبة” لحزبه أيضاً، ولكم أن تختاروا الوصف الأكثر قتامة للمشهد.
ومبعث الصدمة أن السياسة في جمهورية ألمانيا الاتحادية عرفت طويلاً باستقرارها الشديد، فقد كانت تدور عملياً بين ثلاثة أحزاب: حزبان كبيران هما “الحزب الديمقراطي الاجتماعي” و”الاتحاد الديمقراطي المسيحي”، إلى جانب قوة ليبرالية أصغر هي “الحزب الديمقراطي الحر” FDP.
وكانت هذه الأحزاب تشكل في ما بينها حكومات ائتلافية مستقرة وطويلة الأمد، وغالباً ما كان “الحزب الديمقراطي الحر”، بصفته الشريك الأصغر، يحسم أي المعسكرين يتمكن من تشكيل الحكومة.
وفي بعض الأحيان، وبصورة متزايدة خلال السنوات الأخيرة، كان “الحزب الديمقراطي الاجتماعي” و”الاتحاد الديمقراطي المسيحي”، إلى جانب شقيقه البافاري “الاتحاد الاجتماعي المسيحي” CSU، يجتمعان في “ائتلاف كبير”، كما هي الحال اليوم.
وكان مستشارون ألمان مثل كونراد أديناور وهيلموت كول وأنغيلا ميركل يستطيعون التعويل على البقاء في السلطة نحو عقد ونصف عقد. أما اليوم، فقد انتهى ذلك الزمن.
ويأتي هذا التحول في وقت يواجه فيه الاقتصاد الألماني ضغوطاً متزايدة بفعل المنافسة الصينية، التي ألحقت أضراراً كبيرة بقطاع السيارات الحيوي، وارتفاع أسعار الطاقة بسبب الحرب في أوكرانيا، فضلاً عن رسوم ترمب الجمركية.
ولا تقتصر الضغوط على الاقتصاد، فكما هي الحال في بلدان أخرى من القارة، من بينها إيطاليا وإسبانيا والمجر وبولندا والسويد وهولندا وفرنسا، أصبحت الهجرة والقضايا “الثقافية” المرتبطة بها من أكثر المسائل إثارة للانقسام، وغالباً ما تتخذ صورة عداء حاد للإسلام.
في إيطاليا، يبدو أن جورجيا ميلوني نجحت في نقل خطاب التظلم لدى اليمين المتطرف إلى قالب سياسي أكثر تقليدية يتيح لها البقاء في الحكم مدة أطول. فهي أطول رؤساء الحكومات الإيطالية بقاء في المنصب منذ الحرب، لكنها ليست معتدلة.
وهذا ما يجعل آفاق الاتحاد الأوروبي أكثر قتامة، فإذا تمكن اليمين المتطرف في نهاية المطاف من الوصول إلى السلطة في قوة كبرى أخرى بعد إيطاليا، كأن تفوز مارين لوبان مثلاً في الانتخابات الرئاسية الفرنسية التي لم يعد يفصلنا عنها سوى ما يزيد قليلاً على ستة أشهر، فسيعني ذلك تحولاً جذرياً على مستوى الاتحاد بوصفه كياناً فوق وطني.
وعندها، لن يعود الاتحاد الأوروبي قائداً في التحالف التقدمي للقوى المتوسطة الذي يتصوره رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، بل قد يتحول سريعاً إلى كتلة سلطوية أخرى على غرار روسيا والصين والولايات المتحدة.
وسيتراجع الدعم المقدم إلى أوكرانيا أو يتوقف تماماً، فيما سيجري استرضاء بوتين. كذلك ستضعف صلاحيات الاتحاد الأوروبي لمصلحة الحكومات الوطنية، وقد يتفكك المشروع الاتحادي برمته، وإن كانت قيمته الاقتصادية أكبر من أن تسمح بتفكيكه بالكامل.
في هذا المسار، سيصبح الاتحاد الأوروبي، الذي يتبنى بالفعل توجهاً حمائياً ويعمل حالياً على وضع رسوم جمركية خاصة به تحت شعار “صنع في أوروبا”، أكثر “قومية” في نظرته، وأقل حرصاً على حماية حقوق الإنسان، وأقل استعداداً للإسهام في بناء السلام في أماكن أخرى، وأكثر استعداداً لترحيل بعض المقيمين على أراضيه.
وإذا استمرت هذه الاتجاهات السياسية، فقد نشهد خلال أعوام قليلة مشهداً غريباً يعاد فيه تشكيل الاتحاد الأوروبي على يد تحالف يضم “البديل من أجل ألمانيا” ولوبان وميلوني وحلفاءهم، على نهج شبيه بنهج نايجل فاراج، باستثناء أن المملكة المتحدة ستكون خارجه.
وبذلك، لم يعد صعود اليمين القومي الشعبوي ظاهرة محلية معزولة، بل بات ينتشر من بلد إلى آخر كعدوى تتحول شيئاً فشيئاً إلى ما يشبه الوباء. وفي قارة تفخر بحضارتها وعقلانيتها، يبدو أن الأوروبيين ينسون دروس تاريخهم بسرعة لافتة.
