ملخص
رفض الطرفين اقتراح وقف الهجمات المتبادلة مدة 10 أيام، الذي تقدم به الوسيطان القطري والباكستاني، يعني أن الأمور بينهما لم تصل بعد إلى مرحلة النضج، وأنهما لا يزالان في مرحلة ممارسة الضغط المتبادل، واستخدام التخاطب بالصواريخ والهجمات التي تتوسع دائرتها يوماً بعد يوم، وقد تصل إلى مرحلة يكون من الصعب ضبطها وحصرها بالمستويات الحالية، ليصبح بعدها خيار العودة للحرب خياراً لا يمكن تجنبه لدى كل منهما.
من الصعب الاعتقاد بأن الصراع والخلاف بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران يمكن حله بتوقيع مذكرة تفاهم، ومن ثم التفاوض على اتفاق شامل، ينقل العلاقة من حال العداء إلى التعاون والتنسيق، لتنهي عقوبات
وإذا ما كان طرفا الصراع، أي واشنطن وطهران، يحاولان قدر المستطاع الابتعاد من نقطة المواجهة، أو العودة للحرب من جديد، إلا أنهما أيضاً يدركان في العمق أن إمكان التعايش السلمي بينهما، أو بين إيران وإسرائيل من جهة، وإيران والدول المحيطة، وتحديداً الجوار العربي من جهة أخرى، قد وصلت إلى مرحلة من انعدام الثقة، ليس من السهل ترميمها أو الانتقال بها إلى مستويات جديدة من التعاون والتفاهم.
اغتيال المرشد الإيراني، وعدد كبير من قيادات الصف الأول، إضافة إلى ما لحق بالأصول والبنى التحتية الإيرانية من خسائر وأضرار، جراء الضربات الجوية الأميركية والإسرائيلية، جعلت من الصعب على إيران التفكير بأية خطوة تراجعية، أو تقديم تنازلات قد تفهم كنوع من الاستسلام، في حين أن واشنطن باتت غير قادرة أيضاً على التسليم بما جاء في مذكرة التفاهم، التي تسببت بكثير من الأزمات الداخلية لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ودفعته الضغوط التي يتعرض لها إلى التفتيش عن طريق وإجراءات، تساعد في الخروج من مأزق التوقيع، الذي ذيّل به مذكرة التفاهم.
وعلى رغم ارتفاع لهجة التهديد التي يمارسها الطرفان، فإن الواضح من الضربات العسكرية المتبادلة بينهما حجم الخشية من العودة لحال الحرب المفتوحة، وما يمكن أن يرافقها من تداعيات لا يرغب فيها أي منهما، ولعل الإصرار الأميركي على كبح رغبة رئيس الوزراء الإسرائيلي بالانضمام والدخول في المسار التصعيدي القائم، وانكفاء إيران عن استهداف إسرائيل التي تحولت إلى العمق الجغرافي الأكثر أمناً، لانطلاق واستقرار القوات الجوية الأميركية، ومنطلقاً لعملياتها ضد إيران، يعززان الاعتقاد بعدم وجود رغبة في توسيع هذه المواجهة حتى الآن، والحفاظ على التصعيد في إطار يمكن السيطرة عليه وضبطه، على حافة الحرب الشاملة.
وإذا ما كان المعلن لأسباب العودة للتصعيد، ولجوء الطرفين إلى استخدام ما يملكانه من أوراق ضغط، مثل التهديد الأميركي بتوسيع دائرة الاستهداف، لتشمل العمق الإيراني، وبعض المواقع النووية الإستراتيجية الجديدة، مثل جبل الفأس، ودخول العامل الحوثي على خط التصعيد، والعودة للتهديد باستخدام ورقة مضيق باب المندب، وشل حركة التجارة وإمدادات الطاقة عبره، لكن كثيراً من المؤشرات تدفع نحو الاعتقاد بأن فشل التفاهم على تطبيق بنود ورقة التفاهم، حول المسائل المرتبطة بمضيق هرمز وحرية الحركة فيه، قد عطّل بصورة واضحة عملية الانتقال إلى المرحلة الثانية من هذه المذكرة، والمرتبطة بالتفاوض حول مصير البرنامج النووي خلال الـ60 يوماً التي تعقب دخول مذكرة التفاهم حيز التنفيذ، مع إمكان تمديد المهلة باتفاق الطرفين، فالعقدة الأساس التي كانت الدافع والمحرك لبدء الحرب الأميركية – الاسرائيلية ضد إيران، كانت ولا تزال تدور حول البرنامج النووي، وطموحات إيران النووية، سواء في إصرار طهران وتمسكها برفض أي مطلب لتفكيك برنامجها النووي، أو حرمانها من امتلاك دورة التخصيب على أراضيها، أو في الاحتفاظ بمخزون اليورانيوم عالي التخصيب، مع وضع آلية لتخفيفه وتحويله إلى وقود لإنتاج الطاقة الكهربائية.
وفي مقابل تمسك واشنطن والرئيس ترمب ورئيس وزراء إسرائيل بهذه المطالب، والضغط للحصول عليها من خلال الدبلوماسية، بعد أن فشلت العملية العسكرية في القضاء عليها بصورة تامة، وأن الضربات نجحت في تعطيل هذه الطموحات، وتركت إمكان استئنافها وإعادة تفعيلها رهناً بمتغيرات ترتبط بإمكان التوصل إلى تفاهمات بين إيران وواشنطن، مترافقة مع ضمانات إيرانية ودولية تساعد في ضبطها في إطار الاستخدام السلمي، فإن طهران هي الطرف المطالب بتقديم ضمانات تساعد في تعزيز الثقة بسلمية الطموحات النووية، فالإصرار على استعادة الخطاب القديم، بوجود فتوى أصدرها المرشد السابق علي خامنئي بحرمة امتلاك السلاح النووي، لم تعد ملزمة إيرانياً، لأن الفتوى الشرعية والدينية قد تتغير بتغير الظروف والأسباب، فضلاً عن أن المرشد الجديد، وإن كان امتداداً لمرحلة حكم والده، لكنه قد يذهب إلى موقف ورأي آخر، يقترب من الأصوات الداخلية المتشددة المطالبة بكسر هذه المحرمات، ويسمح بتصنيع السلاح النووي، فضلاً عن عدم تقبل واشنطن والقوى الدولية المعارضة لإيران النووية، مثل هذا الخطاب.
المفاوض الإيراني، الذي يبحث عن مخارج لإبعاد شبح حرب جديدة، وإنهاء حال الاستنزاف الدائم الناتجة من عدم التوصل إلى اتفاق أو تفاهم ينهي حال التصعيد، وما تعنيه من استمرار الصعوبات الاقتصادية والمعيشية التي باتت تهدد أمن واستقرار النظام وإيران، قد يذهب إلى تقديم ضمانات سياسية وقانونية تشكّل مدخلاً لإقناع واشنطن والمجتمع الدولي بجدية إيران في التخلي عن أية نيات لعسكرة برنامجها النووي.وقد لا يبدو من الصعب على المفاوض الإيراني تمرير هذه الضمانات داخلياً، في ظل حال التشارك القائمة بين أقطاب ومراكز القرار في منظومة السلطة، الموزعة بين السلطة التنفيذية بقيادة رئيس الجمهورية مسعود بزشكيان، وكبير المفاوضين رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، والمؤسسة العسكرية بجناحيها “الحرس الثوري” والجيش، فضلاً عن إجماع “المجلس الأعلى للأمن القومي”، خلف الفريق المفاوض، مدعوماً بموقف واضح وإجازة من المرشد الجديد، وهنا قد يلعب البرلمان الإيراني الذي استطاع فرز الأصوات المتشددة والراديكالية ومحاصرتها، دوراً محورياً، من خلال طرح مسألة العودة للتصويت، على تطبيق البروتوكول الإضافي للتفتيش المباغت من قبل “الوكالة الدولية للطاقة الذرية”، وما يعنيه ذلك من إزالة العوائق أمام عودة مفتشي الوكالة لاستئناف نشاطهم داخل إيران، وحرية الوصول إلى جميع المنشآت النووية القديمة والجديدة.
وبالتزامن مع ذلك، تتقدم الحكومة إلى البرلمان باقتراح قانون جديد يحرّم ويمنع إيران من امتلاك سلاح نووي في المستقبل، يضاف إلى القوانين السابقة التي تمنع أي تنازل عن حق إيران في امتلاك برنامج نووي، ودورة تخصب على أراضيها، في حين يتولى الفريق المفاوض مع السلطة التنفيذية مهمة الحوار للتوصل إلى آلية مع واشنطن، تسمح بإيجاد مخرج لأزمة التخصيب على الأراضي الإيرانية، من خلال العودة لطرح سبق أن قدمته طهران حول إنشاء “اتحاد شركات” (كونسورتيوم) إيراني – إقليمي – أميركي- دولي على الأراضي الإيرانية، لتخصيب اليورانيوم.
لا شك في أن رفض الطرفين اقتراح وقف الهجمات المتبادلة مدة 10 أيام، الذي تقدم به الوسيطان القطري والباكستاني، يعني أن الأمور بينهما لم تصل بعد إلى مرحلة النضج، وأنهما لا يزالان في مرحلة ممارسة الضغط المتبادل، واستخدام التخاطب بالصواريخ والهجمات التي تتوسع دائرتها يوماً بعد يوم، وقد تصل إلى مرحلة يكون من الصعب ضبطها وحصرها بالمستويات الحالية، ليصبح بعدها خيار العودة للحرب خياراً لا يمكن تجنبه لدى كل منهما.
