فيما تسير التحضيرات للحرب الإقليمية المقبلة على قدم وساق، انشغلت أوساط “حزب الله” بالتطبيع مع واقع الاحتلال الإسرائيلي، الذي عاد ويعود بعد ربع قرن على نهايته عام 2000، وبتسخيف أثمان ذلك على الناس. تعليقات لإعلاميي التنظيم تراوحت بين التباهي بأن عودة الاحتلال لا تُقدم أو تُؤخر (وشو عليه، و”وإذا يعني”)، أو “فلتحتل إسرائيل مئة قرية”! المهم أن “المقاومة” موجودة.
وهذه ليست تصريحات عشوائية أو من عدم، بل تأتي في سياق تطبيع الناس مع واقع الاحتلال، على القاعدة القديمة للتنظيم وهي أن الألم لدينا مجاني، والقدرة على تحمله لا حدود لها. كما يُمكننا تقدير هذه التصريحات بأنها تمهيد لتضحيات جديدة قد تستدعيها مشاركة التنظيم في أي حرب إقليمية مقبلة، ستُفضي كالعادة الى دمار واسع ورقعة احتلال أكبر وانقسامات داخلية أكثر حدة.
تزامن ذلك مع حديث الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم قبل يومين عما سماه “أسطورة” صمود المقاومة بصفته انجازاً، بغض النظر عن تبعاته على الناس من دمار وقتل واحتلال مديد. بقاء المقاومة هو الهدف والباقي تفصيل. في الشق الثاني من حديثه، وصف قاسم المواجهة الأخيرة بأنها حرب إسرائيلية-أميركية على لبنان، وأيضاً ربط الحل بانسحاب إسرائيلي-أميركي، من دون أن يشرح المقصود بذلك، بما أن الولايات المتحدة ليس لديها وجود عسكري جنوباً.
ليس بالضرورة أن يحمل خطاب قاسم أي معنى خاص بلبنان، قد يكون نسخه من الخطاب الإيراني حيال الحرب الأميركية-الإسرائيلية على طهران منذ شباط (فبراير) الماضي، ولصقه على السياق اللبناني من دون مراجعة أو تدقيق. ذلك أن صورة الحزب في هذه الحرب، خالية من أي معنى لبناني.
حتى رواية البداية لهذه الحرب في الثامن من تشرين الأول (أكتوبر) عام 2023، إيرانية كذلك، كما اكتشفنا في مقابلة مع الجنرال إسماعيل قآني قائد فرقة القدس التابعة للحرس الثوري الإيراني (تداولتها حسابات إيرانية على وسائل التواصل الاجتماعي). بحسب روايته، زار قآني بيروت بعد ظهر يوم السابع من تشرين الأول عام 2023، للاجتماع مع نصرالله بشأن المشاركة بالحرب إلى جانب “حماس”. نصرالله برر تأجيل الانضمام للحرب يوماً للتمهل لعودة الناس من الجنوب نهاية الأحد. يُستنتج من كلام قآني بأن قرار المشاركة في الثامن من تشرين الأول كان إيرانياً، أو على الأقل اشتركت ايران في اتخاذه، إذ لم يعد الجنرال الإيراني لقيادته لمراجعتها في هذا الشأن. ولهذا اقتبس في المقابلة إشادة المرشد السابق علي خامنئي بعملية حركة “حماس”، وتحديداً قوله يوم العملية: “نُقَبّل الأيادي والجباه التي صممت هذا الهجوم”. عملياً، كان هذا التصريح إيذاناً للحزب بالمشاركة نيابة عن إيران، ولهذا أُوفد قآني.
رواية إصرار نصرالله على توقيت الحرب بعد نهاية عطلة الأسبوع (الويك أند)، تحولت الى سياسة للتنظيم. بيد أن المشاركة الثانية للحزب في الثاني من آذار (مارس) الماضي أخذت أيضاً بالاعتبار عودة الناس من عطلة نهاية الأسبوع، وانتظرت أياماً بعد اغتيال المرشد علي خامنئي. من الصعب الشك بأن المشاركة بالحرب كانت بإيعاز إيراني. لكن الأرجح أن نعيم قاسم أصر حينها على استمهال إيران بضعة أيام ريثما تنتهي عطلة نهاية الأسبوع ويعود بعض سكان بيروت والضاحية وصيدا من زيارة قراهم. وهذا قرار “سيادي” ضمن الهامش المتاح للحزب، يُشبه في سلوكه بعض عمال سفينة التايتنك الذين أصروا على توضيب الكراسي قبل الغرق. هو حريص على الويك أند، لكنه لا يغص بالاحتلال.
قرارات الحزب بخوض هذه الحروب تزداد سوءاً بشكل تصاعدي من 8 تشرين الأول الى 2 آذار إلى اليوم، ونحن على أعتاب جولة جديدة. إسرائيل اليوم دولة متفوقة عسكرياً لا تُخفي توسعها، ولا تُبالي بالقوانين ولا بالمحاكم الدولية، بل يتباهى وزراؤها بتعذيب السجناء والعقاب الجماعي وضم أراضي الغير.
وقاسم يعرف بأن أي حرب مقبلة ستنتهي باحتلال أوسع وبآلام ودمار وتهجير لم تعد الناس تحتمله. يعرف ذلك، لكنه يُحضر الناس اليوم من خلال إعلامييه لتقبل الاحتلال، بعد نهاية الويك أند طبعاً!