دول المنطقة بدأت بالفعل مراجعة استراتيجيّة شاملة لسياساتها المحليّة والإقليميّة والدوليّة.
دول الخليج العربي تقوم الآن بتقويمٍ عبر الإجابة عن ثلاثة أسئلة:
1- من هو الحليف الذي أثبتت الحرب الأخيرة أنّه يمكن الرهان عليه؟
2- من هو الذي خيّب آمالنا؟
3- ما هو شكل تحالفاتنا الإقليميّة والدوليّة الجديدة، وكيف يمكن بناؤها؟
هذا كلّه يطرح ضرورة الفهم الصحيح لمبدأ المراجعة الاستراتيجيّة نظريّاً قبل تطبيقه عمليّاً، وهي مراجعة لم تفرضها الرغبة في الإصلاح، لكن لإنقاذ النفس وإنقاذ المنطقة من فوضى سياسات الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب.
مراجعة الرّهان الاستراتيجيّ على واشنطن
في علم السياسة هناك ما يسمّى strategy policy review أي مراجعة السياسة الاستراتيجيّة. وهناك أبحاث مطوّلة ومعقّدة في هذا المجال يمكن تبسيطها بالعناصر التالية:
1- إعادة فحص ومراجعة السياسات التي تمّ تطبيقها، من ناحية مدى مطابقة الأهداف المرجوّة للنتائج التي تحقّقت بالفعل.
2- هنا يأتي السؤال: هل الكلفة كانت أكثر أم أقلّ من النتائج؟ بمعنى: هل كانت النتائج خاسرة، متوازنة، أم أتت بالأرباح؟
حتّى الحرب مع إيران، كانت دول المنطقة تؤمن بأنّ الرهان الاستراتيجيّ على الحليف الأميركيّ هو رهان مضمون، له عوائد استراتيجيّة، ويحقّق حمايةً واستقراراً أكثر من أيّ تكاليف تتحمّلها المنطقة.
جاءت حرب الولايات المتّحدة الأميركيّة مع إيران، وكانت الاعتداءات الإيرانيّة على دول المنطقة، وتمّ تقويم سياسات الرئيس ترامب المتضاربة والمرتبكة والمتناقضة تجاه السلوك الإيرانيّ، ممّا دعا دول المنطقة كلّها إلى أن تسأل نفسها السؤال العظيم: هل العلاقة التاريخيّة مع واشنطن في عهد ترامب هي بوليصة التأمين الاستراتيجيّة التي يمكن الاعتماد عليها بثقة؟
كلّ ذلك أصبح أيضاً مرتبطاً بحجم فاتورة الخسائر الفعليّة التي دفعتها المنطقة نتيجة قرار ترامب شنّ الحرب.
فاتورة الخسائر:
- أوّلاً: الخسائر الجماعيّة لدول الخليج: 535 ملياراً.
- ثانياً: تراجع الصادرات من 17 مليون برميل يوميّاً إلى 9 ملايين برميل، أي انخفاض بنسبة 47%.
- ثالثاً: تراجعت حركة الناقلات من 150 ناقلة إلى ما بين 5 و60 يوميّاً.
- رابعاً: الدول الأكثر تضرّراً هي دول الكويت وقطر والعراق، والأقلّ تضرّراً الإمارات والسعوديّة بسبب وجود الخطوط البديلة، وأنابيب الشرق والغرب، ومصفاة النجرة الإماراتيّة.
تصاعد التّوتّر وإعادة ترتيب التّحالفات الإقليميّة
منذ بدء العمليّات الأخيرة، تمّ إطلاق 850 صاروخاً و2,650 مسيّرة على دول الخليج والأردن. يضاف، في الساعات الأخيرة، ما تعرّضت له مدن السعوديّة وخطوط إمدادها من مسيّرات انطلقت من العراق.
تضاف أيضاً التحرّكات الحوثيّة في سواحل الحديدة والاقتراب من باب المندب الاستراتيجيّ، ولا يمكن التغافل عن فاتورة خسائر الخزانة الأميركيّة التي تحمّلت 120 مليار دولار جرّاء ارتفاع أسعار الطاقة، حتّى وصل سعر غالون الكيروسين، لأوّل مرّة، إلى ما يتعدّى 6 دولارات للغالون الواحد.
كلّ هذه الفاتورة الباهظة التي تدفعها المنطقة أدّت إلى تحرّكات فعليّة غير مسبوقة:
1- الاتّفاق الاستراتيجيّ السعوديّ مع تركيا وباكستان.
2- الدور النشط في تجمّع “البريكس” الأخير في نيودلهي، الذي شاركت فيه مصر والإمارات.
3- زيارة الشيخ محمّد بن زايد لألمانيا، وعقد اتّفاقات تعاون بـ 40 مليار دولار.
4- استعانة الإمارات بمقاتلات رافال وطيّارين مصريّين على أراضيها. واستعانة كلّ من السعوديّة والإمارات بمنظومات صواريخ دفاع جوّيّ كوريّة جنوبيّة وأخرى مصريّة.
5- عقد الشيخ خالد بن محمّد، وليّ عهد أبو ظبي، لقاءً مهمّاً مع الرئيس الإيرانيّ مسعود بزشكيان، على هامش مؤتمر البريكس في نيودلهي.
وأخيراً، على عهدة ويكيليكس حديثاً، تسرّب أن هناك مطلباً سعوديّاً مباشراً من الرئيس الأميركيّ للتدخّل عسكريّاً من أجل مواجهة تحرّكات الحوثيّين ضدّ المملكة، وأنّ ترامب لم يتّخذ أيّ قرار في هذا المطلب. وأوفد قائد القوات المركزية الأميركية إلى السعودية للتشاور بشأن ما طلبه ولي العهد السعودي من الرئيس الأميركي حسب ما نشره “إكسيوس”.
مراجعة استراتيجيّة عربيّة للرّهان على واشنطن
كلّ هذه الظواهر والتحرّكات تُفضي إلى أنّ هناك مراجعة استراتيجيّة حقيقيّة من دول المنطقة للأوضاع الإقليميّة والتحالفات الدوليّة التقليديّة، لكن كيف؟
قال لي مصدر عربيّ يشارك في الاتّصالات الحسّاسة مع واشنطن في الآونة الأخيرة: “أزمة إدارة ترامب أنّ واشنطن ليست هي الطبيب المنقذ الذي يتدخّل لإنقاذ المنطقة من طالبان أو داعش، لكنّ واشنطن هذه المرّة هي سبب المرض الذي تعاني منه المنطقة”.
لا يمكن أن تطلب الدواء من صاحب الداء. هذه حرب ترامب بغواية من رئيس الحكومة الإسرائيليّة بنيامين نتنياهو، ولذلك يصعب علينا أن ننتظر الحلّ النهائيّ منه. إنّه مفترق طرق تاريخيّ في العلاقات العربيّة ـ الأميركيّة، إذ ليست المشكلة عند العرب الشكّ في نوايا الاختيار الأميركيّ لمصلحة إسرائيل، لكن هذه المرّة الشكّ في صحّة القرار الأميركيّ والشكّ في الكفاءة في تنفيذه، بل إنّ هناك تخوّفاً عظيماً من أن تؤدّي سياسات ترامب إلى انزلاق المنطقة نحو كارثة وفوضى.
في كتابه الأشهر، يقول ريتشارد روميلت: “استراتيجية جيّدة واستراتيجية سيّئة”. يتحدّث روميلت عن عنصر رئيسيّ في التغيير الاستراتيجيّ القائم على ما يسمّى السلاسل العقلانيّة، أي سلاسل الواقع والمنطق التي تربط بين المقدّمات والنتائج.
في حالة ترامب، لا سلاسل تقليديّة في سياساته، لكن توجد أوهام ورغبات شخصيّة لا تنتهي إلى نتائج واقعيّة.
