ملخص
يمكن القول إن المنطقة تقف أمام مفترق طرق حقيقي، فإما أن تتحول هذه الأزمة إلى فرصة لإعادة صياغة قواعد الاستقرار الإقليمي، أو أن تستمر في مسار التصعيد التدرجي الذي قد يخرج عن السيطرة في أية لحظة، وفي كلتا الحالين يبقى السؤال: هل يمتلك اللاعبون الإرادة السياسية لتجنب الأسوأ؟
في خضم التوترات المتصاعدة بين إيران والولايات المتحدة، تعود منطقة الخليج لتقف مرة أخرى على حافة اختبار خطر، تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع رهانات السياسة، وتتشابك فيه مسارات الوساطة مع منطق القوة، فالتطورات الأخيرة، بما في ذلك استمرار استهداف ناقلات النفط والبنية البحرية في الخليج العربي، تكشف عن معادلة معقدة تتجاوز مجرد ردود الفعل التكتيكية، لتلامس جوهر الصراع على النفوذ، وإعادة تشكيل قواعد الاشتباك في المنطقة
وما يثير القلق ليس فقط طبيعة الهجمات، بل توقيتها أيضاً، إذ تأتي في وقت بذلت فيه دول الخليج العربي جهوداً واضحة لتقديم دور الوسيط بين طهران وإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وهذه الوساطات، التي هدفت إلى خفض التصعيد وفتح قنوات للحوار، تبدو اليوم وكأنها تصطدم بجدار من انعدام الثقة، بل وربما بتباين عميق في فهم كل طرف طبيعة المرحلة الراهنة.
من منظور طهران، لا يبدو أن العودة للوضع السابق في الممرات البحرية، خصوصاً في مضيق هرمز، خيار مطروح، فإيران التي تشعر بأنها استطاعت فرض معادلات ردع جديدة، تسعى إلى تثبيت واقع مختلف، تستخدم فيه أدوات الضغط البحري كوسيلة تفاوض غير مباشرة، أما واشنطن فتتعامل مع هذه التحركات باعتبارها تهديداً مباشراً لحرية الملاحة والاقتصاد العالمي، وهو ما يدفعها إلى التلويح بردود أكثر حدة.
غير أن الإشكال الحقيقي يكمن في موقع دول الخليج داخل هذه المعادلة، فمن جهة تجد نفسها مستهدفة بصورة مباشرة، سواء عبر تهديد ناقلاتها النفطية أو أمنها البحري، ومن جهة أخرى تحاول الحفاظ على دور توازني يجنب المنطقة الانزلاق إلى مواجهة شاملة، لكن استمرار الهجمات على رغم هذه الوساطات يطرح تساؤلات جوهرية مثل: هل يمكن بناء الثقة بين إيران ودول الخليج التي تقصف سفنها وأهدافاً داخلها، على رغم وساطتها بين إيران وواشنطن لاستمرار هدنة وقف النار، وصولاً إلى توقيع مذكرة التفاهم؟
الرسائل الإيرانية تبدو متعددة المستويات، فهي من ناحية تؤكد القدرة على التأثير في شرايين الطاقة العالمية، ومن ناحية أخرى تحاول تجنب الانزلاق إلى حرب مفتوحة، واستهداف السفن في هذا السياق ليس مجرد عمل عسكري، بل أداة سياسية محسوبة بدقة، تتيح لإيران رفع سقف الضغط من دون تجاوز الخطوط التي قد تستدعي رداً شاملاً.
في المقابل تبدو واشنطن أمام معضلة إستراتيجية، فهي تملك القدرة العسكرية على التصعيد لكنها تدرك في الوقت ذاته أن أية مواجهة واسعة في الخليج قد تكون مكلفة وغير مضمونة النتائج، وكذلك فإن التجارب السابقة في المنطقة تجعل خيار الدخول العسكري المباشر محفوفاً بالتردد، بخاصة في ظل غياب رؤية واضحة لنهاية الصراع، والنتيجة حال من التصعيد المنضبط، إذ يختبر كل طرف حدود الآخر من دون الوصول إلى نقطة الانفجار، لكن هذه الحال بطبيعتها هشة، إذ يمكن لأي خطأ في الحسابات أن يحولها إلى مواجهة مفتوحة.
اقتصادياً لا يمكن فصل هذه التطورات عن أسواق الطاقة، فاستمرار التوتر في الممرات البحرية يهدد بإرباك تدفقات النفط، وهو ما قد ينعكس على الأسعار والاستقرار الاقتصادي العالمي، وهنا تتقاطع مصالح الجميع، إيران والولايات المتحدة ودول الخليج، بل والعالم بأسره، وفي ضوء ذلك كله يبدو أن الرهان على الوساطات وحدها لم يعد كافياً، فالمطلوب هو مقاربة أشمل تعترف بتغير موازين القوى، وتبحث عن صيغة جديدة لإدارة الأمن البحري في الخليج، بدلاً من محاولة إعادة عقارب الساعة للوراء.
إجمالاً يمكن القول إن المنطقة تقف أمام مفترق طرق حقيقي، فإما أن تتحول هذه الأزمة إلى فرصة لإعادة صياغة قواعد الاستقرار الإقليمي، أو أن تستمر في مسار التصعيد التدريجي الذي قد يخرج عن السيطرة في أية لحظة، وفي كلتا الحالين يبقى السؤال: هل يمتلك اللاعبون الإرادة السياسية لتجنب الأسوأ؟
