لافتة للانتباه المسافة الشاسعة التي تفصل بين قراءتين متناقضتين لـ”اتفاقية مكّة للدفاع المشترك” الموقعة يوم الجمعة الماضي (7 أغسطس/ آب 2026)، في المدينة السعودية التي تحمل عنوان المعاهدة. والمسافة تلك تبدأ من التباين في تسمية الاتفاق (رغم أن له اسماً رسمياً موضوعاً بين مزدوجين في مطلع هذا المقال)، بين من جعله حلفاً عسكرياً إسلامياً سيغيّر وجه المنطقة، تارةً في وجه إيران وحلفائها، وتارةً أخرى في وجه التوسع الإسرائيلي، في مقابل من يعتبره حبراً إضافياً على ورق دفاتر كثيرة كُتبت عليها في ما مضى اتفاقات دفاعية اندثرت وحُفظت في الأرشيف وتكاد لا تحضر في الذاكرة نظراً إلى تهافتها.
والحال أنّ من يولون الاتفاق السعودي ــ التركي ــ الباكستاني أهمية مبالغاً فيها وآخرين تعاطوا مع الحدث باستخفاف، ينطلق كلّ منهم من غموض المعاهدة التي لم يخبرنا بيانها المشترك الموقّع من محمد بن سلمان ورجب طيب أردوغان وشهباز شريف سوى أنها “تهدف إلى تعزيز الردع المشترك ضد أي اعتداء”، وتنص على أن “أي هجوم مسلح على أي من الدول الثلاث هو هجوم على الجميع”، كما تُعنى الاتفاقية “بتطوير كلّ أوجه التعاون الدفاعي بينها”. والجزء الأول سيوحي بشأن كبير فقط إن كان من كتبه يقصد ما كان في بال واضعي المادة الخامسة من معاهدة حلف شمال الأطلسي (الناتو) المتعلقة بالدفاع الجماعي عام 1949. وإن كان الغموض المحيط ببنود اتفاقية مكّة مقصوداً، فسيكون ممكناً القول، مع شيء من التحفظ، إن المعاهدة قد تكون فعالة بما أن تقصُّد الغموض سيوحي بأن هناك بنوداً ظلت سرية نظراً لحساسيتها، أي لجديتها. أما إن كانت الفقرة المعلنة في البيان المشترك كلّ ما في الأمر، على غرار الاتفاق الدفاعي الثنائي بين الرياض وإسلام أباد (سبتمبر/ أيلول 2025)، فإنّ ذلك لن يعني على الأرجح إلا تعزيزاً اقتصادياً لسوق الأسلحة بين الثلاثي السعودي ــ التركي ــ الباكستاني، بأطرافه التي يملك أحدها الثروة (السعودية) وثانيها الصناعة الحربية المتطورة والهوية الأطلسية (تركيا) وثالثها “اليد العاملة الحربية” الخبيرة بالقتال والمدعومة بسلاح نووي (باكستان).
وغموض الاتفاق الذي أخبرنا وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في حوار مع وكالة الأناضول يوم السبت أنه بدأ إعداده منذ عامين (ربما لإبعاد إيران من بنك أهدافه)، أوصل التردّد في النظر إليه إلى إسرائيل نفسها التي تأخر مسؤولوها في التعليق رسمياً عليه. ففي الصحافة العبرية، انقسم معلّقون بين اطمئنان إلى اتفاق يكرّس “محوراً سنّياً في مواجهة إيران الشيعية”، وقلق من اعتباره جسراً يسمح لتركيا بمدّ نفوذها في المنطقة، مع احتمال أن يكون ذلك برضى أميركي على قاعدة أنه يمكن لذلك التحالف أن يكون شريكاً لواشنطن، إلى جانب الشريك الإسرائيلي، أو على حسابه. وفي هذا السياق، يُقرأ في صحف إسرائيلية كلام عن احتمال ولادة تحالف إقليمي بديل قريباً يضم الهند والإمارات والأردن وإسرائيل واليونان، في وجه التحالف السعودي ــ التركي ــ الباكستاني الذي تبدو مصر مترددة في الانتماء إليه، هو الذي لا تريده أنقرة مجرد اتفاق دفاعي بدليل قول فيدان إنه “سيكون له مقر للأمانة العامة ومجالس على مستويات متعددة منها وزراء الخارجية تجتمع لاحقاً وتجري مناورات وتدريبات”. لماذا كلّ هذا بحسب رئيس الدبلوماسية التركية؟ من أجل “تحقيق استقرار دائم في المنطقة، لم يتحقق منذ انسحاب العثمانيين”!
أغلب الظن أن اتفاق مكّة ابن شرعي لـ”فلسفة” أميركية منسوبة إلى دونالد ترامب، تنصّ على أن في العالم زعيماً أوحد يوزّع الزعامات الإقليمية على “أقوياء” ثانويين يخففون من الأعباء والتكاليف على أميركا، ولا يخرجون عن استراتيجيتها العامة. انطلاقاً من ذلك، قد لا يكون حكيماً تصوير الاتفاق تحالفاً ضد إيران ولا ضد إسرائيل، بل واحداً من معالم مرحلة لا تزيدها السنوات إلا انعداماً للاستقرار، منذ نشوء إسرائيل، ومنذ ولادة الثورة الإسلامية في إيران وما بينهما ازدهار الديكتاتوريات العسكرية العربية.