“أنا من أولئك الفرنسيين المعارضين للمكيّفات، لأسباب اقتصادية وبيئية بالطبع”، قالت جولي ذات المَيل اليساري، “ولأني أعرف أني سأشعر بالغضب والظلم إذا ركّب جاري مكيفاً ترمي ماسورته عبر النافذة هواءً ساخناً سيدخل شقتي ويزيدها احتراراً”.
“بسيطة”، ردّت إحداهن، “ركّبي مكيّفاً، وانتعشي، وليحظى الجار أيضاً بنصيبه من الهواء الساخن، تعادُل!”… وفرقعت إيموجيهات الوجوه الضاحكة بعد سطور طويلة من التململ والضيق من الحرّ، والسؤال عن متاجر فعلية وإلكترونية ما زالت لديها مراوح ومكيّفات نقّالة للبيع.
لعل هذه المحادثة في مجموعة “واتسآب” تختزل الجدل المهيمن على الإعلام والسوشال ميديا الفرنسيَين منذ نحو عشرة أيام، مع استذكار موجة الحر العام 2003 والتي أودت بحياة 15 ألف شخص. ماذا جرى منذئذ؟ كيف استعدت الدولة لتلك الموجات الجحيمية المتكررة؟
مكيّفات التبريد في فرنسا اليوم، ليست سلعة نادرة فحسب، بل هي أيضاً محور كباش على اتساع الطيف الحزبي والشعبي، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. يذهب البعض إلى توصيفها بالإيديولوجيا التي لا بد من كسرها، مثل مُحرّم خانق. لكن قبل الخوض في الاستقطاب السياسي، لا بد من عين النسر للإحاطة بالعالم الحقيقي الذي لفّ المحادثة الافتراضية أعلاه…
السينما مَلجأً
كان القيظ في الخارج يحرق العيون قبل الأجساد والمَسام. فرنسا كلها حمراء في النشرات الجوية، تتراوح درجات الحرارة في خريطتها السداسية بين 39 و48 درجة مئوية. فرن كبير. أقفلت الحدائق العامة والمراكز الرياضية البلدية، وألغيت نشاطات. النقل العام نصفُه فقط مبرّد. الشرطة والإطفائية في استنفار. بعض المدارس أغلق أبوابه، والبعض الآخر أعطى الأهل خيار عدم إرسال أولادهم، أو إرسالهم خلال الفترة الصباحية فقط، فالصفوف كلها بلا تكييف، والمراوِح لا تكفي. بعض قاعات الاستقبال والمكتبات المدرسية مُكيّفة، وفيها جُمِع التلامذة لإنجاز دروس بسيطة، أو لمشاهدة فيلم، أو حتى لتجزية الوقت باللعب خلال الأسبوع ما قبل الأخير من العام الدراسي.
كأنه شبح “كوفيد”. الشوارع شبه مقفرة نهاراً، إلا على ضفاف الأنهار ونوافير الساحات. مُنع بيع الكحول مؤقتاً تخوفاً من السباحة تحت تأثيرها. الناس والأولاد غالباً في البيوت، إذ أجاز جزء (غير مُكيَّف) من المؤسسات لموظفيه العمل من بُعد. المستشفيات بلغت أقصى معدلات الإشغال. معدّل الوفيات تجاوز الأرقام “الطبيعية” المتوقعة في مثل هذا الوقت من السنة، بألف وفاة مرشّحة للزيادة، معظمهم ممن تجاوز الـ65 من العمر، و75 شخصاً قضوا بسبب السباحة في أماكن غير مخصصة لذلك. مسؤولون عن دور مسنّين ومؤسسات رعائية واستشفائية يستغيثون، فالقاعات القليلة المبرّدة لا تتسع لكل المرضى الأكثر هشاشة.
الناس يلتجئون إلى صالات السينما، ومراكز التسوق حيث بدأ موسم التخفيضات، طمعاً في التكييف، لكن غالباً ما لا يتعدّى الفارق بين الداخل والخارج بضع درجات مئوية، إما لقلّة كفاءة التبريد، أو بسبب حشد الأنفاس. في صُور من مراكز بيع الأدوات المنزلية، زبائن يتناتشون شحنة المراوح الجديدة التي لم يتبق منها ما تحمله رفوف العرض. أحد الباعة يقول لزبون أن في المخزن صفراً من المكيّفات النقالة، وأن عليه العودة بعد يومين، موعد وصول الشحنة التالية، “لكن تعال باكراً، نفتح أبوابنا الساعة العاشرة صباحاً، عند الحادية عشرة لن تجد شيئاً”.
الحرّ يُخرج أسوأ ما في الأفراد. امرأة ستينية تتشاجر مع موظف شباك التذاكر. نفهم أنها اصطحبت أحفادها الثلاثة لمشاهدة فيلم، ودفعت أكثر من 40 يورو، ليتبين أن المكيّف في الصالة معطّل. تهدده بإخطار الصحافة، فيما الموظف العصبي يقرّب من وجهها لافتة صغيرة تعترف بالعطل وتجيز للرواد استعادة ثمن البطاقات بعد 15 دقيقة على بدء العرض، فيما انقسم الزوار حولهما بين مؤيد لها أو له. مشهد سينمائي في سينما “الموجة (الحرارية) الجديدة”، خالٍ من معهود التهذيب الفرنسي المسنون، إذ لم يَعُد للأعصاب ضابط. وفي غرف القياس في أحد المتاجر الكبرى، وقفت الزبونات المتصببات عرقاً في طابور انتظار طويل (مثل ذاك الممتد عشرات الأمتار أمام مداخل المسابح البلدية). المكيّف ما عاد قادراً على تبريد المساحة، فأُخرجت المراوح. الصراع النفسي: هل نتحمّل الحرّ للفوز بالتخفيضات؟ أم نضحي بالأخيرة اتقاءً للحر؟ امرأة تجهد في التلويح بمروحة يدوية، وفي الوقت نفسه تنهر والدتها المسنّة المترددة في الاختيار بين مقاسَين من البلوزة الخضراء.
المُكيفات “المحرّمة”
قبل أيام قليلة، تبخّرت “القبّة الحرارية”. لكن الفرنسيين، والأوروبيين عموماً، موعودين بأخرى قريباً، وربما أُخريات. يصعب التنبؤ، على ما يقول متخصصون في المناخ.
لكن ما قصة الفرنسيين مع المكيّفات؟ لماذا تكتفي الغالبية (نحو 75% من الوحدات السكنية) بالمراوح التي قد لا تجدي إلا في تدوير الهواء الساخن؟ ولماذا، إن اشتروا مكيفاً، فمِن النوع ذي الأنبوب العريض الذي يُمدّ عبر نافذة تبقى نصف مفتوحة، بدلاً من القطعتين المألوفتَين، المثبتة إحداهما على حائط داخلي والثانية على الخارجي؟ يظن البعض أن فرنسا تمنع المكيفات، لا سيما في الأبنية القديمة التي تعطي المدن الفرنسية طابعها الساحر. حسناً، الإجابة هي: نعم...ولا.
المسألة مزيج من عوامل تاريخية ومناخية، اقتصادية وثقافية وعمرانية. لكن، لا قانون فرنسياً يمنع الأُسَر من تركيب أجهزة تكييف الهواء.
تاريخياً، لم تحتج فرنسا المكيّفات، فخلال معظم القرن العشرين، كانت فصول الصيف في أجزاء واسعة من البلاد معتدلة نسبياً، وبضعة أيام شديدة الحرارة كل عام لم تبرر شراء جهاز باهظ الثمن. ثم إن العديد من المباني، قديم، لا سيما في مدن مثل باريس، ويتطلب تركيب نظام تكييف الهواء المنفصل (Split AC)، الحفر عبر جدران سميكة من البناء التقليدي (الحجر أو الآجُرّ) لتركيب وحدة تكثيف خارجية بعد الحصول على موافقة لجنة المُلّاك في المبنى، والامتثال لقواعد الحفاظ على التراث إذا كان المبنى خاضعاً للحماية. قد يحظر اتحاد المُلّاك وحدات خارجية ظاهرة للعيان، أو يرفض أصحاب الشقق المؤجّرة تعديلات دائمة أو مُشوِّهة. الطاقة ليست مشكلة، إذ تتمتع فرنسا بتسعيرة منخفضة نسبياً للكهرباء مقارنة بدول أوروبية أخرى، بفضل اعتمادها الكبير على الطاقة النووية. لكن الكلفة العالية تكمن في عملية التركيب. ففيما تتراوح كلفة المكيفات النقّالة بين 300 و700 يورو، فإن تركيب نظام تكييف منفصل غالباً ما يتراوح بين 1500 و4000 يورو أو أكثر.
لسنوات عديدة، كان يُنظر إلى مكيّف الهواء على أنه غير ضروري، مظهر من مظاهر الإسراف، ضار بالبيئة، ويقتصر وجوده عادةً على المكاتب والفنادق والمناطق الحارة جنوبي البلاد. لطالما فضّل الفرنسيون المراوح، إقفال المصاريع والستائر نهاراً، وفتح النوافذ ليلاً. لكن “الثقافة” هذه، بدأت تتغير مع تزايد درجات الحرارة في فصل الصيف. ولا مفرّ للثقافة من استدعاء السياسة، والعكس بالعكس.
هكذا، أصبح تكييف الهواء محور نقاش سياسي أوسع حول كيفية استجابة فرنسا لتغير المناخ. لم يعد الجدل مقتصراً على سؤال: هل ينبغي للناس شراء أجهزة تكييف؟ بل: هل ينبغي لفرنسا إعطاء الأولوية للتكييف، أم لتخفيف تداعيات التغير المناخي؟
المعركة السياسية
حزب “التجمع الوطني” اليميني المتطرف، بقيادة جوردان بارديلا (مارين لوبان سابقاً)، جعل أجهزة التكييف موضوع خطاب سياسي مفاده: موجات الحَرّ واقع نعيشه الآن، تكييف الهواء ينقذ الأرواح، فرنسا اليوم تعارض – أيديولوجياً – تقنيةً يستخدمها جزء كبير من العالم المتقدم، ويجب تكييف المدارس والمستشفيات ودور رعاية المسنين والمزيد من المنازل. حُماة البيئة متهمون بـ”تحريم” التكييف و”تجريمه” بل و”أدلَجته” بينما تعاني عامة الناس موجات حر تزداد وتيرتها. الرسالة بسيطة، ولذلك هي فعالة جماهيرياً، وفرصة لا تعوّض، خصوصاً في مواجهة اليسار وحزب “الخُضر” وحتى التيار الوسطي بزعامة ايمانويل ماكرون: لماذا لا يحظى الأطفال الفرنسيون بقاعات دراسية مبرّدة؟
ويردّ “الخضر” ببث هواجسهم: زيادة الطلب على الكهرباء خلال فترات الذروة، يؤدي إلى انبعاث حرارة إضافية في الشوارع التي تعاني أصلاً ارتفاعاً غير مسبوق في درجات الحرارة، واستخدام غازات التبريد قد يفاقم الاحتباس الحراري في حال تسربها، اعتماد المدن بشكل متزايد على التبريد خطر، والبديل هو تحسين العزل الحراري في المساكن، مع استخدام مصاريع النوافذ الخارجية، وزراعة الأشجار، ومعالجة أسطح المباني لتصبح عاكسة للحرارة، وإعادة تصميم المساحات الحضرية. وذلك من دون خجل من الإقرار بأن تكييف الهواء مناسب في المستشفيات ودور رعاية المسنين وغيرها من الأماكن التي تؤوي الفئات الأضعف. ثم يصبّ خطاب اليسار في مسار مشابه: إذا قامت كل أسرة بتركيب أجهزة تكييف الهواء، فستستهلك المدن مزيداً من الطاقة، وقد تزداد درجات الحرارة الخارجية ارتفاعاً لأن وحدات التكييف تطرد الحرارة من الداخل إلى الخارج. ينبغي الاستثمار في تأهيل المباني وتحسين البنية التحتية العامة.
إلا أن المنتقدين يتلمسون هنا طوباوية مستفزة، فحين تتجاوز درجات الحرارة الـ40 درجة مئوية، يحتاج الناس حلولاً فورية!
بدورها، تسعى حكومة الرئيس ماكرون، كالعادة، إلى تبني موقف وسطي: الإقرار بضرورة التكيف مع التغير المناخي، لكن مع تشجيع تجديد المباني واعتماد التبريد السلبي بموازاة تجنب التكييف المنزلي واسع النطاق كاستراتيجية أساسية. لذا، قررت الحكومة تقديم نحو 30 ألف وحدة تكييف هواء لنشرها في الأماكن العامة الأكثر احتياجاً، خصوصاً القطاع الصحي والرعائي، وذلك كجزء من الاستجابة الطارئة بعدما تعرضت المستشفيات لضغط شديد ونُشرت أولى أرقام الوفيات الزائدة.
مع ذلك، مِن التبسيط بمكان القول إن اليمين يؤيد التكييف واليسار يعارضه. فالاحتكاك السياسي الحالي لا يناقِش في وجود تكييف الهواء من عدمه، بل يتشظى عند مفترق جعله حلاً منزلياً واسع الانتشار، أم إبقائه أداة واحدة ضمن استراتيجية أوسع للتكيف مع المناخ.
لكن الانتخابات الرئاسية الفرنسية على بُعد شهور، والحملات بدأت، والمجتمع يتنفّس الحياة السياسية ملء رئتَيه…فيما المراقب المشرقي يتابع ويَغار من سجال سياسي وأهلي محوره المناخ والتكييف وعافية المواطنين والمقيمين، من دون أن تُداخلَه مليشيات مسلّحة مع “أهاليها”، ولا حروب بالواسطة القسرية…أما “طوائفه” فتياراتٌ شتى، لكلٍّ فلفستها الوطنية، وأحزابٌ تحت سقف الدستور ومؤسساته، تخطب ودّ ناخبيها المحتملين بنقاش سبُلٍ أفضل للعَيش.