
فيما إيران مشغولة بترتيبات جنازة مرشدها الراحل، علي خامنئي، في محاولة لإظهار تماسك نخبتها الحاكمة، وصلابة قدراتها التنظيمية والتعبوية، تسجّل واشنطن خرقاً جديداً في ساحتها الخلفية، بالعراق. إذ توافق حكومته على اتفاق أولي مع تحالف يضم شركتين أميركيتين، لدراسة مسارات تمرير النفط العراقي، بعيداً عن مضيق هرمز، الخاضع للنفوذ الإيراني.
وفي هذا الاتفاق، يرد اسم شركة “يو سي سي” القطرية، كجزء من التحالف مع شركتَي “كابيتال تي آي”، و”شيفرون”. لتكتمل لوحة مبدئية، تشمل بلداً ثانياً، كان منذ أمد قريب، ساحة نفوذ إيرانية، هو سوريا. لوحة يرسم خطوطها بعناية وتصميم ملحوظ، المبعوث الأميركي الخاص لسوريا والعراق، وسفير واشنطن في تركيا أيضاً، توم باراك.
أحد بنود الاتفاق، دراسة مسار تصدير النفط العراقي عبر ميناء بانياس السوري. ومقارنة جدواه الفنية والمالية، بمسارات أخرى. وهو ثمرة ضغوط أميركية مُلحة. ففي منتصف الشهر الفائت، عقد توم باراك لقاء مع رئيس الوزراء العراقي، علي فالح الزيدي، لبحث مشروع إعادة تأهيل خط أنابيب النفط كركوك- بانياس. وشمل الاجتماع نقاشاً حول المضي قدماً في تنفيذ مذكرة التفاهم الموقّعة مع شركة “كابيتال تي آي”، لإعادة تأهيل الخط. والذي سينقل، حال إنجازه، نفط البصرة عبر الأراضي السورية وصولاً إلى ميناء بانياس الواقع على المتوسط، بطاقة 2.5 مليون برميل يومياً، وبطول 700 كيلومتر. وسيتيح مسارين أخريين للتصدير، عبر تركيا والأردن.
لا تعمل الضغوط الأميركية خلافاً للمصالح العراقية، بل على العكس. إذ تسببت صدمة إغلاق مضيق هرمز قبل أربعة أشهر، بصدمة مضاعفة في العراق. فالمضيق كان متنفسه لتصدير 90% من نفطه. مما قلّص صادراته خلال الأسابيع الأولى للصدمة، إلى نحو الربع، وتسبب بخسارة وصلت إلى ربع مليار دولار، يومياً. قبل أن تستوعب الحكومة العراقية الصدمة وتبدأ في إيجاد حلول أولية لها. ففعّلت خيار التصدير براً بالصهاريج، عبر سوريا وتركيا والأردن. وزادت من صادراتها بالأنابيب عبر تركيا.
في تلك الفترة، الممتدة بين آذار وحزيران 2026، اختبر العراق مكسباً لوجستياً هاماً للأراضي السورية، تجاوز قضية البحث عن مخرج مؤقت لأزمة هرمز، ليتحول إلى مشروع استراتيجي، كانت بذوره قد نُثرت بالفعل، منذ خريف العام الفائت، حينما تلقى العراق أول حركة نقل “ترانزيت” لشحنة مواشي حية، من خلال نظام النقل الدولي للبضائع “TIR“. عبرت الشحنة الأراضي السورية، وصولاً إلى الأراضي العراقية. واتجهت إلى الكويت وقطر. وكانت تجربة لتفعيل قيمة أراضي سوريا والعراق لوجستياً. لكن هذا التفعيل لم يتكثّف إلا مع أزمة إغلاق هرمز، التي اضطرت العراق لتجاوز القيود الإيرانية المفروضة عليه سابقاً، فطوّر العلاقة التجارية – اللوجستية مع سوريا بصورة متسارعة. وتحولت الموانئ السورية إلى متنفس متزايد القيمة، لاستيراد ما يحتاجه العراق، وتصدير نفطه إلى أوروبا.
في هذه اللوحة، وفي الشق المتعلق بخلق سلاسل توريد جديدة للنفط، يتبدى تكرار ملحوظ لشراكة قطرية- أميركية، للفرنسيين نصيب منها. فـ”يو سي سي” القطرية، شريكة لـ”شيفرون” الأميركية. وتوتال إنرجيز الفرنسية شريكة لقطر للطاقة، وكونوكو فيليبس الأميركية. هذه الشراكات تخص مشاريع للتنقيب عن النفط والغاز في المياه الإقليمية السورية، أُعلن عنها في أيار الفائت. وهي تعبير عن الدرس الذي تعلمته شركات الطاقة الدولية، ودول الغرب المتلقية لها، من تجربة إغلاق هرمز. هذا الدرس، لخصه الرئيس التنفيذي لتوتال إنرجيز، في مؤتمر للطاقة بباريس قبل أسبوعين، بالقول إن على شركته إعطاء الأولوية لمد خطوط أنابيب قادرة على تصدير النفط والغاز من الشرق الأوسط من دون الحاجة إلى مرور السفن عبر هرمز. جاءت هذه التصريحات بالتزامن مع الإعلان عن الهدنة بين إيران وأميركا. مما يشير إلى أن فتح المضيق لن يلغي أثر هذا الدرس على مستوردي الطاقة، خصوصاً في الاتحاد الأوروبي.
لا يمكن أن نتوقع ترحيباً في إيران بهذه اللوحة المتشكلة من نفوذ أميركي وتعاون أوروبي، لتغيير خريطة سلاسل التوريد والإمداد للطاقة والبضائع في الشرق الأوسط، عبر سوريا والعراق. لكن إيران المثقلة بدمار الحرب، وبوطأة الأثمان الاقتصادية التي دفعتها، لا تملك الكثير من الخيارات. ورغم مشهدية الحضور الرسمي لشخصيات تمثل محورها المتهالك، في سياق إلقاء النظرة الأخيرة على نعش خامنئي الأب، يبقى غياب الابن، أكبر مؤشر على محدودية اليقين في قدرة النظام الإيراني على استعادة نفوذه الإقليمي السابق. فسوريا التي انسلخت عن هذا النفوذ قبل أكثر من سنة ونصف سنة، تسارع الخطى للتقارب مع العراق، الذي تتلمس طهران مخاطر انسلاله من بين يديها هو الآخر. فما هي خياراتها؟
يبدو سيناريو تخريب هذه اللوحة، أشبه بالاتجاه نحو الانتحار لإيران. فهو لا يهدد بانهيار الهدنة الهشة مع أميركا، والعودة لحالة الحصار البحري التي أوصلت الاقتصاد الإيراني إلى مراحل متقدمة من الاستنزاف، فحسب، بل يضعف نفوذ حلفاء طهران في العراق، نظراً للضرر البليغ الذي سيلحقه هذا السيناريو بالاقتصاد العراقي. أما أفضل السيناريوهات المتاحة لطهران، فهو العمل على التكيّف مع هذه اللوحة، وصولاً إلى الانسجام معها. فانفتاح الطريق بين بغداد- دمشق، لوجستياً، قد يكون مقدمة لمستقبل أبعد، يتيح امتداد هذا الطريق وصولاً إلى طهران ذاتها. ليتحقق حلم إيران القديم، بالوصول إلى شواطئ المتوسط عبر سوريا. لكن لا بمنطق الهيمنة، بل بمنطق الشراكة والمصالح المتبادلة.