قبل أسبوع تحدّثت وكالات الأنباء عن اجتماعٍ إيرانيّ ـ عربيّ بمدينة صلالة العُمانيّة. لكنّ الاجتماع لم يتمّ، ومن بين المدعوّين صرَّح البحرينيّون والكويتيّون أنّهم لا يريدون حضور الاجتماع الذي اعتبروه محاولةً لفرض شروطٍ عليهم للمرور بمضيق هرمز من جهة، وللتوقّف عن الإغارة عليهم وعلى أعيانهم المدنيّة.
في كلّ أسبوع على وجه التقريب يصدر تصريح إيرانيّ أو أكثر عن أنّ الإيرانيّين يريدون تحسين العلاقات مع دول الخليج. لكن قبل التصريح وبعده تتوالى الضربات في البرّ وعلى السفن في البحر.
العرب في مرمى التّصعيد الإيرانيّ
في الأيّام الأخيرة تركّزت الهجمات على اليمن وعلى المملكة العربيّة السعوديّة. في اليمن تقدّم الحوثيّون فاحتلّوا ميناء المخا وحاصروا باب المندب وأشعلوا جبهاتٍ أخرى. أما المملكة فقد شنّ الحوثيّون (والإيرانيّون من ورائهم) هجمات على مكّة والرياض وعلى المرافق البتروليّة. في هجماتهم باليمن يشتدّ فخارهم، وأمّا في السعوديّة فإنّهم ينكرون ويتنكّرون. في حين لا تكتم المملكة أخبار الهجمات ولا آثارها.
هكذا نجد أنّ الإيرانيّين فتحوا في الأيّام الأخيرة ثلاث جبهات ضدّ اليمن وضدّ المملكة وضدّ الأردن، وحالوا دون نزع سلاح ميليشياتهم بالعراق ولبنان. وفي الوقت نفسه أوقفوا هجماتهم على إسرائيل، وزعموا أنّهم يتعرّضون للسفن وحاملات الطائرات الأميركيّة، لكنّ الأميركيّين ينكرون ذلك.
هكذا يبقى أنّ الإيرانيّين لا يردّون على الأميركيّين والإسرائيليّين الذين يشنّون الحرب عليهم من سنوات ويحاصرونهم حصاراً قاسياً جدّاً الآن. وفي الوقت نفسه يصعّدون هجماتهم على العرب في كلّ مكان مع أنّ العرب ما هاجموهم بل وعارضوا دائماً الحرب عليهم وكانوا يفضّلون دائماً حلّ المشكلات بالتفاوض.
ماذا يعني هذا كلّه؟ وهل صار العرب هم أعداء إيران، بينما مع أميركا المهاجِمة يلجأون إلى التفاوض؟!
حين انفصلت حرب إيران عن العرب
لقد ظللنا من العام 2024 وما بعده نحسب أنّ التهديدات الإيرانيّة ضدّ العرب إنّما هي لدفع العرب لمطالبة أميركا بعدم تجديد الحرب على إيران باعتبار ذلك مضرّاً للجميع. أمّا في الواقع فإنّه حدث انفكاكٌ واضحٌ بين الحرب الأميركيّة – الإيرانيّة، والهجمات الإيرانيّة على الدول العربيّة.
الولايات المتّحدة لا تتأثّر حروبها ولا هُدَنُها بالوضع بين إيران ودول الخليج، ودول الخليج بدورها حاولت التفاوض مع إيران لإيقاف هجماتها إنّما دونما فائدة. وفي حين تستنكر دول الخليج دائماً الهجمات على إحداها، ما عرفنا من قبل أنّ موعداً انعقد للتفاوض بشكلٍ جماعيّ حتّى كان الموعد المقرّر بصلالة والذي رفضت حضوره الدول المدعوّة لعدم الفائدة والتعالي غير المقبول.
الأقرب لإيران بين دول الخليج كانت عُمان. ومع ذلك تلقَّت ضربات من إيران، ثمّ انشغلت الأخبار طوال أسابيع بالتفاوض بين إيران وعُمان على ترتيبات الشراكة في المضيق. وفي حين لم تعلن عُمان شيئاً، أعلنت إيران أربع مرّات عن اقتراب الاتّفاق على شروط الشراكة وتقاسُم المرور بالمضيق، من دون أن يتحقّق شيء من ذلك ربّما لأنّ عُمان شاورت الدول الخليجيّة الأخرى أو الولايات المتّحدة الذين ما وجدوا الشروط ملائمة.
حين يتحوّل الجوار الإيرانيّ إلى عبء
المشكلة مع إيران كبيرةٌ وخطيرة. ومن المراقبين من يجد أنّه لا نهاية للمشكلة إلّا بعد الاتّفاق الأميركيّ- الإيرانيّ. أمّا المتفائلون ومنهم قطر وعُمان وباكستان وتركيا (وربّما الصين وروسيا) فيجدون أنّ من الممكن التفاوض مع إيران بشأن العلاقات، وبخاصّةٍ أنّ إيران لا تستفيد شيئاً من تخريب العراق واليمن ولبنان، كما أنّ هناك إيرانيّين يعملون في الخليج أو يستثمرون ويزيدون على مليون.
ما تأثّر الاستقرار في دول الخليج ولا في الأردن. لكنّه تأثّر باليمن والعراق ولبنان. أمّا الإمدادات البتروليّة والغازيّة وخطط النموّ وحركة التجارة والسياحة فتأثّرت كثيراً أو قليلاً، لكنّ الوضع في كلّ الأحوال غير مَرْضيّ، ومن ذا الذي يقبل أن يتعرّض مواطنوه في حياتهم وأرزاقهم للتهديد لأنّهم بالمصادفة جيران للجمهوريّة “الإسلاميّة” الإيرانيّة.
جوارُ الجغرافيا والتاريخ مع إيران ومع تركيا كان في كثيرٍ من الأحيان ميزةً، لكنّه صار في العقود الأخيرة عبئاً لا يهدّد الأمن والاستقرار فقط، بل تحوطه هموم الغلَبة والتقسيم والتخريب أيضاً.
