أعلن رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، الثلاثاء 30 حزيران/ يونيو الماضي، أنه سيتم بمشاركة الوسيطَين القطري والباكستاني، تشكيل لجنة مشتركة تضم إيران والولايات المتحدة ولبنان لمراقبة تنفيذ إنهاء الحرب في لبنان.
وسرى أن إيران تتجه الى إسناد مهمات جديدة الى السفير الايراني محمد رضا شيباني الذي رفض لبنان اعتماده سفيراً لـ طهران في لبنان، وأصدر قراراً باعتباره شخصاً غير مرغوب فيه ولم يُقدّم أوراق اعتماده الى رئيس الجمهورية، ولكنه بقي في السفارة متحصناً بدعم الثنائي الشيعي ومتحدياً قرار الدولة اللبنانية على قاعدة أن يكون ممثلاً لبلاده في اللجنة المذكورة.
في 21 أيار/ مايو الماضي، استهدفت العقوبات التي فرضتها وزارة الخزانة الأميركية، عبر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية، تسعة أشخاص في لبنان بتهمة عرقلة عملية السلام وإعاقة جهود نزع سلاح “حزب الله”، بينهم نواب ومسؤولون أمنيون وعسكريون متهمون بالحفاظ على نفوذ الحزب داخل مؤسسات الدولة اللبنانية. ومن بين هؤلاء السفير الإيراني المعيّن في لبنان محمد رضا شيباني، إلى جانب مسؤولين أمنيين في حركة “أمل” التي يتزعمها رئيس مجلس النواب نبيه بري.
لم تحصل متابعة لهذا الموضوع ولم يحصل أي تعليق. وقد رأي البعض في ذلك بالون اختبار من إيران، فيما أنه لو صح هذا المسعى فإنه في منتهى العجرفة وإهانة الدولة اللبنانية غير أنه يثير تحدياً وإشكاليات داخلية كبيرة كونه يشي بتعامل إيران مع لبنان كأنه مستعمرة لديه.
وبمقدار ما يشكل الأمر تحدياً للدولة المضيفة التي هي لبنان، فإنه يشكل استهتاراً مزدوجاً على مستويين: الأول للدولة المعتمد لديها the receiving state أي لبنان من دولة الاعتماد (إيران) the sending state. والمستوى الثاني يشكل تحدياً للقانون الدولي في ذاته وخصوصاً المادة 9 من اتفاق فيينا للعلاقات الديبلوماسية لعام 1961.
يشرح السفير السابق غابي صوفان الذي شغل مناصب ديبلوماسية عدة هاتين النقطتين، أنه على صعيد “الدولة المعتمد لديها” السفير أو الدولة المضيفة، يتصرف رئيس البرلمان الايراني كأن الدولة المعتمد لديها أي لبنان غير موجودة، أي هناك إنكار متعمد لصفتها كشخصية معنوية تتمتع بالاعتراف الدولي وعضو مؤسس للامم المتحدة وفاعلة فيها بدور عريق قبل إيران. إذ يتجاهل قرار الحكومة اللبنانية اعتبار السفير المعيّن، الموفد من ايران، “غير مرغوب فيه أو غير مقبول” وفقاً للمادة 9 من اتفاق فيينا للعلاقات الديبلوماسية المشار إليه والتي تمنح الدولة المضيفة حق استعمال هذه الصلاحية “في جميع الاوقات ومن دون بيان أسباب قرارها”، على رغم إعلان القرار اللبناني عن المآخذ على السفير. والمقصود بتلك الاسباب التي لم ترد في المادة 9 تكون عادة إساءة التصرف وتجاوز أطر العمل الديبلوماسي والتدخل في شؤون الدولة المعتمد لديها سفير دولة الاعتماد، وأسباب أخرى تتعلق بالامن القومي للدولة المضيفة.
وتالياً فإنه في حال صح هذا المسعى الايراني بتكليف السفير غير المرغوب فيه مهمات جديدة، فإن ذلك يترجم التغافل عن عمد لمقتضيات القانون الدولي في هذه المسألة بالذات. فإعلان الديبلوماسي غير مرغوب فيه persona non grata لدى الدولة المضيفة يعني أنه فقد ثقتها والرضى أو الموافقة (consent ) لإبقائه في هذه الصفة لديها. وهو ما يرتب على دولة الاعتماد، أي ايران، موجبات تغافلت عن تنفيذها حتى الساعة، أهمها وفقاً للمادة 9 “استدعاء الشخص المعني أو إنهاء خدمته في البعثة”.
واستكمالاً لذلك ، هناك نقطة لا تقل أهمية تمسّ القانون الدولي بالذات. فالمسؤول الايراني يكون بذلك يتجاهل حقيقة ثابتة في القانون الدولي. فالاعلان عن ديبلوماسي غير مرغوب فيه هو حق سيادي بقدر ما هو حق غير قابل للمساومة في الفقه الدولي. فالمقصود من خلال قاعدة “شخص غير مرغوب فيه” هو وضع ضوابط للحصانات الواسعة التي يتمتع بها الديبلوماسي، وبالتالي فإن طرح هذه القاعدة للجدل والمساومة يعني فقدان فعّاليتها وترك الباب مشرّعاً أمام رؤساء البعثات الديبلوماسية وديبلوماسييها لإغراءات التجاوزات والتصرف من دون حدود في الدولة المضيفة”، يختم السفير صوفان.
وبالتالي، تبرز تساؤلات تلقائية متعددة لعل أهمها:
– هل أنّ إيران التي دفعت بلبنان الى حرب دمرت جنوبه ومناطق أخرى مقتنعة حقاً بقدرة سفيرها المعيّن من دون تقديم أوراق اعتماده، على أداء مهماته الأصلية أو الطارئة بعد فقدانه ثقة الدولة اللبنانية؟
– في المقابل ، هل تذعن الدولة اللبنانية، المتمسكة بسيادتها والتي تواجه في هذا الصدد امتحانات عدة، للضغوط وتعيد منح الثقة الى سفير معيّن بعد أن أساء التصرف ونزعت عنه صفة القبول والاعتماد لديها؟ فإذا فعلت ذلك، فإنها تطيح صدقيتها والآمال في قيامها بغض النظر عما إذا كانت الولايات المتحدة تقبل أصلاً عضوية سفير أدرجته على لائحة عقوباتها .
