ملخص
شهدت الأسابيع الأخيرة تسارعاً في عمليات الحشد العسكري وارتفاع وتيرة التحديات ونبرة التهديدات المتبادلة
الجهود التي يبذلها الوسطاء الدوليون والإقليميون لدفع المفاوضات والحوارات بين واشنطن وطهران، لا توحي بأن خرقاً قريباً قد يحدث في حال المراوحة التي تعيشها المنطقة جراء ارتفاع منسوب التصعيد والتوتر بين طرفي الأزمة، إذ شهدت الأسابيع الأخيرة تسارعاً في عمليات الحشد العسكري وارتفاع وتيرة التحديات ونبرة التهديدات المتبادلة.
ففي مقابل التصريحات التي تصدر عن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى جانب التسريبات التي تنقلها وسائل إعلام أميركية عن تحضيرات جدية لتوجيه ضربة عسكرية لإيران، وترك التوقيت مفتوحاً على احتمال حصولها قبل الانتخابات النصفية أو ما بعد هذه الانتخابات، فإن طهران أيضاً تعلن باستمرار استعداداتها لمواجهة أي “مغامرة” أميركية، وأنها قد تلجأ إلى تغيير قواعد الاشتباك وتوسيع دائرة ردها، إن لم تلجأ إلى ضربة استباقية لإفشال الاستعدادات الأميركية والإسرائيلية معاً، وتفرض موازين جديدة في الإقليم.
الواضح أن الاستعدادات الإيرانية لمواجهة مباشرة جديدة، وارتفاع وتيرة التهديد التي تستخدمها، لا تتأثر فقط وحصراً بالتوقيت والساعة الانتخابية الأميركية مع أهمية هذا التوقيت في ظل ما تتعرض له إدارة البيت الأبيض من ضغوط داخلية واقتصادية نتيجة تراجع إمدادات النفط وارتفاع أسعارها في أميركا والعالم.
حال من الانقسام بين القيادات الإيرانية حول ترتيب أهمية مصادر الخطر والتهديد تبدو واضحة. بين فريق من هذه القيادات يرى أن الانتخابات النصفية في أميركا تشكل المفصل الأساس الذي يرسم مسار التطورات، وفريق آخر منهم يرى أن المتغير المؤثر والمصيري ليس في واشنطن بل في تل أبيب، وبخاصة أن الانتخابات الإسرائيلية تسبق الانتخابات الأميركية بنحو أسبوع، وأن انتخابات الكنيست الإسرائيلي ليست مجرد تنافس وصراع سياسي تقليدي بين بنيامين نتنياهو وخصومه، بل محطة قد تحدد مصيره ومستقبله السياسي، وأن ارتفاع منسوب الخطر بالخسارة أو الهزيمة في معسكر نتنياهو قد يدفعه إلى فرض معادلة أمنية وسياسية جديدة، وأن يلجأ إلى خيار الحرب ليس على أنها معركة حسم نهائي، بل كوسيلة لفرض معادلة سياسية مختلفة، سواء قبل موعد الانتخابات وما تؤدي له من إمكانية تأجيلها، أو بعدها كمحاولة لفرض تحالفات تعيده إلى موقع القرار.
القراءة الإيرانية التي ترى أن الحرب المقبلة قد تكون بناءً على ساعة تل أبيب والتوقيت الذي يريده نتنياهو، تنسجم مع ما جاء في أخبار نشرتها بعض وسائل إعلام أميركية عن نقاشات بين ترمب ونتنياهو حول إمكانية إعطاء تل أبيب ضوءاً أخضر للقيام بضربة استباقية لإيران من دون مشاركة واشنطن، تعيد خلط الأوراق، وقد تجبر طهران على التخلي عن سياستها الرافضة لأي تسوية من خارج البنود السبعة التي قدمتها لإدارة البيت الأبيض، وتبقي ترمب بعيداً من تداعيات أي معركة أو جولة جديدة تشنها القوات الأميركية، وهو خيار حذر منه رئيس الأركان الإسرائيلي إيان زامير مرجحاً أن يؤدي استئناف القتال قبل الانتخابات إلى تأجيلها، إضافة إلى أن المسؤولين الأمنيين في تل أبيب لا يرون تغييراً في التقدير الاستخباراتي يبرر عملية خلال أسبوعين إلى ثلاثة، في حين أن طهران لا تزال تنتظر منه رداً متكاملاً على كل ما جاء في البنود السبعة. وأشار أمين المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي إلى أن طهران تلقت ردوداً ناقصة، وهي بانتظار الرد على ما تبقى من بنود.
في خضم هذا الجدل، وفي ظل استمرار جهود الوسطاء المتزامنة والمترافقة مع المواقف التصعيدية للرئيس ترمب والتحشيدات العسكرية في الإقليم، والتي توحي بأن المسار التصعيدي متقدم على المسار الدبلوماسي، جاء الحوار المطول الذي جرى بين الرئيس الأميركي ترمب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، والذي استمر لنحو 90 دقيقة، بحسب ما كشفه مساعد الرئيس يوري أوشاكوف، ليفتح باب الجدل داخل الأوساط السياسية الدولية والإقليمية وصولاً إلى الداخل الإيراني، عن دور روسي محتمل وأبعاده وفرصه في النجاح.
الاتصال الهاتفي الذي أجراه بوتين بترمب والذي نقل فيه الرئيس الروسي انفتاح طهران على العودة إلى التفاوض، جاء بعد لقاء جمعه مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان على هامش قمة رابطة الدول المستقلة، التي عقدت في العاصمة التركمانستانية عشق أباد في الثامن من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، والتي أبدى فيها بوتين استعداد موسكو للمساعدة في إنهاء الحرب بالشرق الأوسط، أي الدخول على خط الوساطة بين طهران وواشنطن، ولعب دور مساعد في تقريب وجهات النظر وتفكيك العقد التي تعوق أو تمنع الطرفين من التوصل إلى اتفاق قابل للحياة بينهما.
وعلى رغم محاولة طهران التعامل مع المواقف السياسية الروسية بكثير من الواقعية والبراغماتية، وأن الدول تتحرك بناء وانطلاقاً من مصالحها، فإن هذه الواقعية لم تمنع بعض الجهات في إيران من التوقف بكثير من الحذر أمام الخطوة الروسية التي تزامنت مع قرار واشنطن إعفاء الديزل الروسي الموقت من العقوبات وتصديره إلى الأسواق الأميركية والدولية بعد الاتفاق الذي جرى بين الرئيسين بوتين وترمب، وأيضاً بعد حديث بوتين عن استعداد بلاده لاستقبال مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بدرجة 60 في المئة على أراضيها، كون هذا المخزون بات يشكل العقدة المحورية التي تعرقل العودة إلى طاولة التفاوض بعدما وضعه ترمب كشرط أول ومدخل أساس لقبول العودة إلى التفاوض حول البنود السبعة لطهران.
يبدو أن طهران على قناعة بإمكانية التخلي عن هذا المخزون ضمن السياقات التي سبق أن طرحتها على واشنطن والوكالة الدولية للطاقة الذرية، وأن هذا المخزون بدرجات تخصيب مرتفع لا يعدو كونه ورقة تفاوضية اعتمدتها منذ البداية بهدف امتلاك ورقة ضغط للحصول على مكاسب أخرى، وهي على استعداد للقيام بتخفيفه وخفض تخصيبه على أراضيها، وفق ما أشار بزشكيان في اللقاءات الصحافية التي أجراها مع وسائل إعلام أميركية على هامش مشاركته في أعمال الجمعية العمومية للأمم المتحدة.
إلا أن الطرح الروسي ونقل هذا المخزون إلى موسكو، يطرح كثيراً من الأسئلة على المفاوضين والمعنيين في إيران في حال انتهت الأمور إلى القبول بهذا العرض الروسي، عن جدوى الاستمرار في الحرب والتصعيد إذا ما كانت الأمور ستنتهي إلى هذا الحل، ولماذا تحملت إيران والإيرانيون كل هذا الكم من الخسائر والحصار والأضرار إذا لم يكن النظام قادراً على الدفاع عن نفسه والحفاظ على ثرواته القومية والعلمية؟
الاتفاق بين ترمب وبوتين جاء في وقت لا يزال المسار الدبلوماسي بين واشنطن وطهران عالقاً ما بين مصير اليورانيوم وشروط إنهاء الحرب وإنهاء الحصار البحري وفتح مضيق هرمز. وأن كل جهود تدوير الزوايا بين الطرفين لم تصل إلى نتيجة واضحة، خصوصاً بعد موقف طهران الذي رأى أن الرد الأميركي على شروطها “غير كاف”. بالتالي فإن أي تغيير في العلاقات بين واشنطن والقوى الدولية القريبة من إيران، أي روسيا والصين، قد يؤثر في حسابات طهران السياسية ويعيد الأمور إلى دائرة انتظار الخيارات الأميركية التي تتأرجح بين الاستمرار في الضغط التفاوضي والاقتصادي وبين العودة إلى خيار عملية عسكرية سريعة وقاسية، وهو خيار محكوم بالشروط التي تفرضها ضرورات صناديق الاقتراع سواء كانت في تل أبيب أو في واشنطن.
