ملخص
تواجه واشنطن واقعاً لا يمكن تجاهله: فك الارتباط بالصين لن يحدث سريعاً، فيما تظل سلاسل إمداد حيوية تعتمد عليها. ويقترح الكاتب استغلال الترابط الاقتصادي لكسب الوقت عبر استيراد وتخزين السلع الاستراتيجية، وجذب الاستثمارات الصينية، مع تنويع مصادر الإمداد وتعزيز التعاون مع الحلفاء. فالهدف ليس الاستسلام لبكين، بل استخدام الدبلوماسية الاقتصادية لبناء قدرة أميركية أكبر على الصمود.
عشية القمة مع الزعيم الصيني شي جينبينغ في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أبدت إدارة ترمب ثقة كبيرة في نفسها، مؤكدة أنها تمتلك أوراق ضغط على الصين باعتبار أن الولايات المتحدة هي الطرف الذي يسجل عجزاً تجارياً في العلاقة الثنائية. وكما قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت: “ما الذي سنخسره إذا رفعت الصين الرسوم الجمركية علينا؟ فنحن نصدر إليها خمس ما تصدره إلينا، بالتالي فإن رفع الرسوم سيكون ورقة خاسرة بالنسبة إليها”.
لكن سرعان ما ثبت أن هذا التصور لم يكن أكثر من وهم. وكما جادلت في مقال نشرته مجلة “فورين أفيرز”، فإن من السهل خسارة الحروب التجارية عندما تعتمد الدول على مورد خارجي للحصول على مدخلات يصعب الاستغناء عنها، فيما تواصل النظر إلى التجارة باعتبارها لعبة محصلتها صفر.
وفي الواقع، تمتلك الصين اليد العليا في التصعيد مع الولايات المتحدة، وهذا يعني أنه عند أي مستوى من مستويات التهديد، تستطيع الحكومة الصينية إلحاق ضرر بالولايات المتحدة يفوق الضرر الذي يمكن أن تلحقه واشنطن بها. فعلى سبيل المثال، لتخفيف قيود بكين على العناصر الأرضية النادرة، التي تسيطر الصين على 80 إلى 90 في المئة من إنتاجها، اضطرت الولايات المتحدة، خلال جولات تفاوضية متعددة، إلى تقديم تنازلات في ما يتعلق بالرسوم الجمركية، وضوابط التكنولوجيا، وسياسات التأشيرات.
لكن عجز واشنطن عن فك ارتباطها الاقتصادي بالصين على الفور، ناهيك بانتزاع تنازلات منها، من خلال التلويح بالرسوم الجمركية، لا يعني التخلي عن الدبلوماسية الاقتصادية. فعلى مدى قرون، اتبعت القوى الأضعف اقتصادياً نهج التفاوض والمساومة في إدارة علاقاتها مع خصومها الأقوى، حين كان هؤلاء يتفوقون عليها من حيث القدرة على التصعيد، وكانت تحرص على تفادي أي مواجهة مباشرة معهم. وفي الواقع، حتى وقت قريب، كانت هذه هي الطريقة التي تنظر بها الصين، ومعها جميع الدول الأخرى تقريباً، إلى علاقاتها الاقتصادية مع الولايات المتحدة، وهو ما كان يثير أحياناً استياء المسؤولين الأميركيين.
فالعلاقات الاقتصادية لا تقوم على خيارين لا ثالث لهما، فهي تسمح بمزيج من المقاومة والتعاون، حتى لو كان أحد الطرفين سيخسر بوضوح إذا تحولت الخلافات إلى مواجهة مباشرة. وعلى رغم التنافس الاستراتيجي وغياب الثقة بدرجة كبيرة بين البلدين، ليس من الضروري أن تدار العلاقة الاقتصادية الأميركية الصينية باعتبارها لعبة محصلتها صفر. فمنافع التجارة وتنويع مصادر الإمداد تظل كبيرة لاقتصادي البلدين، إضافة إلى أن تفوق الصين في القدرة على التصعيد لن يحمي اقتصادها من الأضرار والخسائر إذا اضطرت إلى الدخول في صراع تصعيدي مع واشنطن قائم على الرد بالمثل. والواقع أن بكين، التي تشعر بالارتياح إزاء الوضع القائم، ليست لديها مصلحة كبيرة في مثل هذا التصعيد.
وفي القمة المرتقبة بين الرئيس الصيني شي جينبينغ والرئيس الأميركي دونالد ترمب، يتعين على الحكومة الأميركية تبني نهج مختلف في إدارة العلاقات الاقتصادية، وذلك من خلال السعي إلى زيادة وارداتها من السلع الاستراتيجية الحيوية وتشجيع تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة القادمة من الصين. وبالطبع، ينبغي ألا يمثل هذا الإجراء سوى جزء واحد من استراتيجية اقتصادية أوسع نطاقاً، فالتعاون مع الحلفاء سيكون ضرورياً لدفع الصين نحو تغيير سلوكها التجاري بصورة مستدامة وتنويع مصادر الإمداد على المدى الطويل، وأن تحقيق النجاح الاستراتيجي على المدى البعيد سيتطلب إجراء تقييم أكثر شمولاً ودقة لأهداف الرئيس شي جينبينغ الاستراتيجية ولمواطن الضعف التي تعانيها الصين. ومع ذلك، فإن هذا الاجتماع، وأي اجتماعات لاحقة، يمنح واشنطن فرصة قيمة لكسب الوقت اللازم من أجل معالجة حاجات البلاد الملحة.
بناء مخزونات استراتيجية
على رغم عقد كامل من التنديد بالخطر الذي تمثله الواردات والاستثمارات الصينية، فشلت الحكومة الأميركية، في عهد إدارتي ترمب وبايدن على السواء، في تحقيق فك ارتباط فعلي ومجد عن الصين، حتى في أكثر الصناعات حساسية. وكما أظهرت الخبيرتان الاقتصاديتان ماري لوفلي وكريستين وان، فإن انخفاض الواردات الأميركية المباشرة من الصين أدى ببساطة إلى جعل سلاسل التوريد أكثر تشتتاً وأقل شفافية. ولا تزال الصين مصدر العناصر الأرضية النادرة، والمغناطيسات المتخصصة، وأشباه الموصلات منخفضة الفئة المستخدمة في السيارات والأجهزة المنزلية، حتى وإن أصبحت مراحل الإنتاج الوسيطة تنفذ الآن في أماكن أخرى. ففي قطاع الأدوية الحيوي، على سبيل المثال، قد تستورد الولايات المتحدة كميات كبيرة من الأدوية المكافئة من الهند، لكن الهند نفسها تعتمد على الصين في المواد الأولية والمكونات اللازمة لإنتاجها.
وهذا الوضع هو بالضبط مما يجعل فك الارتباط الصناعي معركة شاقة إلى هذا الحد: فالأسس الاقتصادية القوية هي التي أفضت إلى نشوء هذه الترتيبات التجارية، والتراجع عنها عملية بطيئة ومكلفة. وفي الوقت الراهن، ينبغي أن تكون الأولوية الأهم لواشنطن هي بناء مخزونات قصيرة الأجل من السلع الاستراتيجية التي يأتي مصدرها في نهاية المطاف من الصين. وفي عالم مثالي، كانت الولايات المتحدة ستحصل عليها فوراً من أماكن أخرى، لكن إدارة ترمب، شأنها شأن إدارة بايدن قبلها، لم تحقق تقدماً يذكر على هذا الصعيد. فقد حاولت الإدارتان، لكنهما فشلتا في تحفيز إيجاد مصادر توريد بديلة سواء من خلال إتاحة وصول أوسع إلى السوق الأميركية أو من طريق تقديم تعويضات وحوافز أخرى. وفي أسوأ ما اتسم به نهجهما، وفي محاولة قصيرة النظر لخلق إنتاج أميركي بصورة تلقائية من خلال حرمان الشركات من البدائل الصينية، حاولتا إجبار الشركات الأميركية على الاستغناء عن المدخلات الصينية من طريق فرض الرسوم الجمركية والقيود.
وفي الوقت نفسه أهدرت المسؤولون الأميركيون قمماً ومفاوضات سابقة في محاولة لإقناع نظرائهم في بكين بزيادة واردات الصين من سلع أميركية مختلفة غير استراتيجية، وهي سلع لا توليها الصين أكبر قدر من الاهتمام. وقد يبرر مسؤولون حاليون وسابقون هذه الجهود باعتبارها مناورة غير مباشرة تهدف إلى جعل الصين أكثر اعتماداً على السلع الأميركية، ومن ثم منح واشنطن أوراق ضغط أكبر في المفاوضات المستقبلية، لكن صادرات الطائرات الأميركية وفول الصويا لا تخفف من مواطن الضعف الأمنية الآنية، ولا تحسن من أسس الاقتصاد الكلي الأميركي. بل على النقيض من ذلك، فإن هذا التركيز على تعزيز الصادرات، بقدر ما يتيح للصين تأليب الولايات المتحدة وحلفائها بعضهم على بعض، من خلال الحث مثلاً على إبرام اتفاقات ثنائية تقودها الحكومات لزيادة مبيعات طائرات بوينغ مقابل طائرات إيرباص أو العكس، يضعف قدرة واشنطن على تشكيل جبهة موحدة في مواجهة الإكراه الاقتصادي.
وفي القمة المرتقبة، ينبغي لإدارة ترمب أن تنتهج مساراً مختلفاً. ففي الاجتماع الذي جمع ترمب وشي جينبينغ في أكتوبر 2025، توصلت الولايات المتحدة وبكين إلى اتفاق يقضي بخفض الرسوم الجمركية موقتاً مقابل تخفيف جزئي للقيود على صادرات المواد الحيوية من الصين. وبذلك، تكون الإدارة، في جوهر الأمر، قد تخلت عن أي أهداف استراتيجية بمجرد انكشاف أن استعراضها للقوة وتهديداتها الجوفاء كنت تخفي وراءها ضعفاً. ومع اقتراب موعد انتهاء الاتفاقية في نوفمبر (تشرين الثاني)، قد تميل واشنطن إلى تجديد بنودها ببساطة.
لكن بدلاً من ذلك، ينبغي لإدارة ترمب أن تسعى إلى إبرام اتفاق أكثر طموحاً يتضمن صفقات شراء كبيرة ومتعددة السنوات للسلع الحيوية التي يتركز إنتاجها حالياً بدرجة كبيرة في الصين (أو التي تنتج مكوناتها الأساسية في الصين ضمن سلاسل إمداد تمتد إلى أماكن أخرى). ويمكن للولايات المتحدة استخدام الضمانات الحكومية، بل وحتى عمليات الشراء الحكومية، لإنشاء احتياطات استراتيجية إلى أن تظهر مصادر محلية بديلة أو مصادر موثوقة لدى الحلفاء. في المقابل ينبغي السماح للصين بزيادة وارداتها من بعض التقنيات التي تسعى إلى الحصول عليها ولا تزال الولايات المتحدة متقدمة فيها.
تهديد الصين المتكرر بقطع الإمدادات، حتى لو كان حقيقياً، إلا أن خطورته قد جرى تضخيمها
ومثل هذا الاتفاق قابل للتحقيق وأكثر استدامة مما قد يعتقده كثير من المعارضين. فحتى خلال الحرب الباردة، في سبعينيات وثمانينيات القرن الـ20، أبرم الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة سلسلة من اتفاقات الحبوب سمحت للسوفيات باستيراد القمح والذرة وفول الصويا الأميركي. وعلى رغم الإغراء المستمر باستغلال اعتماد السوفيات على هذه الواردات، مثلما فعل الرئيس جيمي كارتر حينما فرض حظراً على التجارة مع الاتحاد السوفياتي عام 1979 بعد غزوه لأفغانستان، فإن الرئيسين رونالد ريغان وجورج بوش الأب أعادا تجديد هذه الاتفاقات ووسعا نطاقها.
وبالطبع، يمكن للصين أن تتراجع عن مثل هذه الاتفاقات في أي وقت. فقد حددت بالفعل شروط صادراتها من العناصر الأرضية النادرة والمنتجات المرتبطة بها بطريقة تثبط إعادة بيعها وتخزينها، وذلك تحديداً للحفاظ على النفوذ الذي راكمته وبنته لنفسها. ومبيعات الصين من العناصر الأرضية النادرة تدر عليها عائداً نقدياً مباشراً محدوداً، لا يكفي وحده لحملها على التخلي عن ورقة الضغط التي توفرها لها تلك الصادرات.ومع ذلك، فإن تهديد الصين بقطع الإمدادات بصورة مستمرة، وإن كان حقيقياً، إلا أن خطورته قد جرى تضخيمها. فمن جانبها، تسعى الصين إلى زيادة صادراتها لتعويض ضعف الطلب المحلي المستمر وفائض الطاقة الإنتاجية الصناعية لديها. علاوة على ذلك، فإن الإفراط في استخدام حظر التصدير مكلف، ويستدعي ردود فعل انتقامية، ويشجع في نهاية المطاف على تطوير أنظمة بديلة معادية. وينبغي لواشنطن أن تدرك هذه الأخطار جيداً: إذ إن الإفراط الأميركي في استخدام العقوبات المالية خلال السنوات الخمس الماضية شجع على الابتعاد عن الدولار والاتجاه نحو أنظمة الدفع التي تقودها الصين. ومن المرجح أن يؤدي عرض أميركي يتضمن فوائد تجارية كافية للصين إلى تحفيزها على تخفيف قيودها والتصدير بحرية أكبر.
تاريخياً، حتى الخصوم الذين اقتربوا من شفير الحرب نجحوا في مواصلة التخزين والتجارة. فقبل الحرب العالمية الثانية، بذلت اليابان كل ما في وسعها لاستيراد الطاقة والمطاط وغيرها من الإمدادات الحيوية، وكانت تحصل على ما يصل إلى 40 في المئة من إمداداتها الحربية من الولايات المتحدة حتى عام 1941، عندما حظرت واشنطن التجارة مع طوكيو. وفي الوقت نفسه كانت ألمانيا والاتحاد السوفياتي يتبادلان التكنولوجيا ذات الاستخدام العسكري والمنتجات النفطية خلال غزو كل منهما لبولندا عام 1939، وظلت التجارة بين فرنسا وألمانيا مستقرة إلى حد كبير في العقد الذي سبق الحرب العالمية الأولى.
إن الحوافز نفسها التي حكمت سلوك الخصوم الاستراتيجيين طوال التاريخ الحديث تنطبق اليوم على الصين والولايات المتحدة. ولذلك ينبغي لإدارة ترمب ومنتقديها الأكثر تشدداً أن يدركوا أن إبداء درجة أكبر من المرونة في ضوابط التصدير الأميركية، إلى جانب فتح فرص استثمارية في الولايات المتحدة ضمن علاقة تجارية أوسع، أمر يستحق أن يجرب لما يوفره من فوائد تتمثل في ضمان وصول أكثر موثوقية إلى السلع الصينية التي تفتقر واشنطن حالياً إلى أي بديل لها. وهذا ببساطة هو اعتراف بالواقع، وليس استسلاماً أو إصراراً على استخدام وسيلة غير مجدية. والخطوة الذكية التي ينبغي للحكومة الأميركية اتخاذها هي أن تستورد من الصين وتكون أكبر مخزونات ممكنة، لأطول وقت ممكن. ولا يفترض أن يحول ذلك دون بناء مصادر توريد محلية أو موثوقة من الدول الحليفة، فإذا كان قطع الإمدادات الصينية لم ينجح في تحفيز بناء هذه البدائل، فمن غير المنطقي افتراض أن مواصلة الاستيراد هي التي ستمنع بناءها.
الاستثمار في النجاح
منذ العصور القديمة، انخرط الأعداء المحتملون بصورة من أشكال تبادل الرهائن، فكان كل طرف يرسل النبلاء أو أفراد العائلات الملكية للعيش في عاصمة الطرف الآخر، حيث يكونون عرضة للخطر. ولم يكن ذلك رادعاً مطلقاً للصراع، لكنه كان يشكل عاملاً مثبطاً للهجمات ويبطئ عمليات التصعيد المتسرعة والمتهورة، بل إن بعض الرهائن أثبتوا أنهم مبعوثون مفيدون، إذ عززوا التفاهم بين الجانبين من خلال الدبلوماسية العامة أو جمع المعلومات الاستخباراتية أو كليهما.
أما الشكل الاقتصادي الحديث لتبادل الرهائن فهو الاستثمار الأجنبي المباشر. فالشركات الرائدة تؤسس وجوداً لها في البلدان المنافسة، وتنقل التكنولوجيا والممارسات الإدارية عبر الحدود. وكما كان الحال مع نبلاء العصور القديمة، فإن هذا الوجود له قيمة رمزية، ذلك أن هذه الشركات غالباً ما تجمعها صلة وثيقة بالنخب في بلدانها الأصلية، وأن هذا النهج يعرض استثماراتها للخطر.
لكن تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر المتبادلة المعاصرة تولد أيضاً فوائد اقتصادية أكبر بكثير من تلك التي كان تبادل النبلاء الأفراد يحققها. في الواقع، ترتبط الاستثمارات الأجنبية المباشرة إحصائياً بخلق وظائف أجورها مرتفعة مقارنة بمتوسط الأجور المحلية، وزيادة الإنفاق المحلي على البحث والتطوير، والحد من تقلبات الإمدادات من خلال التنويع الجغرافي. وكان هذا النوع من التبادل عنصراً أساساً في صفقات اقتصادية متعاقبة أبرمتها الولايات المتحدة مع أوروبا واليابان وكوريا، في فترة شهدت تحسناً نسبياً في القدرة التنافسية الصناعية لهذه الأطراف مقارنة بالصناعة الأميركية، امتدت من ستينيات القرن الـ20 إلى أوائل العقد الأول من القرن الـ21. وقد أسهم الاستثمار الأجنبي المباشر في الحد من اللجوء إلى الرسوم الجمركية العقابية وضوابط التصدير، سواء من خلال تقليص الحاجة إلى هذه الإجراءات مباشرة، أو من طريق خلق جماعات سياسية لها مصلحة اقتصادية في التكامل.
ازداد في السنوات الأخيرة صافي الفوائد التي تعود على الولايات المتحدة من الاستثمار الأجنبي المباشر الصيني
وبالطبع، تختلف العلاقة الأميركية – الصينية اختلافاً كبيراً عن العلاقات التي تربط واشنطن بحلفائها العسكريين، وأن كثيراً من الشركات الأميركية التي ضخت استثمارات أجنبية مباشرة كبيرة في الصين في أوائل العقد الأول من القرن الـ21 شعرت بالإحباط بسبب القيود المفروضة على قدرتها على إعادة الأرباح إلى الوطن، أو زيادة حصتها السوقية، أو حماية ملكيتها الفكرية. ونتيجة لهذه الخيبات، إلى جانب المناخ الأمني الأكثر عدائية، انخفضت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الثنائية عبر الحدود بين الولايات المتحدة والصين بنسبة 90 في المئة عن مستوياتها القياسية السابقة المسجلة عام 2016.
ومع ذلك، لا تزال بنية الحوافز الأساسية، والفوائد الاقتصادية المحتملة، قائمة. بل إن صافي الفوائد التي تعود على الولايات المتحدة من الاستثمار الأجنبي المباشر الصيني قد ازداد في السنوات الأخيرة مع ازدياد براعة الصين التكنولوجية في قطاعات مثل البطاريات والمركبات الكهربائية. لذا، ينبغي لإدارة ترمب أن تركز جهودها على جذب الاستثمار الأجنبي المباشر الصيني. وتظل أفضل وسيلة أمام واشنطن لاستغلال جاذبية السوق الأميركية هي تحفيز الاستثمار الأجنبي داخل الولايات المتحدة، لا الضغط لزيادة الصادرات إليها. ولن يكون اتباع هذا النهج أمراً غير مسبوق. فقد نجحت إدارتا ريغان وبوش في استقطاب الاستثمار الأجنبي المباشر من اليابان وألمانيا في قطاعي السيارات والكيماويات في ثمانينيات القرن الـ20، واستخدمت الصين الاستثمار الأجنبي المباشر من جميع أنحاء العالم لبناء صناعاتها المحلية خلال العقدين الأولين من هذا القرن. وحديثاً، بدأ الاتحاد الأوروبي في استخدام الاستثمار الأجنبي المباشر الصيني لتعزيز قطاع المركبات الكهربائية المحلي لديه.
إن رسالة وزير النقل الأميركي شون دافي العلنية الأخيرة التي هاجم فيها شركة “فورد” بسبب اتفاقية الترخيص التي أبرمتها مع شركة صناعة البطاريات الصينية “كاتل” CATL في مصنع تملكه شركة صناعة السيارات الأميركية في ميشيغان، إلى جانب الغضب الأوسع في الكونغرس إزاء الاستثمارات الصينية، يتجاهلان هذه الفرصة. فقد أصبحت الصين أكثر قدرة على الصمود وعززت نموها من خلال التفاوض على إقامة إنتاج محلي ونقل التكنولوجيا في بداية القرن الـ21. ولدى الولايات المتحدة كل الأسباب التي تدعوها إلى محاكاة هذا المسار للارتقاء على سلم القدرة التنافسية. وفي عالم يشهد انتشاراً واسعاً للاستشعار من بعد، والهجمات السيبرانية، والهندسة العكسية، ناهيك بعمليات التقطير غير المرخص لأحدث التطورات في مجال الذكاء الاصطناعي، فإن الأخطار الإضافية المتمثلة في فقدان التكنولوجيا أو الإضرار بها نتيجة وجود شركات صينية في الولايات المتحدة، ضئيلة للغاية. بل إن الاستثمار الأجنبي المباشر الصيني سيضيف فوائد صافية في مجالات التوظيف والبحث العلمي والمعرفة الإنتاجية، بما يعزز الأمن القومي الأميركي.
شراء الوقت
كانت قمة العام الماضي بمثابة صحوة قاسية لإدارة ترمب وللمتشددين تجاه الصين من كلا الحزبين، لكنها قدمت درساً مفيداً، وهو أن الولايات المتحدة، مهما كثفت تهديداتها التجارية الثنائية أو سعت إلى إقصاء بكين عن الاقتصاد الأميركي، لا يمكنها أن تحقق انتصاراً سهلاً على الصين. في الواقع، تحتاج الولايات المتحدة إلى الوقت لتقليص اعتمادها على الصين، وعلى مصادر الإمداد الأخرى المركزة التي توفر المدخلات الصناعية الحيوية، وإعادة بناء التحالفات اللازمة لجعل تلك البدائل عملية وقابلة للاستمرار. وقد فشلت محاولات إدارتي بايدن وترمب الرامية إلى فك الارتباط من جانب واحد مع الصين، وإجبار الحلفاء على توفير بدائل، في إحراز تقدم في تلبية تلك الحاجات. ولحسن الحظ، تشعر القيادة الصينية بأن الوقت في صالحها الآن، بعدما تخلت واشنطن عن موقعها كقائد وضامن للاقتصاد العالمي. ولذلك ينبغي استخدام القمة لطمأنة الصين وتحفيزها على تصدير السلع والإمدادات للولايات المتحدة من خلال علاقات تجارية تعود بالنفع على الطرفين.
وتتمثل الخطوة الأولى في أن تعود الولايات المتحدة إلى أشكال الدبلوماسية الاقتصادية التي انتهجتها طويلاً دول اعتادت ألا تحصل دائماً على ما تريد. لقد أنشأت الولايات المتحدة بالفعل جغرافيا اقتصادية جديدة. والآن، عليها أن تتصرف كما تصرفت كل القوى الأخرى الأقل نفوذاً تجاهها على مدى الـ80 عاماً الماضية: السعي إلى إبرام صفقات مربحة للطرفين، والتفاوض بحذر انطلاقاً من ضعف نسبي، واستخدام ما تبقى من الاعتماد الاقتصادي المتبادل بين الطرفين استخداماً مقصوداً ومدروساً، بهدف بناء قدرة أكبر على الصمود أمام الصدمات والاضطرابات.
ويظهر التاريخ أن حتى الخصوم الذين تبدو عداوتهم حتمية يواصلون التجارة والاستثمار، بل وحتى التعاون، مع بعضهم بعضاً. وبالنسبة إلى الولايات المتحدة والصين، من المرجح أن يستمر هذا النمط، وربما لفترة أطول من بعض فترات التنافس السابقة بين القوى العظمى، وذلك بفضل مزايا المحيط الهادئ، والردع النووي، واستمرار التفوق التكنولوجي الأميركي في قطاعات متعددة، وأن المشكلات الاقتصادية والديموغرافية الداخلية التي تواجهها الصين تجعل من المرجح بدرجة أكبر أن يكون لبكين مصلحة في الحفاظ على سلام نسبي، بما في ذلك من خلال مواصلة التصدير إلى الولايات المتحدة والاستثمار فيها.
ولا توجد أي ضمانات بأن استعادة بعض الترابط الاقتصادي ستمنع الصين من قطع وصول الولايات المتحدة إلى السلع الحيوية يوماً ما، أو من إشعال فتيل صراع عسكري في مرحلة ما، وأن النهج الثنائي وحده لن يخلق قدرة أميركية على الصمود، فهناك حاجة أيضاً إلى جهود داخلية ومن جانب الحلفاء، لكن الاستيراد من الصين على نطاق واسع، وتبادل الصادرات ذات القيمة في مقابل بناء مخزونات من الإمدادات الحيوية، وتبادل الرهائن على المستوى التجاري في صورة استثمارات أجنبية مباشرة، كلها أمور ستوفر الوقت والموارد الاقتصادية الإضافية اللازمة لتعزيز قدرة الولايات المتحدة على الصمود.
ينبغي لإدارة ترمب أن تنظر إلى ما هو أبعد من نهجها القائم تحقيق المكاسب على حساب خسائر الخصم، وما تلاه من تحول نحو استرضاء الصين وتقديم التنازلات لها وإبرام صفقات جزئية متفرقة. فالدبلوماسية الاقتصادية الثنائية تبدأ عندما تدرك حكومة ما أنها تعتمد اقتصادياً على دولة قد تصبح خصماً لها، لكن عليها ألا تجعل من هذا الإدراك نقطة النهاية.
آدم أس. بوسن هو رئيس “معهد بيترسون للاقتصاد الدولي”.
مترجم عن “فورين أفيرز”، في الـ21 من سبتمبر (أيلول) 2026
