ملخص
معركة استرجاع الهوية لا يمكنها أن تنجح إلا إذا أخذت في الاعتبار قضية استعادة أسماء الرجال والنساء وأسماء المدن والجبال، استعادة الجغرافيا.
أكبر المعارك وأشرسها هي معارك الذاكرات، وأكثر المعارك تعقيداً معارك استرجاع الهويات المفقودة أو المنتهكة أو المقموعة.
في المكان، أي مكان على الأرض، لا تنبت شجرة برتقال أو تين أو زيتون أو نخل فقط، ولكن في هذا المكان نفسه وحتى قبل أن تنبت هذه الأشجار جميعها، تنبت شجرة أخرى كبرى، إنها شجرة الجينالوجيا، أي شجرة الذاكرة.
إن الهوية التي نتشبث بها لا تتأكد ولا تتجلى ولا ترتبط باللغة وحدها ولا بالعقيدة ولا في طريقة الملبس ولا في خصوصيات المأكل، إن لها جذوراً تمتد في رحم الأرض وفوقها.
للأرض رحم ولها حبل الصرة منه يجيء الأقوام ومنه تولد الحكايات وتنسج الأساطير وتكبر الغابة بوحوشها وأشجارها وأسرارها.
هذه الأرض التي نمشي من فوقها ليست عبارة عن رقعة من تراب بارد أصم، يقاس بالكيلومترات المربعة ويسيج بالأسلاك الشائكة وبحرس الحدود المدججين بالأسلحة، إن لها جلداً حساساً ولها روحاً وقلباً ينبض، حين نعرف كيف ننصت للأرض التي ولدنا عليها وفيها دفن الأجداد وأجداد الأجداد بأذن خاصة جداً، أذن تسمع ما يسمع، فإننا نسمع أصوات الذين مروا من عليها، تهمس وتحكي لنا سيرة الفرسان في الحروب التي قادوها، وحكايات العشاق المعلقين في القصائد، وأناشيد العمال والفلاحين تحت زخات المطر أو في القيظ، وأهازيج نساء يطهون خبز الصباح وصراخ أطفال يلعبون عند العتبات، وبنات يرتبن سوالفهن في انتظار عودة الأبطال من خلف البحار.
لا يوجد فوق هذه الأرض، يابسة كانت أو بحرية، مكان من دون روح، من دون ذاكرة حية.
أما قال أبو العلاء المعري، فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة “خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد”، وهو ما جاء أيضاً على لسان الشاعر عمر الخيام في تأمل شعري فلسفي قائلاً “فامش الهوينا إن هذا الثرى من أعين ساحرة الإحورار”.
الأرض سجل السجلات الأول قبل الديانات جميعها، وقبل المخطوطات جميعها، إنها مخطوط صعب تحريف حروفه، تُكتب صفحات كتاب الأرض بمداد العمران ووشم أسماء الرجال والنساء.
السلالات والأقوام والإثنيات تعمر الأرض كي لا تُنسى ولا تَنسى، كي تظل مستمرة في الأجيال المتلاحقة، وتتم محاصرة العمران المادي بعمران بشري متصل باللغة والثقافة والعقيدة، فتنشأ علاقة داخلية عضوية بين العمران المادي والعمران البشري تشبه الشرف وتشبه النخوة وتشبه الصلاة.
خوفاً على المكان الخاص، على مسقط الرأس، مسقط الرأس لحظة الولادة وساعة الموت، حاول الإنسان منذ آلاف السنين محاصرة الأرض وتحديد نبضها وشكلها من خلال علم الخرائط وقبله علم النجوم وقبله أو معه علم القيافة وحديثاً علم الطوبونيميا La toponymie.
هناك حرب مندلعة باستمرار بين ذاكرات الأماكن، فكلما استوطنت سلالة إثنية ما أرضاً زاخرة بالمعالم وبالعلامات العمرانية واللغوية تعود لإثنية أخرى، تحاول هذه الإثنية المهيمنة الجديدة تخريب القائم حتى يستقيم لها المقام، أي تحوير تضاريس المكان المعنوية، فالذاكرة لا يمكن محوها أو تشويهها إلا بتشويه علامات المكان التي تحيل على إثنية معينة.
وكي يتحقق فعل الاستيطان والتوطين، تعمل الإثنية المنتصرة على تغيير أسماء الأماكن الأساسية كالمعابد الدينية أو المدن أو أسماء منابع الماء أو أسماء الجبال أو الأنهار والوديان أو تحويرها، كل ذلك حتى تنفصل هذه الأسماء عن أصولها، ثم تبدأ الامتلاء بمعنى جديد يحيل على فعل جديد وعلى ذاكرة جديدة.
مع مرور الزمن وتبدل أحوال الناس جيلاً بعد جيل قد يبدو فعل تغيير أو تحوير أسماء المواقع عفوياً أو طبيعياً أو إنه جاء من باب النسيان الإنساني، لكن حين نتأمل هذا الفعل في عمقه الدلالي التاريخي والثقافي والديني ندرك بأن الأمر قصدي بالأساس، وأن ارتكاب مثل هذا الفعل وقع مع سبق الإصرار والترصد، على حد تعبير فقهاء القانون. ولا يمكن غرس شجرة ذاكرة جديدة في تراب ذاكرة أخرى لا تزال حية، لذا يجب تحييد القديمة الضعيفة أو المهزومة من الوجود، عن طريق الهدم أو المسخ أو التقطيع الجزئي أو الكلي.
حدث هذا عبر التاريخ الإنساني كله، فجميع أو غالبية أماكن العبادة الجديدة أقيمت على أماكن عبادة قديمة كانت مشهورة ومرجعية، هكذا يتم دفن معبد تحت معبد آخر، إنها المسطرة التي تحكم علاقة الغالب بالمغلوب، إذ بنيت مساجد على كنائس أو كُنس يهودية، وكم من كنائس مسيحية أقيمت على مساجد، وكم من كُنس يهودية شيدت على مساجد أو كنائس، إنها معركة الرموزية على المكان من خلال الدين بوصفه العامل الأكثر تأثيراً في تشكيل الإثنيات والمحافظة على لحمتها.
وكم من المدن التاريخية الإستراتيجية التي بنيت على آثار مدن تهاوت، وكانت لها أيام كبيرة وتاريخ ناصع. ويقوم المنتصر دائماً بعملية المحو خوفاً من عودة المنهزم يوماً ما، فيجد المكان لا يزال يحتفل ببعض من ذاكرته.
إن الحروب التي تشنها أمم ضد أمم أخرى ليست ضد الوجود البشري وحده وليست من أجل الاقتصاد وحده، بل ضد الذاكرة التي تتجلى في العمران واللغة والثقافة، ضد الرموزية. وتبدأ المعركة ضد الذاكرة بالعمل على تغيير أسماء الناس، فالاسم الذي يطلق على الطفل أو البنت يحمل دلالات تحيل على ذاكرة أمة أو إثنية معينة، وكلما جرى تحوير وتعويض هذه الأسماء بأسماء الإثنية الجديدة، يسهل الاستيطان وتسهل المعركة ضد الذاكرة.
وكي يستكمل قبضته على الأرض نهائياً، عمل الاستعمار الاستيطاني الفرنسي في الجزائر مثلاً، على تغيير أسماء المدن والجبال والأنهار ومنابع الماء، وأما المدن التي لم يستطِع تغيير أسمائها فحوّرها أو بنى إلى جوارها مدناً جديدة منحها قوة اقتصادية وزراعية، ومع مرور الزمن تم تناسي الاسم القديم للمدينة القديمة.
إن الجغرافيا عامل أساس في معركة الهوية، ومرات تتفوق على التاريخ، فإذا كان التاريخ من صنع البشر، فالبشر يتغيرون من جيل إلى آخر، لكن الجغرافيا بما هي جبال ووهاد وأنهار ومدن من الصعب تغييرها أو إن تغييرها يتطلب وقتاً طويلاً.
إن معركة استرجاع الهوية لا يمكنها أن تنجح إلا إذا أخذت في الاعتبار قضية استعادة أسماء الرجال والنساء وأسماء المدن والجبال، استعادة الجغرافيا.
