لا تُختزل الأنطولوجيا الأدبية العربية في جمع نصوص متفرقة داخل كتاب واحد، فهي تتجاوز هذا التعريف البسيط لتصبح فعلًا ثقافيًا مركبًا، تتقاطع فيه الذائقة مع المعرفة، وتشتبك فيه الذاكرة مع السلطة. يكشف الاشتقاق اليوناني للكلمة عن صورة شاعرية توحي بجمع الزهور، غير أن هذه الصورة تخفي ممارسة واعية تقوم على الانتقاء والترتيب وفق معايير محددة. لا تحدث عملية الاختيار بعفوية، بل تتشكل عبر رؤية يحملها الجامع، وتوجهها اعتبارات جمالية وفكرية واجتماعية. لذلك تنفتح الأنطولوجيا على وظيفتين متداخلتين: تعمل كآلية لحفظ التراث من الضياع وتثبيته داخل ذاكرة قابلة للتداول، وتؤدي في الوقت ذاته دورًا إنشائيًا يعيد ترتيب هذا التراث عبر إبراز نصوص بعينها وإقصاء غيرها.
أربعة أنواع لا بد من تمييزها
قبل المضي في نقد الأنطولوجيا، لا بد من تمييز أربعة أنواع مختلفة اختلطت في غالبية الدراسات العربية، حيث يبرز الخيط الرفيع الذي يفصل بين الموسوعة والأنطولوجيا؛ فالموسوعة في جوهرها عمل استقصائي أفقي يُراد به الحصر التوثيقي والجرد الشامل لأسماء وحقب بدون مفاصلة مسبقة، في حين أن الأنطولوجيا أو الملف الأدبي هو اختيار عمودي انتخابي بالدرجة الأولى، محكوم بالضرورة بمدى اتساع أو ضيق دراية الجامع بالساحة الأدبية أو الفرع المعرفي الذي يشتغل عليه.
يشمل النوع الأول أنطولوجيا حفظ التراث، وتتمثل وظيفتها في جمع ما يُخشى ضياعه، مثل الأصمعيات والمفضليات. أما النوع الثاني فأنطولوجيا تأسيس المذهب أو التيار، مهمته إثبات أسبقية مدرسة أو قبيلة، مثل حماسة أبي تمام. يخصّ النوع الثالث أنطولوجيا شخصية ذوقية تعبّر عن رؤية جامعها، وهي نادرة في تراثنا العربي، بينما يقع النوع الرابع كأنطولوجيا نقدية منهجية تحلل آليات الاختيار ذاتها، وهي تكاد تكون غائبة تمامًا. هذا التمييز ضروري، لأن الخوض في نقد الإقصاء يختلف باختلاف النوع؛ فما يُعتبر إقصاءً في النوع الأول قد يكون جوهر الوظيفة في الأنواع الأخرى.
التاريخ بين الشرق والغرب
يمتد تاريخ الأنطولوجيا عبر حضارات متعددة. ففي اليونان القديمة، قدّم ميلياغروس الغداري «الإكليل» في تقليد شخصي ذوقي. وفي أوروبا العصور الوسطى، تحولت الأنطولوجيا إلى باقة زهور تجمع نصوص الحكماء والآباء المسيحيين كمرآة للفضائل. أما في تقاليد شرق آسيا، فأخذت طابع الحصاد الدوري كما في الهايكو. والعجيب أن الأنطولوجيا في التراث العربي تمثل عملًا مركزيًا لبناء الذاكرة الأدبية واللغوية، إذ برزت المختارات أداة حيوية حفظت التراث الجاهلي المهدد بالضياع.
في الغرب الحديث، اتخذت الأنطولوجيا منعطفًا تأسيسيًا مختلفًا. فمع مختارات الشاعر الأميركي إزرا باوند “Make It New”، التي جمع فيها تراث الرومانسية والبروفانسية والصينية لإعلان بيان الحداثة، تحولت الأنطولوجيا من وعاء حفظ إلى سلاح شعري يهدم القديم ويؤسس للجديد. وكذلك فعل الناقد هارولد بلوم في مختاراته الغربية “The Western Canon”، حيث أعلن بصراحة معاييره الذكورية والنخبوية، مدافعًا عن “معايير العظمة” الشخصية من دون مواربة، مما أثار معركة نقدية طاحنة حول ما أسماه “مدرسة الاستياء”. هذه النماذج الغربية – على اختلافها مع تراثنا – تعترف صراحة بالذات الجامعة ومعاييرها، بينما تخفي أنطولوجياتنا الكلاسيكية إقصاءها تحت غطاء “الحفظ”.
الأنطولوجيا العربية الكلاسيكية: بين التأسيس وقياس الإقصاء
اتسمت الأنطولوجيا العربية الكلاسيكية بطابع عائلي، أي اختيار النصوص حسب أغراض محددة كالحماسة والمديح والهجاء والغزل والرثاء، عاكسة رؤية الجامع الشخصية والمذهبية والقبلية. وتعد حماسة أبي تمام أشهرها، إذ تركز على قصائد الفخر والبطولة والحماسة والمراثي، وقد فاقت براعة أبي تمام في الاختيار شعره أحيانًا. وجمعت المفضليات للمفضل الضبي قصائد جاهلية وإسلامية مبكرة بذوق بدوي أصيل، بينما مثلت الأصمعيات مدرسة بصرية مختلفة. وسعت جمهرة أشعار العرب لأبي زيد القرشي إلى حصر الشعر العربي في كتاب واحد، وتجاوز كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني الجمع الشعري ليربط الشعر بالغناء والأخبار والسير، فأصبح مرجعًا حضاريًا شاملًا.
ساهمت هذه الأنطولوجيات في تثبيت المتن المعتمد، لكن انتقائيتها لم تكن محايدة. في رأيي، بدلًا من الخطاب الإنشائي المعمم حول الإقصاء، ينبغي تفكيك الأمر منهجيًا. فالإقصاء هنا لا يُقاس بالكم أو بالعدد، بل بالنوع. فالمشكلة ليست في كمية الشعراء الذين سقطوا من الغربال، بل في أن الغربال نفسه صُمم بفتحات ضيقة لا تسمح بالمرور إلا لبنية ثقافية محددة: الذوق البدوي القح، لغة قريش وتميم، قصيدة الفخر البدوي الملحمي، مما أدى أوتوماتيكيًا إلى إسقاط تجارب كاملة، لا لأنها رديئة، لكن لأنها تغرد خارج السرب المهيمن. وحين تُعامل هذه المختارات وكأنها المتن المعتمد الوحيد، تُهمش الأصوات الأخرى. ومن أهم المهمشين منهجيًا: شعراء القبائل الضعيفة، والأصوات النسائية كالخنساء التي لم تدخل الحماسة رغم شهرتها، وأدب البوادي مقابل أدب الحضر، والتجارب غير المطابقة للذوق السائد.
| مع مختارات الشاعر الأميركي إزرا باوند “Make It New”، التي جمع فيها تراث الرومانسية والبروفانسية والصينية لإعلان بيان الحداثة، تحولت الأنطولوجيا من وعاء حفظ إلى سلاح شعري يهدم القديم ويؤسس للجديد |
الأنطولوجيات العربية الحديثة: بين الامتداد والتردد
لم تنتج الثقافة العربية الحديثة، حتى الآن، تقليدًا أنطولوجيًا نقديًا مستقرًا بالمفهوم المتداول غربيًا، بقدر ما أنتجت مختارات شعرية وتعليمية متفرقة، ظلت في معظمها امتدادًا لوظيفة الحفظ والتمثيل المدرسي أكثر من كونها مساءلة نقدية لمعايير الاختيار نفسها. فالكثير من المختارات الحديثة تعاملت مع الشعر بوصفه متنًا جاهزًا يُعاد ترتيبه أو تبسيطه للأجيال الجديدة، لا بوصفه حقلًا للصراع الرمزي وإعادة تعريف الشرعية الأدبية.
تبقى بعض المشاريع الفردية الحديثة أقرب إلى “البيان الشعري” منها إلى الأنطولوجيا النقدية المنهجية، إذ تعكس ذائقة أصحابها ورؤيتهم الخاصة للتاريخ الشعري بدون أن تفكك بصورة صريحة آليات الإقصاء التي تمارسها هي بدورها. لذلك ظل سؤال: من يختار؟ وكيف يختار؟ ولماذا تُستبعد أصوات بعينها؟ سؤالًا مؤجلًا في أغلب التجارب العربية الحديثة، رغم التحولات الكبرى التي عرفها الشعر العربي خلال القرن العشرين وما بعده.
التوتر بين المتحف والبيان وجدلية الزمن
يُعد التوتر بين المتحف والبيان أنجع إطار لفهم ازدواجية الأنطولوجيا. فالمتحف يحفظ التراث ويقدسه وينقله إلى الأجيال، بينما البيان يعلن رؤية جديدة ويدعو إلى توسيع المتن المعتمد أو كسره والاحتفاء بالتجارب المهمشة. ثمة أمر مركزي لا يمكن إغفاله أبدًا في هذا السياق، وهو أن العمل الأنطولوجي في عمقه هو عمل يدور ضد التاريخ وضد صيرورته المستمرة. بمعنى أن الأنطولوجيا تفقد الكثير من ماهيتها الحيوية وحقيقتها ما إن تُنشر وتخرج إلى العلن؛ ذلك أنها تتوقف وتتخشب عند لحظة زمنية معينة، بينما يستمر عمل النصوص الإبداعية في التدفق والتراكم بدون توقف، وتستمر الأسماء الجديدة الشابة في ورود الساحة الأدبية، وتستمر الذائقة الجمالية للنقاد والقراء في التطور والتغير الدائم، كما تستمر اللغة نفسها في الخضوع لمشرط الأجيال الجديدة التي تكتبها وتقترف مغامرتها وتعبر بها عن ذاتها وعن طبيعة إقامتها الوجودية في هذا العالم.
لا تستطيع المختارات التخلص من أي من القطبين؛ فالتي تظن نفسها متحفًا محايدًا تؤسس لمتن جديد وصارم من خلال اختياراتها الضمنية المهيمنة، والتي تظن نفسها بيانًا ثوريًا طليعيًا تتحول بسرعة إلى متحف بارد لثورتها بمجرد أن تُنشر وتدخل في قوالب المناهج والدراسات.
البعد المادي للسلطة الرمزية
في ضوء تصورات بيير بورديو، تعيد الأنطولوجيا توزيع الشرعية الرمزية بين النصوص والكتاب، وتمثل رأسمالًا رمزيًا يُمنح لمن يمتلك سلطة الاختيار، ويُسحب ممن يُستبعدون. سيطرة نخب قبلية ومذهبية وحضرية وذكورية على عملية الجمع تاريخيًا أنتجت استبعادًا منهجيًا لشعراء القبائل الضعيفة والأصوات النسائية وأدب الهامش والبوادي.
لكن ما أغفله الكثير هو البعد المادي لهذه السلطة. من يملك دور النشر؟ من يموّل الأنطولوجيات المدرسية؟ في السياق العربي، جاءت معظم الأنطولوجيات الكلاسيكية بدعم من الخلفاء والولاة، وخضعت الأنطولوجيات الحديثة لسلطة دور النشر الكبرى، بينما تحدد الأنطولوجيات المدرسية وزارات التربية لا نقاد مستقلون، مثلما حدث في جدل ما زال متواصلًا حول قرار الإدارة تكريس صنمية الشابي والمسعدي في المتن المدرسي التونسي من دون التجارب الحديثة والمهمة. يصبح السؤال النقدي جوهريًا هنا: من يقطف الزهور ويرتب الباقة؟ وبأي معايير؟ ولمن تُهدى هذه الباقة في النهاية؟
أهمية المقدمات وكيفية قراءتها نقديًا
تشكل المقدمات الإطار النظري والمنهجي لأي أنطولوجيا أدبية. فمن خلال المقدمة، يفصح الجامع عن رؤيته الحقيقية ومعاييره والظروف الصعبة المحيطة بتحديات عمله التجميعي ومصادره. فالأنطولوجيا أو الملف الأدبي ليس عملًا بريئًا بالمطلق، لكنه ليس عملًا تسوقه الدناءة أو النوايا السيئة، بل هو محاولة واعية لتقديم خلاصة موحية ومكثفة تشير بنباهة إلى المشهد ولا تدعي قول كل شيء إطلاقًا. نجد أن مقدمات الأنطولوجيات العربية الكلاسيكية أعلنت معايير الاختيار صراحة، وتمثلت في الفصاحة، وقوة البيان، والجزالة، والسلاسة، والدلالة الأخلاقية، والولاء السياسي والمذهبي.
يبدأ النقد الحقيقي من مقارنة ما تعد به المقدمة وما تفعله النصوص فعلًا، وتحليل الفجوة الشاسعة بينهما، بدون السقوط في فلك التهم الجاهزة وتغيير الحقائق ودس أسماء ونصوص لا تعني الإبداع الحقيقي، بل تعني الموافقات والملاطفات والخلاّنيات والشللية الأدبية الضيقة؛ فهذا مدار آخر سنطرقه في وقته وحينه.
العصر الرقمي: سلطة خفية أم ديمقراطية حقيقية؟
تبدو الأنطولوجيا في العصر الرقمي أكثر ديمقراطية، إذ يصنع القارئ مختاراته الخاصة ويشاركها بنقرة زر. لكن الخوارزميات لم تُلغ السلطة النقدية، بل أعادت تشكيلها داخل نظام غير مرئي؛ فحلت معايير خفية مثل معدلات النقر وزمن المكوث والتفاعل محل الذوق المعلن للنخب التقليدية. وقد بدا واضحًا أن بعض المجموعات الافتراضية تصدر كتب مختارات من المشاركين فيها أو المتفاعلين في صفحتها لتصدرها بعناوين رنانة ولافتة وبدون مقدمات. الأخطر من كل ذلك أن هذه المختارات التي تتجول في الإنترنت تتحول مع الزمن والخوارزميات إلى مصدر لبعض النقاد الذين يبحثون عن المعلومة السهلة من دون تدقيق، فيسهمون في تدوير أخطاء منهجية ويكذبون على تاريخ الأدب نفسه.
إجابة جزئية وسؤال مفتوح
هل نملك حقًا أنطولوجيات أدبية عربية بالمعنى النقدي للمفهوم؟ إجابتي المبدئية القابلة للنقض هي: لا؛ لأن ما تراكم في تراثنا وحاضرنا نفسه لم يغادر وظيفة الحفظ والتجميع إلا في استثناءات نادرة. تبقى الأنطولوجيا مسرحًا للمفارقة: تحفظ من النسيان لكنها تُنسي آلاف النصوص الأخرى، تمنح الخلود لبعض الأصوات وتدفن أصواتًا لا تقل أهمية. وهذا ليس عيبًا فيها، بل شرط وجودها. المشكلة تبدأ حين ننسى هذه المفارقة، وحين نتعامل مع الأنطولوجيا كباقة زهور بريئة، ونتجاهل الأسئلة الحقيقية: من يقطف الزهور؟ بأي معايير؟ لمن يهديها؟ وأي زهور تُترك في الحقل لتذبل وتُنسى إلى الأبد؟
قائمة المراجع:
– كيليطو، عبد الفتاح. المختارات: ذاكرة الشعر العربي. دار توبقال، 1995.
– Bourdieu, P. The Field of Cultural Production. Cambridge: Polity Press, 1993.
– علوش، سعيد. الأنطولوجيا والمتن المعتمد. منشورات الاختلاف، 2002.
– أبو تمام. حماسة الشعراء. تحقيق عزة حسن. دار الكتب العلمية، 1990.
– المفضل الضبي. المفضليات. تحقيق أحمد شاكر. دار المعارف، 1960.
– Pound, Ezra. Make It New. London: Faber & Faber, 1934.
– Bloom, Harold. The Western Canon. New York: Harcourt Brace, 1994.
– Pariser, E. The Filter Bubble. Penguin, 2011.
– عادل، فتحي. الأصوات المهمشة في التراث العربي. دار شرقيات، 2010.