ساطع نورالدين.. كاتب وباحث لبناني
من دون مواربة، هو أشبه بإعلان نوايا وتفاهمات عسكرية لبنانية إسرائيلية، تجمعها الرغبة المشتركة في وقف “الانبطاح” الأميركي أمام إيران، وتحفزها الحاجة اللبنانية الملحة الى فك الارتباط بين مصير النبطية وصور وبين مستقبل مضيق هرمز، وتدفعها الخطة الإسرائيلية لإنهاء النفوذ الإيراني في لبنان.
ليس هناك تفسير آخر لاتفاق الاطار الثلاثي الذي وقع بالأمس في واشنطن، برعاية الوزير الأميركي ماركو روبيو، الذي شهد على ان إدارته ارتكبت خطأ فادحاً في مذكرة التفاهم الأخيرة مع إيران فوق بحيرة لوسيرن السويسرية، التي أضافت الى قائمة المكتسبات الإيرانية من الحرب الأميركية مكسباً لبنانياً، لم تشترطه ولا تستحقه، لكنها وجدت فرصة سانحة لطلبه من نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، عندما كان يمد يد المصالحة الى الشعب الإيراني، من منتجع برغنشتوك القطري في سويسرا. وقد حصلت عليه من دون مقابل، سوى ما يقال عن أنها تخلت فقط عن مسعى اسقاط الحكومة اللبنانية..وسحبت إعتراضها على مبدأ التفاوض المباشر بين لبنان والشيطان الإسرائيلي الأصغر.
إتفاق الإطار الجديد الذي يحمل أول توقيع سياسي رسمي لبناني منذ العام 1983، ينهي كما يبدو خلافاً أميركياً داخلياً حول المسار اللبناني الذي كادت واشنطن ترهنه كلياً الى القرار الإيراني، وتعتبره هبة مجانية الى طهران تهدف الى إغوائها بتطبيع علاقاتها مع أميركا. لكن هنا أيضاً أساء الإيرانيون التقدير، وتسرعوا في اعلان النصر اللبناني الإيراني المشترك، وفي إدراج تلك الهبة مع الجزية المالية التي تسلمتها إيران من دول الخليج العربي والبالغة حتى الآن نحو 12 مليار دولار أميركي..والتي تنكرت لها أيضا في بيان وزارة الخارجية الإيرانية، التأديبي، والتحذيري، الموجه الى جيرانها الخليجيين كافة، والصادر قبل يومين.
وبقدر قليل من المبالغة، يمكن إدراج الهجوم الأميركي أمس على مواقع ومخازن ورادارات إيرانية في مضيق هرمز، رداً على هجوم فاشل بأربع مسيرات إيرانية على سفينة تجارية خرقت تعليمات الملاحة الايرانية في المضيق، وكأنه تغطية أميركية مباشرة لاتفاق الاطار اللبناني الاسرائيلي الذي كان يوقّع في الوقت نفسه في واشنطن.. مع ما يعنيه ذلك من إحتمال ان تلجأ إيران الى الرد من جبهة النبطية أو صور بالتحديد على ما تعرضت له منشآتها العسكرية في هرمز.
لكن تقويض اتفاق الاطار، بات يحتاج الى أكثر من التصعيد الميداني الإيراني من جنوب لبنان، إلا إذا كانت طهران قد إختارت ان تسقط بالفعل خيار التفاهم والتصالح مع واشنطن، وقطع اليد الأميركية التي كانت ممدودة الى الشعب الإيراني طوال الأسابيع الثلاثة الماضية.. والمخاطرة بقطيعة واسعة مع الشعب اللبناني الذي نال في نص اتفاق الاطار، ما لم ينله أي مفاوض عربي خضع للاحتلال والابادة الإسرائيلية، طبعا بالاعتماد على كفاءة الفريق اللبناني المفاوض الذي عبر عن تصميم وطني على التفلت من القبضة الإيرانية، إستحق عليه تشجيعاً وتقديراً أميركياً إسرائيلياً لتلك الجرأة اللبنانية، التي تسمح باختبار فكرة الانسحاب الإسرائيلي التدريجي من المناطق التجريبية، التي يلح عليها لبنان وبشروطه الخاصة، لكي يحمي النبطية وصور وما تبقى من مدن الجنوب وقراه من خطر الدمار الإسرائيلي الشامل.
لكن هذا الوعد الذي يمثله الاتفاق لا يجيز استبعاد ان يتكرر الخطأ الأميركي الفادح تجاه لبنان مجدداً، والغدر الإسرائيلي الذي كان ولا يزال يدمّر النبطية وصور، بإعتبارهما بديلاً عن أصفهان وقُمّ وتبريز.. “الوعد الصادق”، هو في طهران، حتى إشعار آخر، وحزب الله الذي إعترض طبعاً على ذلك الاتفاق لم يعبر الآن عن موقف مبدئي ضد الاحتلال والتفاوض المباشر، بل عن موقف مبدئي أيضا بان يكون شريكاً في معركة إيران لفرض هيمنتها على مضيق هرمز.
بيروت في 27 / 6 / 2026