يسخر كاتب المقال من قادة حزب العمال الذين أطاحوا بكير ستارمر بسبب رفضه التعهد برفع الإنفاق الدفاعي إلى 3 في المئة من الدخل القومي، ثم انتهوا إلى تبني الموقف نفسه بعد وصولهم إلى السلطة، ما يثير تساؤلاً حول جدوى “التمرد” الذي قادوه.
لا شك في أن “دريدنوت” Dreadnought اسم عريق. فقد أُطلقت البوارج البخارية الأصلية التي حملت هذا الاسم قبل 120 عاماً، وكانت محركاتها تُصنع في ميناء “بارو إن فورنيس”. جعلت تلك البوارج السفن الحربية التي سبقتها كلها وكأن الزمن عفا عليها، لكنها كانت مشروعاً باهظ التكلفة نافس الرفاه الاجتماعي على التمويل في ظل حكومة الحزب الليبرالي الحاكمة آنذاك.
وما أشبه اليوم بالأمس. فبعد أكثر بقليل من أسبوع على تمرد البحارة العصاة وتركهم الأميرال السير كير ستارمر تائهاً في عرض البحر، ثم استيلائهم على البحرية الملكية، وصل قادة التمرد الثلاثة إلى ميناء كمبريا لتفقد بعض أكثر قطعهم البحرية رهبة: جيل جديد من غواصات “دريدنوت”، المقرر أن يحمل قوة الردع النووي البريطانية إلى النصف الثاني من القرن الحادي والعشرين.
وتلقى التحية الأميرال الأعلى الجديد آندي بيرنهام، يرافقه أمين المؤن القائد جون هيلي، وكبير ضباط الصف ويسلي “ويس” ستريتنغ (الذي كان يشغل سابقاً وظيفة المسعف العسكري)، ويا له من مردود سيحصل عليه دافع الضرائب البريطاني المثقل بالأعباء مقابل 8.4 مليار جنيه استرليني (11.3 مليار دولار) خلال السنوات المقبلة.
بل إن بحارتنا العماليين يؤكدون أن الخطة تهدف إلى “إعادة التصنيع” في بريطانيا، وإيجاد وظائف في بليموث وبريستول وروسايث وديربي وغيرها من المدن التي تجمع بين إرث عريق في الهندسة البحرية… ودوائر انتخابية برلمانية هامشية. وأرسل بيرنهام الإشارة التالية: “إن الحفاظ على أمن هذا البلد هو المسؤولية الأولى لأي حكومة، لكن الأمن لا يتعلق فقط بما نبنيه، بل أيضاً بمن يبنيه ومن يجني ثماره”.
حتى اللورد نلسون نفسه [أشهر قادة البحرية الملكية البريطانية] ما كان ليقولها أفضل من ذلك. ولا بد أن بوتين وشي جينبينغ والملالي يرتعدون خوفاً.
أو ربما لا.
فقد بذل رجال البحر هؤلاء، خلال خطاباتهم وإطلالاتهم الإعلامية، كل ما في وسعهم لتجنب الإجابة عن أي سؤال يتعلق بالإنفاق الدفاعي، أي القضية نفسها التي أطاحت ستارمر من رئاسة الحكومة في نهاية المطاف.
ولعلكم تذكرون أن بيرنهام بدأ التمهيد للإطاحة بستارمر قبل نحو عام، عندما بدأ نواب حزب العمال في المقاعد الخلفية [غير المنتمين إلى الصف القيادي للحزب]، أو “تحت سطح السفينة” إذا شئتم، الاعتراض على إصلاحات ستارمر في نظام الرعاية الاجتماعية. وقد حرص بيرنهام على أن يدركوا جيداً إلى أي جانب يقف. وكان، إذا جاز التعبير، يؤدي دور فليتشر كريستيان في مواجهة الكابتن وليام بلاي الذي لعب ستارمر دوره [في إشارة إلى قائد التمرد الشهير على متن السفينة البريطانية “باونتي” وقائدها بلاي الذي أُطيح به].
ثم جاءت الانتخابات المحلية، فغادر ستريتنغ موقعه، ومهد من دون قصد الطريق أمام بيرنهام لتنفيذ خطوته الأخيرة نحو الزعامة. لكن استقالة هيلي هي التي فتحت في النهاية آخر ثغرة في دفاعات ستارمر.
وهل نسي أحد ما الذي دفع هيلي، أوفى الموالين، إلى الانقلاب على ستارمر؟ بالطبع لا. لقد كان ضعف الإنفاق الدفاعي. وبصورة أدق، رفض ستارمر ورايتشل ريفز التعهد بتخصيص ثلاثة في المئة من الدخل القومي للإنفاق العسكري بحلول عام 2030، وهو موعد يرى الخبراء أن اندلاع حرب مع روسيا عنده يصبح احتمالاً وارداً.
لقد كانت مسألة مبدئية بالغة الخطورة. فقد شكك هيلي في حكم رئيس الوزراء على الأمور، وفي نزاهته، بل وحتى في وطنيته، وإن لم يذهب إلى هذا الحد صراحة. ولا بد أن كلماته كانت قاسية على ستارمر: “لقد كنت عاجزاً، وكانت وزارة الخزانة غير راغبة، في الالتزام بتوفير الموارد التي تحتاج إليها البلاد للدفاع عن نفسها في هذه المرحلة التي تتصاعد فيها الأخطار”.
وجاء مطلب هيلي حاسماً لا يقبل المساومة: “يجب أن تضع بريطانيا هدفاً يتمثل في إنفاق ثلاثة في المئة على الدفاع بحلول عام 2030، مع مسار واضح للوصول إلى 3.5 في المئة بحلول عام 2035، وهو الالتزام الذي قطعته جميع دول حلف شمال الأطلسي لبعضها بعضاً ولشعوبها. وأعتقد أن ذلك سيحظى بدعم واسع من مختلف الأحزاب”.
ومن ثم، كان المنتظر من “الحكومة الجديدة” التي يقودها هؤلاء القراصنة أن تلتزم بنسبة الثلاثة في المئة بحلول عام 2030. لكنها لم تفعل. والأرجح أنها لن تفعل حتى موعد الموازنة المقبلة.
والآن، بعدما اعتلى بيرنهام وهيلي وستريتنغ جسر القيادة، وأصبحوا يقودون سفينتهم الخاصة “باونتي”، نجدهم يرسمون مساراً يكاد يطابق ذلك الذي سار عليه ستارمر وذراعه اليمنى ريفز، على الأقل في ما يتعلق بميزانية الدفاع.
ويبقى السؤال: من أجل ماذا كان هذا التمرد؟
