ملخص
تعرض على خشبة مسرح دوار الشمس – الطيونة (بيروت) مسرحية “دنيا”، أو، “في كل امرأة… دنيا”، بطولة ندى بو فرحات وكتابة وإخراج زياد نجار. لا تروي هذه المسرحية قصة دنيا الابنة ودنيا الأم فقط، بل قصة كل امرأة في الدنيا تصارع الحياة والمجتمع وأمها وابنتها لتكون أفضل نسخة عن نفسها ولتنزع عن نفسها ترسبات تربيتها التقليدية الصارمة.
تجسد دنيا (ندى بو فرحات) في هذه المسرحية، بصراعاتها وحروبها الداخلية والخارجية، كل ابنة وكل أم وكل امرأة في المطلق تكافح لتحقق نفسها وتحررها. تتحول دنيا بمونولغاتها الوجدانية إلى نموذج الأنثى التي تحاول التخلص من براثن الماضي والخوف والوحدة، فتظهر في الوقت نفسه بدور الابنة المعذبة التي تقسو عليها والدتها، وبدور الأم التي ترحل عنها ابنتها لتعيش حياتها، وبدور المرأة الوحيدة التي تحاول أن تهتم بنفسها بعد أن لاقت إهمالاً من المحليطين بها.
تنقل دنيا عمق مأساة المرأة في وحدتها ويأسها ومخاوفها وعدم فهم محيطها لها وأثر التربية التقليدية عليها وكل ما ينتج عن ذلك من قلق داخلي ومخاوف من الآخر ومعارك مع المجتمع ومحاولة تحسين الذات والتقدم بها.
ويأتي اختيار اسم المسرحية وبطلتها بـ”دنيا” ذكياً فيه لفتة إلى نساء العالم جميعهن في نوع من رغبة في الشمولية. تنقل “دنيا” حالة نساء الدنيا كلها لتـنـتــقل قصة هذه المرأة الواحدة من حالة فردية شخصية إلى المطلق العام لأحوال المرأة في العالم.
المرأة الابنة والمرأة الأم
تطرح هذه المسرحية بنصها وحبكتها وقضيتها مأساة المرأة الابنة والمرأة الأم في مجتمعاتنا، وعلى وجه الخصوص الأم التي تربي وحدها بعد انفصالها عن زوجها. ويظهر بناء الأحداث تطور شخصية دنيا مع مرور الوقت، وتغير حالاتها وحلولها وتحليلالتها ومحاولاتها للنهوض بنفسها بمنأى عما تفرضه عليها أمها وابنتها. وقد كشف مونولوغ دنيا مع نفسها وحوارها مع طيف ابنتها من خلف الستارة ثم عندما تظهر بنفسها في مشاهد قليلة قبيل نهاية المسرحية، هموم المرأة وصراعاتها الداخلية ومحاولاتها لشفاء نفسها من جروحها وماضيها وبقايا تربيتها عليها هي التي تحاول أن تنفض أمها عن نفسها وألا تشبهها في شيء.
تؤدي دنيا في هذا العمل، من ناحية أولى شخصية الابنة التي لا تكون يوماً الابنة المثالية ولا المناسبة في نظر أمها، ومن ناحية ثانية تؤدي شخصية الأم التي تخاف أن تتحول إلى أمها في تربيتها لابنتها لكن ابنتها لا تقابلها سوى بالنزق والتبرم.
في تعاملها مع ابنتها، تحاول دنيا أن تتجنب نقل مخاوفها وعقدها وتزمت والدتها إليها، تحاول منح ابنتها الحرية والاستقلالية اللتين لم تنلهما في صغرها. تحاول دنيا الابنة/ الأم أن تتخطى ما عانته مع أمها وأن تحمي ابنتها مما تعرضت له هي، من دون أن تخنقها أو تضيق عليها أو تسلبها شيئاً من حريتها. لكن الأمور ليست بهذه البساطة ولا تجري الرياح بما تشتهي السفن، فتجد دنيا نفسها قد فشلت في أن تكون ابنةً وأماً على حد سواء.
وتجلى أداء ندى بو فرحات في هذا العمل متوهجاً متميزاً متمكناً من الدور والنص والثيمة، فمنحت بو فرحات شخصية دنيا الضعف والهشاشة متى تطلب الأمر ذلك، ومنحتها الحنكة والقدرة على إدارة الأمور متى كان ذلك ضرورياً. تقلبت ندى أبو فرحات على خشبة المسرح بين الحالات وردود الفعل المختلفة ببراعة وقدرة تمثيلية رائعة هي التي رفعت العرض وكثفته. تضاف إلى ذلك المؤثرات الصوتية الموسيقية الحية التي رافقت حركةأبو فرحات على المسرح، فإلى جانب التمثيل الجميل، جاءت الموسيقى الحية التي لعبها زياد نجار على الخشبة لتمنح العرض حركة وجمالية. تحول وجود البيانو على الخشبة ولعبة الظلال والصور والمشاهد إلى حليف لندى أبو فرحات زاد من شحنات الدراما في أدائها.
مكامن الضعف
يبدو نص العرض ضعيفاً بعض الضعف، فهو في عدد من المواضع لم يتمكن من سبر أغوار المرأة كما يجب، عدا عن أنه بسط كثيراً من صراعاتها الداخلية وحذف صراعات كثيرة كان من البدهي والطبيعي أن تكون موجودة ومطروقة. وقد ترك هذا الضعف الجمهور على جوعه وفضوله بسبب غياب عناصر موضوعاتية كثيرة مهمة مع وجود موضوعات بسيطة وأقل أهمية سطحت النص وعمق فكرته. فظهر مثلاً صارخاً غياب الرجل، الرجل الأب أو الزوج أو الحبيب أو العشيق. ظهر صارخاً كذلك غياب جسد المرأة وعلاقتها به وبمحيطها وبمجتمعها.
لا ننسى أيضاً غياب العمل ونظرة رب العمل أو الزملاء إلى المرأة الأم العزباء أو الأم المطلقة. وإن تبرر هذا الغياب لكون دنيا لا تعمل، فكيف نظر إليها المحيطون بها مهمن كانوا وكيف تعاملوا معها؟ لم نرَ في هذا النص عمق وجع المرأة الأم الوحيدة، لم نرَ حكم المجتمع عليها وحكم أمها عليها وحكمها على نفسها، لم نرها تحاول أن تعمل أو أن تحقق طموحاتها أو أن تتحرر مادياً. نحن أصلاً لا نعرف كيف تعيش ومن أين تأتي بالمال.
من ناحية أخرى بدى تركيب شخصية دنيا ضعيفاً بخاصة من ناحية السماكة النفسية، فلم يخض زياد نجار بذكرياتها ولا بطفولتها ولا بقصص حبها ولا بزواجها ولا بحبلها. ظهرت شخصية دنيا بقوة بفضل أداء ندى أبو فرحات لكن حبذا لو كان النص أقوى وأعمق. فلماذا لم نسمع صوت أم دنيا كما سمعنا صوت ابنتها ورأينا ظلالها؟ لماذا مرت مرحلة صراع دنيا مع نفسها بعد رحيل ابنتها عنها بهذه السرعة وهذه السذاجة؟ وأخيراً لماذا إظهار الابنة في النهاية وكسر رمزية الظلال والأصوات الأنيقة التي اكتنفت النص؟ كان من المفضل لو بقيت الابنة طيفاً وصوتاً وكائناً يسكن دنيا ويسكن الجمهور من دون أن يظهر، بخاصة أن أداء الابنة الهادئ الخجول فضحته ندى أبو فرحات بأدائها الهادر والصاخب.
من ناحية الإخراج يلاحظ الجمهور أيضاً نواقص متعددة، فاعتماد أجساد فعلية من الرجال ليكونوا المقعد أو الكرسي الذي تجلس عليه دنيا في خلال مونولوغها الوجداني أمر جميل. بدا هذا العنصر الإخراجي مستحدثاً إنما غير مبرر، فما كانت له معانٍ ولا رمزية ولا حتى أي إضافة على النص بل فضح ضعف الديكور وغيابه الذي كان من المفضل لو كان مثلاً غرفة نوم أو غرفة جلوس أو حتى كنبة عند طبيب نفسي، لينقل بذلك مكانياً، حديث دنيا، إلى حميمية المضجع أو التبادل الذي يسود أحاديث الصالونات أو الغوص في الأعماق الذي يفرضه وجود المعالج النفسي.
يبقى القول إن “دنيا” مسرحية حاولت نقل قضية من قضايا المرأة الكثيرة من حيث حبكتها وبنائها وتسلسل أحداثها والفكرة الأساسية التي تناقشها، لكنها بقيت على السطح في مكامن كثيرة من النص وفي عناصر متعددة من العرض، وحبذا لو تم إيراد اسم شركاء العرض ومموليه بطريقة أذكى وأكثر لباقة مسرحياً.
