ملخص
كانت هناك خمسة انتصارات محتملة في الأقل ضد النظام الخميني وحلفائه كان من الممكن إعلانها: إيران، و”حزب الله” في لبنان، والحوثيون في اليمن، والقوى المدعومة من إيران في العراق، وحل أوسع للنزاع الروسي – الأوكراني، وكان من الممكن حتى لانتصار واحد من هذه الانتصارات أن يمنح الحزب الجمهوري رصيداً سياسياً كبيراً وأن يحسن فرصه في انتخابات التجديد النصفي، لكن الإدارة اختارت التوجه نحو الانتخابات من دون الاستفادة الكاملة من تفوقها في ساحات القتال، ومع عدد من الترتيبات الدبلوماسية غير المكتملة أو الهشة.
مع تسارع الوقت نحو انتخابات التجديد النصفي لعام 2026، كانت هناك انتصارات عدة كان بإمكان الرئيس دونالد ترمب أن يعلنها أمام الشعب الأميركي والرأي العام العالمي، وهي إنجازات كان يمكن أن يكون لها تأثير مهم في مستقبل إدارته ومستقبل الولايات المتحدة، فمنذ وصول فريق ترمب إلى البيت الأبيض، كانت لديه مزايا تراكمت على مدى أعوام، إضافة إلى الدروس والالتزامات التي تبلورت خلال الحملة الانتخابية، وكان بإمكانه توظيفها منذ اليوم الأول.
كان الرئيس ترمب مستعداً تماماً للتعامل مع كثير من تحديات السياسة الخارجية والأمن القومي التي تركتها إدارة جو بايدن في الـ20 من يناير (كانون الثاني) 2025، ولو جرى تحويل هذه التحديات إلى انتصارات ملموسة، لكان بالإمكان استخدامها لتعزيز موقع الإدارة قبيل انتخابات الكونغرس في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، ولتجديد تفويضها السياسي في الداخل وصدقيتها الاستراتيجية في الخارج.
ومن المقبول عموماً أن الحزب الذي يسيطر على البيت الأبيض والكونغرس يميل إلى خسارة مقاعد ونفوذ في انتخابات التجديد النصفي، ولا سيما خلال الولاية الثانية للرئيس، لكن هذه ليست قاعدة حتمية، فقد ظل دونالد ترمب يتمتع بقاعدة سياسية قوية في نهاية عامه الثاني، وكان بإمكان مؤيديه في الكونغرس توفير انتصارات تشريعية مهمة له.
نحن نعرف أيضاً أن الناخبين يمنحون الأولوية عادة للاقتصاد والقضايا الداخلية، مما يترك للسياسة الخارجية دوراً أكثر محدودية، لكن السياسة الخارجية يمكن أن تنتقل بسرعة إلى صدارة الاهتمامات السياسية الداخلية عندما تؤثر بشكل مباشر في الأميركيين، ولا سيما من خلال خروقات الأمن القومي، كما حدث بعد هجمات الـ11 من سبتمبر (أيلول) 2001، أو الحروب الخارجية الطويلة، أو الهجرة الجماعية، أو الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة.
لذا فالسؤال هو: ما تحديات السياسة الخارجية التي كان يمكن أن توفر للإدارة فرصاً لإعلان انتصارات أمام الشعب الأميركي قبل انتخابات التجديد النصفي وخلال العامين الأخيرين من ولايتها؟ لننظر في الفرص التي كانت متاحة والواقع الذي تلاها.
روسيا وأوكرانيا
في مطلع عام 2025، كانت الحرب الروسية – الأوكرانية قد دخلت عامها الثالث، وكانت إدارة بايدن قد فشلت في إنهائها، وكانت استراتيجية ترمب الأولية تقوم على الانتقال فوراً إلى المسار الدبلوماسي والسعي إلى عقد قمة ثلاثية تضم فلاديمير بوتين وفولوديمير زيلينسكي، تسبقها لقاءات منفصلة مع الرئيسين الروسي والأوكراني.
جاء زيلينسكي إلى البيت الأبيض مطالباً بالأسلحة وبزيادة الضغط العسكري على موسكو، بينما كان ترمب يسعى إلى إقناع الرئيس الأوكراني بأن الحرب يجب أن تنتهي وأن تقديم تنازلات سيكون ضرورياً.
لكن محاولة إنهاء الحرب استغرقت وقتاً أطول مما كان متوقعاً، فقد كانت أوكرانيا أبطأ في قبول ترتيبات تتعلق بالأراضي، كذلك قاومت أوروبا التوصل إلى اتفاق مع روسيا، فيما واصلت موسكو السعي إلى فرض قيود على وصول أوكرانيا إلى التحالفات الغربية، وكان بإمكان الإدارة ممارسة ضغوط أكبر على الطرفين.
وفي الوقت نفسه، كان انتصار أميركي آخر يتبلور: إغلاق الحدود الأميركية -المكسيكية والانخفاض الكبير في الهجرة غير الشرعية، وتشجيعاً بهذا الإنجاز في مجال الأمن القومي، وبدعم من التأييد الشعبي له، انتقلت الإدارة إلى التركيز على الأولويات الداخلية والاقتصادية، وبدأت تدريجاً بالابتعاد عن ملف الحرب الروسية – الأوكرانية.
وكان من الممكن أن يمنح التوصل إلى حل ناجح للحرب البيت الأبيض إنجازاً دولياً إضافياً، وأن يؤدي إلى قيام تحالف أوسع ضد خصوم آخرين، ولو حصلت موسكو على تخفيف للعقوبات مقابل التعاون، لكان من الممكن أن تبدأ روسيا في الانخراط مع واشنطن في مشاريع مالية واقتصادية مشتركة، وربما في فرص ومشاريع في سيبيريا وألاسكا، وكان من شأن مثل هذا التطور أن يزيد أيضاً من عزلة النظام في إيران.
لكن، بدلاً من ذلك، بدأت طهران في ربيع 2025 بتصعيد المواجهة، مستفيدة من انشغال روسيا المستمر بالحرب في أوكرانيا، صعدت طهران، ورد ترمب، ثم دخلت إسرائيل في المواجهة مع إيران، وتعرضت لاحقاً لهجمات بصواريخ باليستية، وأدت هذه الهجمات إلى تعبئة قاعدة ترمب اليهودية -المسيحية وزيادة الضغط على واشنطن للتحرك.
وفي النهاية، لم يكن أمام الولايات المتحدة، بحسب هذا المسار، خيار سوى تدمير المواقع النووية الإيرانية الثلاثة الرئيسة، وقد ولدت الحرب المحدودة وتدمير البنية التحتية النووية دعماً كبيراً للرئيس، لكن عدم مواصلة الحرب حتى انهيار النظام أو تغيره بصورة جوهرية حد من القيمة السياسية والاستراتيجية لذلك الانتصار.
إيران
حمل العام التالي فرصة أخرى لتحقيق انتصار كان يمكن أن يكون تاريخياً، فبعد عمليات القتل الجماعي للمدنيين في إيران في يناير الماضي، أصدر الرئيس ترمب رسائل عبر الإنترنت شجع فيها الشعب الإيراني على الانتفاض والسيطرة على مؤسسات النظام، متعهداً بأن المساعدة في طريقها إليهم.
وكان من الممكن أن تتحول تلك اللحظة إلى انتصار كبير، وحتى لو استمرت الحرب فترة أطول، فإن احتمال تحقيق نتيجة حاسمة كان يمكن أن يولد دعماً شعبياً قوياً للإدارة، فالشعب الأميركي يميل تقليدياً إلى مكافأة القيادة السياسية عندما يعتقد أن حرباً ما قد انتهت بانتصار.
لكن الأصوات التي كانت تقدم المشورة للإدارة ثنت واشنطن عن شن حملة شاملة لإنهاء النظام وعن تسليح الشعب الإيراني وتدريبه بصورة مباشرة، وكانت النتيجة ثمانية أشهر من الحرب والمفاوضات، في وقت فشل فيه النظام مراراً في تقديم سلام مستدام.
وبدا إعلان الانتصار قريباً، لكنه أُجهض في النهاية بفعل مصالح وجماعات ضغط كانت تسعى إلى التوصل إلى تسوية مع النظام الخميني المتداعي، وكانت الولايات المتحدة تكسب المواجهات العسكرية، لكن الوسطاء كانوا يكسبون المساحة السياسية من خلال انتزاع وعد جديد من النظام تلو الآخر للتوصل إلى اتفاق.
غزة
في غزة، كانت حركة “حماس” تتعرض للهزيمة على يد الجيش الإسرائيلي، الذي كان قد تقدم في نحو 80 في المئة من القطاع، ودعم البيت الأبيض حكومة نتنياهو، لكنه سعى أيضاً، لأسباب استراتيجية مشروعة، إلى إشراك الحلفاء العرب في ترتيبات إقليمية أوسع يمكن أن تتحول في نهاية المطاف إلى تسوية دبلوماسية.
وجرى إنشاء هيئة دولية، وانسحبت إسرائيل إلى نحو 40 في المئة من الأراضي، تاركة “حماس” تسيطر على الجزء الغربي من غزة، بينما بقي الجزء الشرقي تحت السيطرة الإسرائيلية بانتظار تنفيذ خطة ترمب.
ولم يسمح عامل الوقت بنشر قوة دولية لتحقيق الاستقرار، وهي القوة التي كان وجودها ضرورياً لبدء الاستثمارات الكبرى، كذلك لم يتم نشر أي قوة عربية، وأدى الفشل في هزيمة النظام في إيران في نهاية المطاف إلى عدم القضاء على “حماس” واستبدال قوة عربية فلسطينية بها، وبدلاً من ذلك نشأ وضع جديد قائم على الأمر الواقع.
وهكذا، كان هناك انتصار تاريخي ورمزي كبير في متناول الإدارة، لكنه لم يتحقق بالكامل.
لبنان
في لبنان، أدت حرب إسرائيل و”حزب الله” إلى هزيمة عسكرية كبيرة للحزب، شملت تدمير جزء كبير من بنيته التحتية للأسلحة الاستراتيجية، والقضاء على معظم قياداته، وتنفيذ توغلات إسرائيلية في جنوب لبنان.
دعمت الولايات المتحدة العمليات الإسرائيلية في عام 2025 ومعظم عام 2026، لكن بناءً على نصائح قدمها وسطاء وتقييمات استخبارية، دعت واشنطن إسرائيل إلى تجميد عملياتها الكبرى ضد الميليشيات المدعومة من إيران في لبنان.
وكانت الإدارة قد تلقت وعوداً بتحقيق انتصار دبلوماسي كبير يبدأ بإطار لمحادثات ثلاثية في واشنطن، وفي تلك المرحلة، كانت الولايات المتحدة أقرب من أي وقت مضى إلى تغيير ميزان القوى في لبنان، لكن واشنطن اقتنعت بدلاً من ذلك بالسعي إلى نتيجة مشابهة عبر المسار الدبلوماسي من خلال ما سمي بـ”اتفاق الإطار”.
ثم مارس “حزب الله” ضغوطاً على الحكومة اللبنانية لمنع تنفيذ الاتفاق، الأمر الذي أبقى ميزان القوى القائم إلى حد كبير، فيما بقيت المنطقة بانتظار تفاهم أوسع مع النظام في طهران.
اليمن
في اليمن، أمرت طهران الحوثيين في البداية بالامتناع عن شن هجمات كبرى ضد القوات الحكومية إلى حين حسم أو تجميد الوضع المتعلق بمضيق هرمز، لكن ذلك تغير عندما خلص النظام إلى أن الإدارة قررت وقف عملياتها العسكرية الكبرى في الخليج والاعتماد بصورة أساسية على المفاوضات، مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، عندها أمرت طهران الحوثيين باستئناف هجماتهم على طول الساحل وضد القوات اليمنية النظامية.
وكان بإمكان واشنطن تحقيق انتصار سريع وحاسم على الحوثيين لو أنها أطلقت هجوماً مضاداً مستداماً بالتعاون مع السعودية والقوات المتحالفة، بدءاً من عام 2025 واستمراراً خلال الأشهر الأولى من عام 2026، لكن المسار الدبلوماسي فرض مرة أخرى وقفاً للعمليات في البحر الأحمر، مما سمح للحوثيين بإعادة تزويد أنفسهم بالأسلحة والذخائر،
وفي النهاية، أمرت طهران صنعاء بتولي زمام المبادرة بدلاً من العمليات في الخليج.
العراق
في العراق أيضاً، كانت ساحة المعركة توفر فرصة لتحقيق انتصار أميركي، فقد أظهرت واشنطن قوتها العسكرية من خلال ضربات ضد قوات الحشد، لكنها انتقلت سريعاً إلى المفاوضات مع الحكومة المركزية أملاً في التوصل إلى تسوية سياسية.
ومرة أخرى، كان الخيار العسكري يتيح إمكان تحقيق النصر، لكن النصيحة التي قُدمت إلى واشنطن كانت انتظار حل تفاوضي.
5 انتصارات محتملة
باختصار، كانت هناك خمسة انتصارات محتملة في الأقل ضد النظام الخميني وحلفائه كان من الممكن إعلانها: إيران، و”حزب الله” في لبنان، والحوثيون في اليمن، والقوى المدعومة من إيران في العراق، وحل أوسع للنزاع الروسي -الأوكراني.
وكان من الممكن حتى لانتصار واحد من هذه الانتصارات أن يمنح الحزب الجمهوري رصيداً سياسياً كبيراً وأن يحسن فرصه في انتخابات التجديد النصفي، لكن الإدارة اختارت التوجه نحو الانتخابات من دون الاستفادة الكاملة من تفوقها في ساحات القتال، ومع عدد من الترتيبات الدبلوماسية غير المكتملة أو الهشة.
قد يظل الحزب الجمهوري قادراً على تحقيق انتصار سياسي في الكونغرس وتسليم هذا التفويض إلى الرئيس ترمب، الذي يمكنه عندها استخدامه لإعادة توجيه السياسة ابتداءً من نوفمبر المقبل، لكن الأخطار مرتفعة، فقد يخسر الجمهوريون السيطرة على أحد المجلسين أو كليهما، مما يمنح المعارضة فرصة لتقييد سياسات الإدارة الحربية أو حتى وقفها، وسنعرف النتيجة قريباً.
كان من الممكن لخمسة انتصارات خارجية أن تمنح الإدارة رصيداً سياسياً كافياً للحفاظ على غالبية تشريعية، ولو كانت ضئيلة، أما الآن، فلا يزال بإمكان الإدارة الاستناد إلى إنجاز كبير في مجال الأمن القومي خلال عاميها الأولين، وهو إغلاق الحدود الجنوبية فعلياً والانخفاض الكبير في الهجرة غير الشرعية.
كان ذلك إنجازاً كبيراً، لكنه يظل عرضة للتراجع على يد إدارة ديمقراطية مستقبلية بعد عام 2028.
وكان من الممكن لانتصار حاسم في السياسة الخارجية عام 2026 أن يساعد في حماية إنجاز الحدود سياسياً وتعزيز سجل الإدارة الأوسع من النجاحات، لكن بدلاً من ذلك قد يصبح انتصار الحدود هو الإعلان الرئيس للإدارة عن نجاحاتها.
وفي نهاية المطاف، سيتوقف كثير على الطريقة التي ستصوغ بها المعارضة روايتها عن سجل الإدارة في وسائل الإعلام، وعلى مدى نجاح الإدارة في إيصال ما تعتبره إنجازاتها إلى الرأي العام، وسنرى.
