-
ياسين الحاج صالحالجمهورية .نت
-
-
-
1
من بين الجماعات التاريخية الكبيرة، العرب من الأكثر تبعية سياسية لمراكز السيطرة الدولية في عالم اليوم. ولأن التبعية تُصغِّرُ التابعين، فإن العرب يبدون جماعة صغيرة حديثة النشأة، بلا دور فاعل في العالم، أو نِثاراً من جماعات أصغر، متنازعة وقليلة الشأن. دول العرب تجمع بين استتباع سكانها والاستعداد لأن تُستتبَعَ لغيرها، وتجمع كذلك بين نفي استقلالية مواطنيها المُفترَضين وإساءة معاملتهم وبين تَمتُّعها بقدر متواضع من الاستقلالية هي ذاتها وتَقبُّلها لأن تُعامَل معاملة سيئة. وبموازاة ذلك ظهرت إسلامية عدمية نافية للعالم المعاصر ككل، وبخاصة للغرب، الذي تتبعُ له بصورة خاصة دول العرب المعاصرة. المسالك الإرهابية التي اتّبَعها إسلاميون في الحواضر الغربية عشرات المرات وأوقعت ألوف الضحايا المدنيين ليست نضالاً استقلالياً يقوم على حق الأمم في تقرير المصير والمساواة المبدئية في السيادة، بل هي أقربُ إلى رفض مطلق لمعاني العالم المعاصر، وليس لمبانيه وهياكله وحدها. وهي عدمية لأنها تجمع بين عنف إرهابي أعشى يستهدف مدنيين، وبين رفض قيم العالم الحديث بما فيها مبادئ السيادة وتقرير المصير التي تُشرِّعُ المقاومة المسلحة، وبما فيها القانون الدولي وشرعة حقوق الإنسان. ومثل التبعية، العدميةُ تُصغِّر، فهي مَسلكُ صغارٍ يحاولون تكبير أنفسهم بإيذاء الكبار، لا بالمشاركة في تَحمُّل المسؤولية عن أنفسهم وعن شؤون العالم المُشترَك مع غيرهم.
2
هل العلاقة سببية بين التبعية العربية والعدمية الإسلامية؟ اتجهَتْ إلى أن تكون قريبة من ذلك. عناصر التبعية وعناصر العدمية وُجِدَت في القرن العشرين في استقلالٍ عن بعضها، لكنها جنحت إلى الترابط في سبعينيات القرن. أبو الأعلى المودودي وسيد قطب، والسوري مروان حديد، ظهروا قبل ذلك. لكنهم كانوا أصحاب أفكار متطرّفة، لم تتشكل هياكل منظمة نافية لمجتمعاتنا الحديثة وللعالم إلا بعدهم (أخذت تتشكل في أيامه، فيما يخص مروان حديد). في مصر السبعينيات أخذت مجموعات مثل حركة التكفير والهجرة وشبيهات لها تخوض حرباً ضد النظام المصري تَوَّجتها باغتيال أنور السادات، الرئيس المصري الأسبق. في الوقت نفسه أخذت تظهر الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين في سورية، وتَتّبعُ مسالك مماثلة، مع تلوّن طائفي مُتوقّع في السياق السوري. لكن وعاء تخمير العدمية الإسلامية لأزيدَ من عقدين قادمين سيكون أفغانستان إثر الاحتلال السوفييتي عام 1979. هنا التقت مصالح دول وأجهزة استخبارات مع انفعالات إسلامية ثائرة على أوضاع مجتمعات العرب والمسلمين، وشكلت ظاهرةُ الجهاد الأفغاني الذي كان من وجه آخر مساحةَ التقاء بين شبان ثائرين غاضبين، أو مغامرين ساعين وراء حياة أكبر، وبين مُنظّرين ومُنظّمين أكبر سناً وأوسعَ نفاذاً إلى موارد مادية وعقدية.
حرب الخليج الثانية التي أعقبت احتلال العراق للكويت، وتَقاطُر مئات الألوف من قوات أميركية وغربية، إلى قواعد عسكرية في السعودية والخليج، زجَّت الحركة العدمية في مواجهة الشرط التَبعَي وخلقت علاقة سببية أو ضرورية بينهما. أسامة بن لادن اقترحَ عام 1990 خروجَ القوات الأجنبية من المُهود الإسلامية المقدسة ومشاركةَ مجاهديه في طرد قوات صدام حسين من الكويت. مثل مبادرات أخرى، ذهبت فكرة بن لادن أدراج الرياح، وتحولت منظمةُ القاعدة الناشئة للتو إلى قوة معادية بإطلاقٍ لا سياسي، عدميٍ بالفعل، للغرب وللأنظمة العربية في تسعينيات القرن العشرين.
لم تأت أفكار بن لادن من فراغ. فهو سعودي المُنحدَر، والمملكة العربية السعودية جمعت على نحو مُفارِق بين تبعية أمنية وسياسية لأميركا (واقتصادية وتكنولوجية للغرب) في سنوات الحرب الباردة من الأشد عربياً، وبين قيام الحكم السعودي على الوهابية، النسخة الأكثر انكفاءً عن العالم ومقاطعة، بل تكفيراً، له من نسخ السلفية الإسلامية، وإن مع تسليمِ تيارٍ وهابي واسع للحاكمين بوصفهم أولياء أمر الأمة، وحَظْرِ الخروج عليهم. ظهر توتر بين تيار سيادي وهابي والتبعية الحكومية في وقت أبكر، مُزامن لظهور التشكيلات الجهادية في مصر وسورية، تَمثَّلَ في الجماعة السلفية المحتسبة، بقيادة جهيمان العتيبي. الجماعة احتلوا الحرم المكي عام 1979، وأخذوا مصلين فيه رهائن، وكفّروا الحُكْمَ السعودي من منبره، وطلبوا البيعة لمن قالوا إنه المهدي المنتظر، محمد بن عبد الله القحطاني، صهر جهيمان. قُضي عليهم وقتها بمساندة كوماندوس فرنسي، ويُحتمَل أن ألوفاً سقطوا في العملية، وأُعدِمَ عشراتٌ ممن لم يُقتلوا فيها.
هذه العملية، ثم الثورة في إيران في العام نفسه، دفعتا نحو ردٍّ أشدَّ فصامية: مزيدٌ من الانعزالية الإسلامية في الداخل باسم «الصحوة الإسلامية المباركة»، ومزيدٌ من التبعية السياسية والأمنية. وهو ما عزَّزه في الوقت نفسه تقريباً بدءُ الجهاد الأفغاني بمشاركة سعودية نشطة، بشرية ومالية وفكرية.
بقدوم القوات الأميركية والغربية إلى السعودية والخليج بعد 11 عاماً، انفجر التوتر بين مُكونَي الحكم السعودي، الإسلام الوهابي وحكم الأسرة، وصارت تأويلاتٌ انشقاقيةٌ للوهابية رافداً عقدياً للتمرد على الحكم الذي شرَّعَ نفسه بها، وللنزعات التطرُّفية العدمية في الإسلام السُنّي بعد التسعينيات. القاعدة نتاجُ لقاء على التراب الأفغاني بين الوهابية السعودية المنشقة وبين الحاكمية الإلهية المودودية القطبية.
3
كانت القومية العربية قد جمعت بصورةٍ ما بين رفضِ التبعية للقوى الدولية المسيطرة (في شكل خطاب وسياسة مضادة للإمبريالية والاستعمار والصهيونية) دون ارتكازٍ حصري إلى الإسلام، ورفضِ الإسلامية السياسية دون الركون إلى قوى السيطرة الدولية، وحازت رغم ذلك عُمقاً شعبياً وخاطبت نوازعَ استقلالية عميقة في مجتمعاتنا. انهيارُ القومية العربية تسبَّبَ في انفراط هذا الجمع، وغذّى استعدادات التبعية الدولتية القائمة من قبل، والرفضية الدينية ذات الاستعدادات المُسبقة العدمية. عقد التسعينيات الذي أخذَ يصعدُ فيه نجم أسامة بن لادن هو كذلك عقد اتفاقات سلام مختلة مع إسرائيل، ونهاية الحرب الباردة، وأزمة ما بقي من قوى تقدمية عربية. بعضها عالجت الأزمة بأن أخذت تدورُ في فلك إيران، أي بتغيير المتبوع، فلم تكن نقيضاً لوضع التبعية. عقد التسعينيات ذاك هو كذلك الأوسطُ بين ثلاثة عقود من ترثيثٍ اجتماعيٍ متقدم في الدولة العربية التي كانت مركزية حتى ذلك الوقت: مصر وسورية والعراق والجزائر وكل مكان باستثناء الخليج. التبعية والتطرّف والرثاثة سارت معاً، ولعقود كانت الحياة في أكثرِ بلداننا صغيرة، تافهة، وبلا معنى، بأثر تَضافُر هذا الثالوث المريض.
4
دخلنا القرن الحادي والعشرين دون إرادة سياسية عربية مستقلة أو قوى تمثلها. تدشَّنَ القرنُ بالمقابل بعملية 11 أيلول (سبتمبر) 2001 الإرهابية في نيويورك وواشنطن، وقد عمقت في آنٍ شرطَ التبعية العربية والعدمية الإسلامية، ووفرت للأخيرة قدراً من شعبية ضمن قطاعات من البيئات المُرثَّثة في مجتمعات منقسمة بعمق.
من مسافة ربع قرن عن تلك الأيام ربما نرى دوامة غير عاقلة تعصف بالمجتمعات العربية وقتها: استكانةٌ من فوق وتمردٌ عدميٌ عقيمٌ من تحت، تبعية وأقلّ من استقلال مع عدوانية وأكثر من استقلال، أكثر من ضرب واحد من فساد الدولة والدين معاً. وبينما تصير الدولة عجلاً ذهبياً مقدساً، يصير الدين قوة سياسية مسلحة. بعبارة أخرى، صارت الدولةُ أقربَ إلى دين، والدينُ أقربَ إلى دولة.
أنشأ زمنُ الحرب ضد الإرهاب ربطاً بين الإسلام والإرهاب، ووضعَ الدول في مجالنا، وفي كل العالم، في مواجهة المنظمات العدمية الإسلامية، فعزَّزَ تَرابُط العدمية والتبعية. وهو ما سيتكرّسُ بعدَ الثورات العربية، وفي سورية أكثر من غيرها حيث ستندرج مواجهة الثورة في الحرب ضد الإرهاب، القضية المقبولة دولياً، منذ بداية عام 2013، على نحو لعبَ لمصلحة الحكم الأسدي لسنوات طويلة، قبل أن يلعبَ ضده في النهاية، وإن بعد نحو 12 عاماً، وهذا عبر تَحوُّلِ قوى عدمية وإرهابية سابقة، لكن متمرسة بالقتال وغير فوضوية، إلى نواة لطيفٍ أوسعَ من قوى مسلحة تمكنت من إسقاطه.
لطالما كانت أوضاع سورية فريدة، وهي فريدة اليوم كذلك من حيث أنها مسرحُ التقاءِ التبعية العربية والعدمية الإسلامية. من جهة، لدينا سلطة جديدة تحاول تطبيع نفسها بأن تُقبَلَ بين الدول العربية كواحدة منها، وتُقبَلَ من القوى الدولية كسلطة غير إرهابية وبلا تطلُّعات ثورية، هذا بينما الفريقُ الحاكمُ سليلُ العدمية الإسلامية، منحدرٌ من صلبها، وغيرُ قليل من ميراث هذا المنشأ قائمٌ اليوم: مجاهدون أجانب، مسالكُ غلبة وتَشدُّد ديني من قبل كوادر في الحكم الجديد، مرجعيات دينية في وزارات ودوائر حكومية.
اضطراب الأوضاع السورية يعود، جزئياً على الأقل، إلى تفاعل موقع الفريق المسيطر اليوم مع ميراثه، وتناقض التوقعات العامة المبنية على الموقع مع تلك المتصلة بالميراث الخاص.
ميزة وضع سورية اليوم، بالتالي، تتمثّلُ في أنه يطرح مشكلتي التبعية والعدمية بوصفهما شكلين مباشرين من التخلي عن المسؤولية. التبعيةُ تتخلى عنها بالاعتماد على حُماة أجانب لا يحمون في النهاية مثلما هو ظاهر اليوم في بلدان الخليج، ومثلما ظهر بخصوص الحكم الأسدي، وإن بعد خراب سورية؛ والعدميةُ تتخلى عن المسؤولية بإرادة عُظامية لتدمير عالم غير ودود يستطيع تدميرنا ألف مرة أكثر. هذا تطرُّف، وذاك تطرُّف أيضاً. لقد حصلنا على تطرُّفين اثنين بينما المطلوب اعتدالٌ واحد.
5
الراهن الذي يتحتم تجاوزه هو التعايش الصراعي بين مرض الإسلامية الطفولي الذي هو العدمية وبين مرض الدولة الشيخوخي الذي هو التبعية. هذه دائرة مرض مغلقة، لا حياة في مجالنا دون كسرها. فلا التبعية هي الحلُّ للعدمية ولا هذه هي الحلُّ للتبعية. الحل هو تجاوزهما معاً. نظرياً، يمكن أن نفكر في دول تعرض منازعَ استقلالية متزنة وعقلانية، وتجتهد في أن تكون قادرة على الدفاع عن نفسها، ثم في حركات إسلامية أقل عدائية للعالم وأدنى انعزالية فيه، أكثر روحانية وأخلاقية وأقلّ سياسية كذلك. وإذا فكرنا تاريخياً فإن هذا الأفق الذي يتعين التوجه نحوه هو ما سبق أن تلامحَ بصورة فوقية في القومية العربية.
اليوم، ما يمكن أن يكون منطلقاً لتجاوزٍ غير فوقي لثنائي التطرُّف، العدمية والتبعية، هو تحويل هياكلنا السياسية القائمة باتجاه ديمقراطي، يُشرِكُ عشرات ملايين الناس في صُنع مصيرهم. إذ تُحوِّلُ هذه العمليةُ الديمقراطيةُ عنقَ السياسة نحو الدواخل الاجتماعية، فإنها تُؤسِّس للاستقلال والمسؤولية؛ الاعتدال الواحد اللازم.
-