بعد ساعات على إطلاق “حزب الله” حرب “الإسناد” في الثامن من تشرين الأول (أكتوبر) عام 2023، بدأت إسرائيل عملية تدمير ممنهجة لبلدات الخط الحدودي على الجانب اللبناني. لم تمر شهور عديدة حتى اكتشفنا أن لدى إسرائيل خطة ممنهجة لتدمير المنطقة الحدودية وإخلائها من السكان بشكل كامل. حصل ذلك من خلال عمليات قصف متواصلة خلال الحرب، لكن بما أن إسرائيل انشغلت بالإبادة في قطاع غزة وما تتطلبه من تدمير واستخدام مكثف لسلاح الجو والذخائر، فإن الدمار في جنوب لبنان لم يكن في المستوى عينه.
العقيدة الأمنية الإسرائيلية بعد السابع من تشرين الأول (أكتوبر) قامت على أساسين. الأول أن الدولة العبرية تحتاج الى حدود خالية من مجتمعات قد تُمثل تهديداً أمنياً لها، كمثل الفلسطينيين أو اللبنانيين الشيعة أو السوريين. صار تطهير هذه المناطق عرقياً من المجتمعات التي قد تُمثل أو تحتضن تهديدات، حاجة أمنية، بغض النظر عن تداعيات ذلك على المستوى الدولي والإنساني. الأساس الثاني كان اعتبار السيطرة على أراضي واقتطاعها وتطهيرها عرقياً، جزءاً من الرد على أي عملية أو حرب أو تهديد ضد إسرائيل. هذا عقاب جماعي يُمثل جزءاً من عقيدة الردع.
هذه الصورة لم تتضح سريعاً في الجانب اللبناني من الحرب. إلا أن سلسلة الضربات التي مُني بها الحزب في أيلول (سبتمبر) حتى تشرين الثاني (نوفمبر) عام 2024، وانتهت بوقف للنار بعد اغتيال كبار قادة التنظيم، أتاحت طرح الرؤية الإسرائيلية للتسوية المبنية على مكونين أساسيين: الأول كان عملية نزع سلاح حزب الله بإشراف أميركي. والثاني كان قيد التداول في الطروحات التي قدمها الموفد الأميركي توم براك، ويقوم على إنشاء منطقة عازلة تحت مسمى اقتصادي. هذه المنطقة الحدودية لا سُكان فيها، بل لها وظيفة اقتصادية مشتركة تُشارك الدولة اللبنانية أطرافاً أخرى منها إسرائيل، السيادة فيها.
حدود هذه المنطقة اقتصرت على بضعة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية.
لكن حرب “الانتقام” لاغتيال المرشد علي خامنئي في الثاني من آذار (مارس) الماضي، وفّرت ذريعة لعملية إسرائيلية أوسع. حينها اتسعت رقعة الاحتلال للأراضي اللبنانية لتشمل عشرات البلدات اللبنانية وتبدأ إسرائيل عمليات تفجير يومية طالت كل أنواع البناء واستمرت حتى بعد وقف النار وخلال المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية واعلاناتها المتتالية.
اليوم وبحسب صحيفة “نيويورك تايمز”، تعرضت 48 بلدة لبنانية لتدمير كامل، و12 بلدة أخرى تحت الاحتلال لتدمير واسع. وفقاً للتقرير عينه، دمرت حرائق واسعة المزارع وأشجار الزيتون في المنطقة المحتلة، لتكتمل صورة أرض محروقة غير قابلة للحياة تماماً. كما تُواصل بناء منشآت عسكرية وبنى تحتية لها في المنطقة المحتلة لتؤكد بقائها فترة طويلة.
بعد سنوات على عملية التطهير العرقي، ما هي الدروس التي نستخلصها؟
أولاً، أن سياسة “حزب الله” جزء لا يتجزأ مما يرتكبه الاحتلال الإسرائيلي اليوم، وأي محاولة لبنانية لوقف هذا العدوان يجب أن تكون مزدوجة أو مركبة في طبيعتها، على اعتبار التهديدين متصلين. الخطة الإسرائيلية لتطهير المنطقة بأسرها تتسع نتيجة سياسات “حزب الله”، وتتغذى عليها.
ثانياً، هذا الاحتلال ليس موقتاً. ما ترتكبه إسرائيل جنوباً يبدو في الوهلة الأولى اجراء أو رد فعل بانتظار نزع سلاح “حزب الله”، لكن التصريحات الحكومية الإسرائيلية الداعية لضم المنطقة لحدود إسرائيل، وعمليات التدمير اليومية والممنهجة تُؤشر لأن الاحتلال دائم وفعل استراتيجي، ولا يرتبط بسياسة تكتيكية أو رد فعل أو بإدارة بنيامين نتنياهو.
في لبنان، هناك قناعة بأن الاحتلال الإسرائيلي موقت أو يستهدف اللبنانيين الشيعة فحسب، كونهم بيئة حاضنة لـِ “حزب الله”. لكن الواقع أن بضعة قرى غير شيعية معزولة وتُعاني في الوصول إلى بيروت وتحتاج إلى ضمانات يومية للاستمرار في تأمين حاجاتها، هي خاضعة لحُكم التهجير “على نار خفيفة” (مسيحيو الجنوب يعيشون اليوم تجربة تُشبه في جوانب منها ما يُعانيه سكان الضفة الغربية). التهجير سيشمل الجنوبيين جميعاً.
المطلوب اليوم من الدولة اللبنانية التعامل مع هذا الواقع المركب عبر مقاربة مختلفة.
أولاً، مواصلة إيضاح الصورة المركبة للرأي العام، بأن السلاح الإيراني الموجود في لبنان يرتبط عضوياً بسياسة الاحتلال، وأن المطالبة بنزعه لا تعني الثقة بالجانب الاسرائيلي أو بالتزامه نتائج المفاوضات. وتصريحات رئيس الحكومة نواف سلام ورئيس الجمهورية جوزاف عون، تُشير لذلك، ولكن يجب أن تكون دائرة الخطاب أوسع وأكثر وضوحاً وصراحة لرأي عام يتعرض للتضليل. لبنان يحتاج إلى إجماع وطني على مواجهة مشروع الاحتلال أكان من خلال الدبلوماسية وحشد الدعم الخارجي أو دعم صمود الناس، ولا يُمكن أن يتحقق ذلك مع سلاح تنظيم يخدم المشروع المقابل.
ثانياً، يجب أن يترافق الانخراط اللبناني بالمفاوضات، مع تأكيد على حق اللبنانيين بالعودة لقراهم وإظهار صورة العقاب الجماعي والارتكابات اليومية بحق الممتلكات والبنى التحتية (وأغلبها خلال وقف النار). لا يُظهر لبنان الرسمي هذا الأمر بالمستوى المطلوب، وتحديداً لدى المراجع الدولية وفي علاقاتنا الخارجية. هذه مسؤولية وزارة الخارجية التي تُركز اليوم فقط على “حزب الله” وإيران وتفوتها كثيراً صور جرائم التطهير العرقي بحق الجنوبيين اليوم.
لا إشكال أبداً في الجمع بين المطالبة بنزع السلاح أو حصره وخوض المسار الدبلوماسي، والتأكيد على حق الناس بالعودة لقراهم وإظهار طبيعة عملية التطهير العرقي. بل يجب أن تكون كلها مشمولة في سلة سياسات الحكومة اليوم لأن ما يحصل في الجنوب ليس محصوراً في مرحلة زمنية محدودة بل هي جريمة ستبقى معنا آثارها لأجيال.