منذ أول بحثٍ تناول ظاهرةَ الصدمة النفسية، كانت مسألة الحقيقة مركزية. وإذا راجعنا تاريخ تلك البحوث، سنجده غير متواصل: فتراتٌ من البحث المكثّف تتناوبُ مع استراحات طويلة يَندُر فيها الاهتمامُ بالموضوع. بعضُ الباحثين والباحثات، مثل جوديت هيرمان، سوف يرون في ذلك أحد جوانب الصدمة نفسها: الرغبة في عدم رؤية الحقيقة، إشاحة البصر – أو ما سمّاه لاكان «شغف الجهل» أو شغف عدم الرغبة بالمعرفة. ومما يلفت النظر هو اهتمامنا الحالي والمستمر بالصدمة، إلى درجة صارت التروما «مصطلحًا عاميًا». إن مصطلح «التروما» يختصر حاليًا معطىً مركزيًا في مجتمعنا وتجربتنا الذاتية. هل هذا يعني أننا انتصرنا على عدم الرغبة بالمعرفة؟ وأننا تجرأنا أخيرًا على مواجهة الحقيقة؟

الحقيقة ضمن عذابات الصدمة

غالبًا ما كانت لحظات اهتمام البحث العلمي في القرن العشرين تنبع من ضرورة مجتمعية مُلّحة. خذوا على سبيل المثال ضحايا كوارث القطارات في بريطانيا في نهاية القرن التاسع عشر، أو جنود الحرب العالمية الثانية الذين عانوا ممّا سُمّي لاحقًا بـ«صدمة القصف». لم يسبق أن شوهدت كوارث بهذا الحجم في ذلك الزمن، كما ساعد الإعلام الصاعد على انتشار صور الفظاعات والشهادات بشكل واسع – بدافع التعطش للإثارة وإبراز مَخاطر الحداثة – مما جعل تلك الأحداث محورية في النقاش المجتمعي والعلمي.

وقد نتجَ عن تلك الأحداث أسئلة مُحرجة تتعلق بمجموعة من الضحايا الذين ظهرت عليهم أعراضٌ سريرية (البُكم، الشلل، نوبات الهلع، العمى)، ولكن من دون العثور على إصابات ظاهرة للعيان. كيف نفهم تلك الأعراض إذا كان ثمة مستفيدون من الاعتراف بها؟ يستفيد الجندي من الإقالة لأسباب طبية التي غالبًا ما تكون المَخرجَ الوحيد من حرب خنادق ميؤوس منها، أمّا بالنسبة للناجي من كارثة القطار فقد شكّلَ الاعتراف بأن الحادثة هي سببُ العذاب طريقةً للحصول على تعويض مالي. كانت هذه الأعراض غير المفهومة تتطلب تفسيرات، ولم يحصل حتى الآن إجماع حول أيٍّ منها. انتشرت عدة نماذج تفسيرية، ولطالما لعبت مؤثرات غير علمية في رواج تلك النماذج. بالنسبة لضحايا شركات سكك الحديد، كانت النماذج التفسيرية التي تُحمّلهم المسؤولية هي المفضّلة من الناحية المالية مقارنة مع تلك التي تُحيل إلى حادثة القطار كسبب للمعاناة النفسية. وبالنسبة لقادة الجنود، كانت أعراض صدمة القصف عبارة عن «مرض في الإرادة الحسنة» (sinistrosis)، والتي يصلح علاجها بإعطاء صعقات كهربائية تتدرج قوتها إلى أن «تشفى» إرادة الجندي. وفي حال تم ربط الأعراض بالانفجارات في ساحة القتال والاعتراف بها كضرر حقيقي، سوف يُهدِّد ذلك بانسحاب الجنود، الواحد تلو الآخر، فلا يبقى أحدٌ يدير عجلة الحرب. لطالما لعبت دوافع اقتصادية وعسكرية وسياسية وأخلاقية محضة دورًا في رواج نماذج معينة تُفسِّر الصدمة النفسية.

لقد تم التشكيك بالضحايا منذ أول مواجهة مجتمعية إذن، وكان ثمة تخوّف من أنهم يسعون لتحقيق مكاسبهم الشخصية، وأن مرضهم يكمن في «الإرادة» قبل أي شيء آخر. هذا يعني أن مسألة حقيقة المعاناة كانت مركزية منذ البداية.

كم تطورنا منذ تلك الأيام! ففي حين كان يُنظَر إلى أعراض الصدمة على أنها دليل على الإرادة السيئة – كنوع من المحاكاة أو أمر لا يُمكن الوثوق به – بدأت تظهر تحليلات فلسفية تُفسّر الصدمة كمكان للحقيقة. والأمور التي كانت لا تُناقش، صارت اليوم غير قابلة للتجاهل. ينبغي أن نَقدِرَ على قول كل شيء وتسمية الأمور بأسمائها. صارت الصدمة تذكارًا لحقيقة لا يحق لنا نسيانُها.

وبين هذين القطبين يوجد العديد من المنعطفات. وبتأثير سيغموند فرويد، كنّا قد اكتشفنا في زمن الحرب العالمية الثانية أن «المحاكاة» تفسير ساذج لتلك الظواهر الرضيّة. غير أنه ما زال ثمة إجماع بأن صدمة القصف عبارة عن «ردة فعل غير طبيعية على وضع طبيعي». هذا يعني أنه تمّ تفسير الأثر الكارثي للحرب على بعض الرجال بأنّه نابع عن عامل داخلي موجود مسبقًا لدى الفرد الذي لم يُحسن التعامل مع متطلبات الحياة «الطبيعية». ولم يدخل تشخيص «اضطراب كرب ما بعد الصدمة» في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية، عام 1980، إلا بفضل الهولوكوست وعدة عقود من نضال المحاربين القدامى في فيتنام والحركة النِسوية. منذ ذلك الحين صارت الصدمة «ردة فعل طبيعية على وضع غير طبيعي»، بحيث انتقلت المسؤولية إلى العوامل الخارجية، ولم تَعُد الضحية مُشتبهاً بها. في حال أردتم التعمق في تاريخ التشكل النظري الشاق والممتع فيما يتعلق بالصدمة النفسية، يمكنكم استشارة كتب آلان يونغ، وروجر لاكهورست، أو فاسين وريختمان (انظروا أيضًا مقالتي حول العمود الفقري للسكك الحديدية).

وصلنا إلى نقطة نعتقد فيها أننا صرنا – أخيرًا! – نرى حقيقة الصدمة النفسية. الفكرة هي أننا قابعون تحت رحمة عنف الواقع الخارجي والآخر الشرير اللذين لا بدّ أن يتركا أثرهما على حياتنا الروحية. يعرقلُ الواقع الخارجي بكثافته وعنفه ولؤمه قدرتنا على التعامل معه بشكل ملائم، فتظهر مختلف الأعراض عبر عملية أقرب للميكانيكية تحاول معالجة الحادثة.

يبدو الأمر كالحقيقة، وأن كل هذا صحيح. وبينما كنا سابقًا نعتبر أنه من غير الأخلاقي أن يُصاب شخص بصدمة نفسية، لأن هذا سيكون ردة فعل «غير رجولية» أو مؤشرًا على الهيستيريا أو الضعف أو المحاكاة، صار اليوم من غير اللائق مُساءلة دور الضحية أو واقعها الداخلي في نشوء المعاناة. توصلنا كمجتمع إلى أن الصدمة لا علاقة لها بالذات، بل صارت تقريبًا جزءًا من الجسد والجهاز العصبي، وهذا طبعًا له تأثيره على طريقتنا في علاج هذه المشاكل. نرى في السنوات الأخيرة أن التركيز في علاج الرضوض النفسية يتحول شيئًا فشيئًا إلى الجسد والجهاز العصبي (انظروا على سبيل المثال علاج التجريب الجسدي الذي ابتكره بيتر ليفين). الفكرة هي أن التجربة الرضيّة تُدخِلُ الإنسان في حالة يقظة دائمة، وأن العلاج يكمن في عودة الجسد إلى حالة من الراحة والأمان والتواصل.

انطلاقًا من روح العصر وافتراضاته المسبقة، بدأت تتشكّل رؤية معينة حول الصدمة النفسية تُقارِب الحقيقة ويشعر المرء بأنها «صحيحة»، وتنعكس في بنية الـ PTSD (اضطراب كرب ما بعد الصدمة). هذه الرؤية مُهيمنة جدًا، ولا تسمح بالنظر إلى الرضّ النفسي بطريقة مغايرة. وكما سنرى، فهي أيضًا رؤية إشكالية – لأنها، كغيرها، لا يمكن أن تكون حيادية، بل تُدخِلُ عبر منطلقاتها الطبية الحيوية مجموعةً كبيرة من الافتراضات والإيديولوجيا.

بالنسبة لي، ليس مُستهجَنًا أن أفترضَ أن نجاح هذا النموذج محكومٌ أيضًا بعوامل غير علمية، كما سبق أن حصل مع النماذج السائدة في تاريخ البحث في الصدمة النفسية. إن شعبية خطابات التروما الحالية، وانتشارها الواسع، حتى في الثقافة الشعبية، أي أبعد من مجال الطبيب والمختص النفسي، لم تَنتُج عن كون هذا النموذج يتبنى مقاربة أفضل لمتلازمة مرضية موجودة سلفًا. في رأيي، تنبع شعبية مفهوم «اضطراب كرب ما بعد الصدمة» والشعور بأنه «حقيقي» و«صحيح» من نجاحه أكثر من غيره في تجسيد الأخلاق المجتمعية الحالية ورؤيتنا إلى أنفسنا كأفراد هشّين ومنفصلين عن بعضنا بعضًا. تُعبّر خطابات التروما الحالية عن إحساسنا بأنفسنا وموقعنا الأخلاقي حيال العذاب – وهذا هو ما تغيّر بشكل جذري في الخمسين عامًا الماضية. يمكننا تلخيص هذا الموقع كما يلي: الشر موجود، خارجي وعَرَضي، ولا علاقة له بالضحية البريئة وغير المضَمَّنة. إن تشخيص «تروما» يتضمن على هذا النحو حكمًا أخلاقيًا، لأنه يحصر مسؤولية المعاناة بالطرف الخارجي، بطريقة تتجاوز النفسي والذاتي. لا شكّ أن لذلك مزايا في سياق التعويض عن المعاناة التي تمّ تَكبُّدها، ولكنه يتسبب كذلك بصعوبات في النهج العلاجي النفسي.

إن التحوّلات الأخيرة في النظرية، والتي تطرح شيئًا كـ«الجرح الأخلاقي» جنبًا إلى جنب مع «الصدمة» أو فوقها أو بدلًا عنها، تحاول استرداد هذا البُعد الذاتي الذي تمّ تجاهله. من خلال هذه المفاهيم، تُخلَق منطقة وسيطة تبتعد عن التطابق الأحادي بين الشخص المرضوض وضحية الجاني أو الحدث الخارجي. وعلى الرغم من أن هذه الأفكار واعدة، إلا أنها لم تتغلغل بعد في الخطاب النفسي أو المجتمعي.

حقيقة الـ «PTSD» أو اضطراب كرب ما بعد الصدمة

لم يدخل الـ «PTSD» في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية إلا في عام 1980، أي في الطبعة الثالثة التي شهدت تحوُّلًا نحو طب نفس «علمي». وقد كان الـ «PTSD» هو التشخيص الوحيد الذي حُدِّدت معه الآلية المسببة للمرض: ذِكرٌ صريح لأحداث يُعتقد أنها تؤدي حتمًا و«من تلقاء نفسها» إلى الاعتلال.

في النسخة الأولى، كان معيار  التشخيص على النحو التالي: «حدثٌ استثنائي يسبب الأعراض لدى جميع الناس تقريبًا». غير أن البحوث أثبتت أن الأحداث الاستثنائية لم تكن استثنائية على الإطلاق، حتى في السياق الغربي: 94 بالمئة من الناس يُواجهون عاجلًا أم آجلًا حدثًا من هذا النوع. أمّا الأكثر إثارة للدهشة: نسبةٌ صغيرة منهم سوف تعاني من مرض رضّي (طويل الأمد). إثرَ وقوع ذلك الحدث الاستثنائي الموصوف، يعاني معظم الناس من الخوف والقلق والكوابيس والومضات الارتجاعية، إلا أن هذه الأعراض تختفي عادة خلال فترة تتراوح من شهر واحد إلى ستة أشهر كحد أقصى بعد الحادثة.

وهذا ما يُثير تساؤلات جدية حول المنطق الكامن وراء تشخيص «اضطراب كرب ما بعد الصدمة». فما ندرك جميعًا بشكل فطري أنه موقف صادم، يتضح أنه لا يترتب عليه أي نتائج رضيّة بالنسبة للأغلبية. فضلًا عن أن كثيرًا من الناس عانوا من الأعراض ذاتها إثر أحداث لا تُعتَبر «صاعقة» أو مُهدِّدة للحياة: طلاق، خيانة زوجية، مشاكل مالية، عنصرية… لدينا إذن أحداثٌ صادمةٌ من دون ردات فعل رضيّة، وردات فعل رضيّة من دون أحداث صادمة.

وفي آخر المطاف ظهر أن ثمة آثارًا عكسية (أي سلبية) للتدخلات الإنسانية التي تُقدَّم بأحسن النوايا وأفضل المعارف للمصابين والمصابات بالرضوض النفسية. بمعنى آخر: تبيّنَ أن الضحايا، الذين شُجِّعوا على الكلام مباشرة عن الحدث الرضّي وفق نهج علاجي نفسي غربي، كان وضعهم أسوأ من أولئك الذين تُرِكوا بحالهم ولم يتلقوا أي مساعدة من عالِم نفس متخصص بالصدمات النفسية. عادة ما يُفسَّر ذلك بالإشارة إلى الآثار غير المقصودة لإطار «اضطراب كرب ما بعد الصدمة»، والذي يعكس رؤيةً فرديةً مُنفسَنة ومنزوعة السياسة للصدمة النفسية.

رؤية فردية، لأن الخلفية الطبية الحيوية تُموضِعُ المرض «في الفرد»، حتى لو كان السبب خارجيًا. دماغ الفرد، وجهازه العصبي، هما المريضان أو المتضرران، مما يجعل العلاج الفردي أو النفسي الداخلي منطقيًا. بالمقابل تقوم المجتمعات الأقل فردانية بمعالجة الأحداث الصعبة بشكل جماعي، وتستخدم بالدرجة الأولى الصِّلات من أجل الشفاء. وقد ينتج عن فرض هذه السردية الفردانية على الثقافات الجماعية أن ينعزل الأفراد عن بعضهم بعضًا لعلاجهم «الواحد تلو الآخر».

ورؤية منزوعة السياسة، نظرًا إلى أن هذا الخطاب يساوي مفاهيميًا بين أحداث خارجية شديدة التباين. وهكذا تضيع خصوصية كل حدث (السياق، الاختلافات). كما يُنظَر إلى الشفاء بطريقة غير مادية بالدرجة الأولى (نفسية داخلية، بيولوجية) على حساب الإصلاح المادي، مثلًا تحليل وتقويم البنى السياسية التي أدت إلى التروما الجمعية. بطريقة ما، يقف نموذج الـ «PTSD» في وجه النشاطية السياسية ويُروِّجُ للوضع الراهن.

الصدمة النفسية والمعنى

لن أتوسَّع هنا في رؤية التحليل النفسي إلى الصدمة النفسية، بل سأكتفي ببضعة تأملات حول العمل التحليلي. وأجد نقطة انطلاق جيدة لهذا مع دونالد رامسفيلد، الذي ألقى محاضرة قصيرة عن نظرية المعرفة حين سُئل في بثٍّ إخباري عن وجود أسلحة الدمار الشامل في العراق – الأمر الذي من شأنه أن يبرر الحرب. أجاب أن ثمة (known knowns)، حقائق نحن متأكدون منها. ولدينا أيضًا (known unkowns)، حقائق نعلم أننا لا نعلمها. على سبيل المثال: نعلم أن لديهم رأساً نووياً، ولكننا لا نعلم أين يحتفظون به. وهناك أيضًا (unknown unknowns): أمور فظيعة ولا يمكن تصورها إلى درجة أننا لا نعلمها.

وقد لاحظ جيجك وقتها أن هناك فئة رابعة، وهي بالنسبة لنا الأكثر إثارة للاهتمام: (unknown knowns): الأمور التي لا نعلم أننا نعلمها.1 وهنا يمكننا أن نُموضِعَ اللاوعي: لدينا معارف تعمل في داخلنا وتوجه إدراكنا، وبها تتعلق رغباتنا وأحلامنا، وهي التي تُسيّر خياراتنا وأفعالنا. تلك المعارف مُتأصِّلة فينا، وتبدو بدهيةً إلى درجة أننا لا نعي أثرها الهائل علينا.

التحليل النفسي عبارة عن ممارسة التحدُّث، ويبدأ عادة عندما تنقطع حالة الانسياب. هناك عرض جسدي غير مُفسَّر: شلل أو خرس أو نوبات هلع. ثمة عضو ينفصل فجأة عن سائر أعضاء الجسد، ويبدأ يتصرف بشكل غريب، ويرفض أن يتبع إرادة الإيغو وخططه من دون أن تفهم الذات شيئًا. ويهرب «المعنى». أو: يُمارِس شخصٌ سلوكًا بطريقة لا يتعرف فيها على نفسه، كأن لا يتمكن رب الأسرة المحترم من منع نفسه عن الاستحلام أمام صور إباحية مثلية – هذه تجربة تواجهه بأمر غريب. أو الأم المحترمة التي لطالما كبحت عُنفها، ولكنها تأتي إلى العيادة وهي في حالة انفعال شديد بعد أن ضربت طفلها. أو الرجل (أو المرأة) الذي يقرف من نفسه، لأنه لم يستطع منع نفسه عن خيانة شريكته رغم النوايا الحسنة.

يزعم التحليل النفسي أن هذه الأعراض، هذه العناصر المتناقضة، تحمل إلى جانب الألم بعضًا من الحقيقة، ويدعونا للتحدث عن هذه الأمور وكل الأمور الأخرى. وأثناء الكلام، الذي حفّزه ذلك العَرَضُ المزعج، يمكن أن يحدث شيء مميز. وجراء كثافة المادة، والمواقف الكثيرة، والجوانب المتعددة لحياة الشخص، تتبلور معرفة تلامس حقيقة صعبة. وتكتشف الذات أن كثيرًا من الخيارات والسلوكيات التي يعتبرها المرء «حرة»، تحدّدت بدقة من خلال دوافع نشأت عن خصوصية تاريخ الفرد نفسه. من يختار؟ من يعيش؟ وهكذا تنهار بداهةُ أن نكون «فاعلين» في حياتنا الخاصة، وأن لدينا «أنا» قوية ومستقلة. هذا ما يُطلِق عليه زوبانسيك تسمية «فرضية نزع النفسانية». الإنسان أقرب للقصيدة منه إلى الشاعر: في الأماكن التي يعتقد أنه قادر على كتابة نفسه واتخاذ قرارات حرّة، يظهر أنه يتم تحديده أو تحديد «كتابته» من خلال معرفة تَفلِتُ منه.

غير أن التحليل لا يتوقف هنا: حين يُحدِّدُ دافعٌ لا نُقرُّ به خياراتِنا، فسوف نستنتج أن هذا الدافع ليست لديه أي قوة إجبارية. ثمة علاقة سببية «لا يمكن مقاومتها»، ولكننا في الوقت نفسه نشعر بالذنب حيالها. هذا الشعور بالذنب له معنى كبير في التحليل النفسي: في أعماقنا نشعر بالمسؤولية حيال ترسيخ السببية النفسية التي، إن وُجِدت، يصعب مقاومتها. وفي آخر المطاف يظهر أن ليس لهذا المنطق الضاغط أيُّ نقطة ارتكاز خارجنا. الذات هي الوحيدة التي تحمل هذا المنطق وبالتالي مسؤولة عنه.

والعَرَض يكون وقتئذ تعبيرًا عن اللاوعي الذي يشير إلى الذات (المعرفة التي لا نعلم أننا نعلمها) ويتجنبها في الوقت نفسه. العَرَض ليس «غريبًا» عن المنظومة، بل يُشكِّل قَلبَها. الأزمة التي تبدو خارجية وغريبة عن النفس، هي في حقيقة الأمر قَلبُ النفس: إنها تمتلك الحقيقة التي ما زالت غير معروفة، ولكنها فاعلة منذ زمن طويل! لا يؤدي العَرَض من تلقاء نفسه إلى الحقيقة، بل يحتاج إلى نشاط خاص من قِبل الذات.

أنسجة واقية – الصدمة كجرح 

من وجهة نظر التحليل النفسي: لا يعيش الإنسان «في الظروف الطبيعية» في أمن وسلام، في عالم متناغم. العالم الرمزي للإنسان مليءٌ بالثغرات التي لا ينجح في سدِّها؛ وتركيبة هذه النافذة الرمزية التي نفهم من خلالها العالم ونمنحه معنى، هي التي تجعل الواقعي الصادم، كما يسميه لاكان، يطفو على السطح في نقاط محددة للغاية. بهذا المعنى لا يمكن النظر إلى الصدمة بشكل منفصل عن المنظومة التي ظهرت فيها: إنها تُمثّل جوهرها الحميم، والذي يتم استبعاده في الوقت نفسه. بحيث تخلق المنظومة الرمزية بنفسها فضلةً لا يمكن ترميزها، شيءٌ يقاوم التمثيل اللغوي، ويدور حوله باستمرار. التجربة الرضيّة تكشف عن الثغرات في عالمنا المُتخيَّل رمزيًا.

إذا سارت الأمور على ما يرام، يُمكننا القول إن العالم والذات سوف يبدوان متماسكين، ويمكن التنبؤ بهما، ومكتفيين بذاتهما، ومستمرَين. يبدو هذا التماسك كما لو أنه الوضع الطبيعي القائم منذ البداية، شيء كان ولا زال وسيبقى هكذا. بينما تُوقِظُ الصدمة أمرًا كان سيظل مختفيًا، إنها تُثبِت أن الصورة التي بنيناها عن العالم وعن أنفسنا والآخرين ليست أكثر من صورة. وفجأة تظهر الثغرات في الصورة، ونفشل في خلق التماسك والاستمرارية. وينكسر شيء، ممّا يسبب شرخًا لا يُمكن تجاوزه أو فجوةً في تجربتنا. وهنا تصبح العودة إلى حياتنا ورؤيتنا القديمة غير ممكنة.

ربما هذا هو سبب النظرة الحالية إلى التروما على أنها لحظة اكتشاف الحقيقة: سوف نعي ما كان دائمًا موجودًا في فشل التمثيل فقط. بمعنى آخر: لا ندرك حقًا التمثُّلَ الحاصل باستمرار إلا بعد أن نواجه أمرًا لا يمكن تمثيله. وتشير عدم القدرة على معالجة حدث ما إلى قصور لا يمكن إنكاره ضمن الطرق «الطبيعية» لأداء الوظائف.

لا تتيح الدروب المعروفة أيَّ مَخرج من الصدمة، كما لا يمكننا الاعتماد على المعرفة الحالية، وذلك تحديدًا لأن الصدمة تُبطِلُ تلك المعرفة. تُبيّنُ الصدمةُ حدود المعرفة الحالية، لأنها تتهرب منها. لذلك لا يمكن اعتماد التعافي من الصدمة على المرتكزات التي تقدّمها المعرفة الحالية التي تمّ إبطالها.

نمو ما بعد الصدمة

تُعتَبر فكرة أن الصدمة تُفضي إلى «نمو ما بعد الصدمة» إشكالية من وجهة نظر التحليل النفسي. انطلاقًا من فكرة النمو، تتَّخذ الصدمة مكانة الإلهة الهندوسية كالي: مدمرة الأوهام. كل ما يقع تحت جبروتها، يتعرى زيفه. ترى النظريات النفسية الإدراكية المعاصرة الصدمة على أنها نوع من «التصحيح»، لأنها تمنح الإنسان «معلومات متعلقة بالصدمة» لا تتوافق مع البنية النفسية للضحية. بمعنى آخر، يتم دحض افتراضات الضحية وقناعاتها الأساسية من خلال المعلومات الواردة من الحدث الرضّي.

وبحسب مؤيدي فكرة نمو ما بعد الصدمة، يمكن تخفيف هذا التوتر (التنافُر المعرفي) بطريقتين. الأولى هي أن يحاول المرء «دمج» الحدث في البنية النفسية الحالية، بحيث يتم تجاهل طبيعة الصدمة المخِّلة والمزعزِعة للاستقرار: يحاول المرء إعادة تشكيل الصدمة كي تسمح بالتمسّك بطريقة التفكير القديمة. الطريقة الثانية هي أن يحاول المرء أن «يستوعب» المعلومات الصادمة الجديدة، هذا يعني أن ينطلق من المعلومات الجديدة ويُكيّف البنية النفسية مع تلك المعلومات. إن تعديل المرء لافتراضاته ورغباته وما شابه ذلك من شأنه أن يُوفّر صورة أكثر واقعية ودقة عن الوجود كإنسان. لذلك يُوصَف التعرّض للصدمة أحيانًا بأنه فرصة فريدة للنمو. غير أن التجربة علمتنا أن النمو لا يتحقق تلقائيًا بمجرد التعرّض لأحداثٍ مروّعة ومزعزِعة. بل على العكس: الأمراض الرضيّة غالبًا ما تكون مستعصية، وقد يعاني المصابون لمدة سنوات أو حتى عقود. وتُبيّن الأمراض الرضيّة أن مجرد مرور الزمن التسلسلي لا يشفي كل الجراح. فالعذابُ يستمر، ولا يلتئم الجرح. ولا يجد المرء ملاذًا أفضل من تخدير الألم عبر الإدمان، أو المزاودة عليه عبر إيذاء النفس. كما أن معدلات الانتحار مرتفعة لدى الناس الذين يعانون من آثار الصدمة لسنوات.

ويذكرنا جيجك بفقرة من مذكرات إحدى الناجيات من الهولوكوست، روث كلوغر، التي تصفُ فيها لقاءً مع باحث عبّرَ عن استيائه من باحث آخر يلعن العرب ويحتقرهم. لم يفهم الباحث كيف أن شخصًا نجا من معسكر أوشفيتز يمكن أن يفكر ويتكلم بهذه الطريقة. فأجابته كلوغر بحرقة: «ماذا كنت تتوقع؟ أوشفيتز ليست تجربة تعليمية! إنك لا تتعلم هناك أي شيء، فهل ستتعلم عن حب الناس والتسامح؟ لم يأتِ من معسكرات الاعتقال أي خير!».

لا تمنح الصدمة الإنسان نظرةً أكثر حقيقية إلى الحياة، نظرة أكثر واقعية وتأقلمًا إلى النفس والحياة. بل العكس هو الصحيح: الصدمة تُحطّم النافذة التي ننظر من خلالها إلى أنفسنا والعالم. حين تنهار النافذة، لن نرى شيئًا. ينبغي أن نحذر من الفكرة الرومانسية بأن لدى الناجين والناجيات طريقًا مباشرًا إلى معرفة حميمة أو حقيقة لا يتقاسمونها مع الآخرين.

الصدمة كحدث 

في ما يلي سأركز على ما تُقدمه فلسفة ألان باديو (Alain Badiou) بخصوص مفهوم التعامل مع الصدمة. فقد طوّرَ باديو منظومة فلسفية طَموحة تحاول أن توضّح إمكانيات التغيير الجوهرية ضمن الأنظمة المستقرة، فلسفة تستند إلى البنيوية والرياضيات وتقاليد الفلسفة المثالية لأفلاطون وكانط، وآخرين حداثيين كفيتغنستاين ولاكان وكانتور. الأمر الذي يفضي إلى نموذج شكلي يمكن تطبيقه على مختلف مجالات البحث لفهم التطورات النوعية في تلك الميادين، ويوضّح ما هو دور الذات والأخلاق ضمن تلك التطورات.

يُقارب باديو الأخلاق من حيث كيفية ارتباط الذات بالنداء المنبثق عن «شيء» غير مفهوم، وغير مُعرَّف، ولكنه يقتحم فجأة عالمًا معينًا من دون أن يكون له مكان فيه. ويُسمّي باديو هذا العنصر غير الممكن «حدثًا»، ويشرح كيف أن جواب الذات على الحدث يُسهّل إعادة التشكيل الداخلي للنظام المستقر الذي يظهر فيه. وقد تُفضي إعادة التشكيل هذه إلى خلق عالم جديد بالكامل، لا يُشبه العالم السابق في شيء. إن وصف العنصر غير الممكن الذي يظهر في النظام غير المهيأ للتعامل معه، والذي لا يملك الإطار الذي يمكن من خلاله فهم معناه، يُذكرنا عن غير قصد بتعريفات الصدمة. إن الانتباه إلى هذا التشابه اللافت يطرح سؤالًا: إلى أي مدى يمكننا الاستفادة من فلسفة باديو بغرض فهم أفضل لتأثيرات العنصر الرضّي ضمن السياق العيادي.

كما رأينا، فإن باديو يناقض بين مفهومين مركزيين: من ناحية لدينا «عالم»، أو وضع مستقر نسبيًا يسير وفق مجموعة من القواعد التي تُحدِّد ما هو الممكن وغير الممكن. ويُطلِق على هذه القواعد التي تُقرِّر ما يمكن أن يظهر أو لا يظهر في ذلك العالم تسمية «المتعالي». ينطلق باديو إذن من واقع غير مُتعيِّن كفاية، هذا يعني أن ثمة سُبلًا كثيرة لتنظيم أو عدّ الكينوية النقية، وكلّ طريقة لفعل ذلك (كلٌّ متعالٍ) تخلق عالمًا خاصًا.

يرتبط ما هو «موجود» بالنسبة لنا كبشر بمبدأ تنظيمي يُقرّر ما يمكنه أن يظهر أو لا يظهر في عالم معين. العالم بالنسبة لباديو هو بشكل مبسّط نظام مستقر على نحو ما، هو طريقة للعدّ أو الهيكلة تحدِّد الدرجات الدنيا والقصوى للظهور. ولا يُقرِّر المتعالي ما هو الموجود في عالم ما فحسب، بل يُعرّف ما هو الممكن وغير الممكن. ونظرًا لعدم حتمية الواقع، فإن كلّ شكل للعدّ أو التنظيم اعتباطيٌ وهشّ. إذ يخلق كل متعالٍ مناطقه الخاصة القابلة للكسر، وتوتراته الداخلية، وعداواته. كلُّ سردية ينسجها الإنسان حول نفسه والعالم هي طريقة لـ«التمثيل» تُبرز أمورًا معينةً وتُغطي على أمور أخرى بشكل كامل. هذا ما يحصل أيضًا على المستوى الجماعي، وفي ميادين مختلفة، في ما يُسمّى أحيانًا البارادايمات على سبيل المثال. يُساعد البارادايم على تحديد موقعك في ميدان معين، ويوضح بعض الأمور، ويجعل أمورًا أخرى «غير معقولة». نرى في الطب النفسي على سبيل المثال عددًا مُحدَّدًا من التشخيصات الرسمية التي ينبغي على المعاناة النفسية أن تجد مكانها ضمنها. غير أن كل تصنيف يترك مجموعة من «الحالات» التي لا يمكن زجّها في أي خانة، أو التي تستوفي شروط عدة توصيفات تشخيصية. وتُشكِّل هذه المجموعة المتبقية، والكبيرة بشكل مقلق، تحديًا للنظام وضغطًا على طريقة العدِّ.

في سياق هذا العالم أو هذا الوضع، يُشير مفهوم الحدث إلى الظهور المفاجئ وغير المتوقع وغير المفهوم لشيء لا مكان له فيه. الحدث هو الظهور المستحيل لعنصر «غريب»، شيء لا تسمح به البنية المتعالية التي تُحدِّد الحركة ضمن ذلك العالم. من منظور العالم الموجود مسبقًا، يبدو الحدث بلا معنى، عابرًا، بل وحتى غير موجود.

من المغري ربط هذا التقسيم بين العالم والحدث بالتنظير الموجود حول الصدمة النفسية. وقتها سوف يتطابق العالمُ بالبنية النفسية الداخلية (مجموعة قناعات وأماني ورغبات لدى الفرد) والحدثُ بالصدمة النفسية غير المتوافقة مع تلك البنية. ورغم أن هذا الربط مثير للاهتمام، إلا أنه سوف يحدّ من الإمكانيات التي تفتحها فلسفة باديو أمام بحوث الصدمة النفسية. من الأهمية بمكان توضيح أن «الذات» بالنسبة لباديو لا تتطابق مع الكائن الحي، بل هي بنية شكلية تُتخَذ في حضرة الحدث؛ هذا يعني أن بمقدور شخصٍ أو أشخاص مختلفين اتخاذ ذلك الموقف، أي أن الذات يمكن أن تكون جماعية. كذلك من منطلق تحليل-نفسي من الواضح أن حميميتنا تتشكل في حوار مع العناصر الثقافية التي تسبق وجودنا: اللغة التي نستخدمها، طرق تعاملنا مع بعضنا بعضًا، محرمات، قيم وقناعات محفورة في واقعٍ ليس نفسيًا بشكل حصري. ما يُعتبر مزعزِعًا للتوازن الداخلي أو صادمًا بالنسبة لكل إنسان، لا ينفصل عن «العالم» الثقافي الذي تشكلت ذاتيتنا فيه. من هنا تفتح فلسفة باديو مسارات مهمة كيلا نختزل الصدمة في شيء يحصل داخل الفرد؛ تفتح للتعافي بعدًا جماعيًا، وحتى سياسيًا، وغير مطروح للتفكر به من قِبل نموذج «اضطراب كرب ما بعد الصدمة».

يَفترض باديو أن الذاتية لا تصبح ممكنة إلا في علاقة مع حدث غير أساسي وعابر. فقط بفضل نشاط الذات المُخلِصة، وعبر «تدخّلها» يتمكّنُ الحدث من انتزاع مكان ضمن الوضع. وتبدأ عملية التذويت بإعلان: أجل، أؤكد على أن الحدث قد حصل؛ وقد منحته اسمًا! ويصبح الاسم ذلك البديل عن الحدث الذي لا يمكن دمجه في العالم. وبمنطق لاكاني، لا تكون الذات هي التي اختارت الاسم، بل هو ما يطفو نتيجة فعل التسمية.

يصبح الحدث مُتاحًا للعالم من خلال التسمية، وتحدث بعد ذلك عملية تذويت قد تُفضي إلى إعادة صياغة المتعالي من وجهة نظر الحدث الظاهر. أما الذات المُخلِصة التي تكلّم عنها باديو، فإنها تُسائِل العالم القائم من خلال ربط كل عنصر من ذلك العالم بالعنصر الذي ظهر حديثًا. وعبر هذه العملية يتشكّل شيئًا فشيئًا مبدأ تنظيمي جديد وعالم جديد. وفي هذا العالم الجديد قد تظهر وتوجد أمور أخرى. وكذلك الحدث التافه يمكن أن يكتسب معنى في وقت متأخر. يقول باديو إنه لا يوجد معنى لحدث ما (أو صدمة في حالتنا) إلا في الزمن المستقبلي: حين يتشكل عالم جديد (بنظام متعالٍ جديد). تخلق الذاتية معرفة لا يمكن التأكد منها إلا من وجهة نظر عالم جديد (طريقة تنظيم جديدة) ينشأ بفضل الأفعال المثابرة للذات المخلصة.

كما يفترض التعافي نمطًا معينًا من نشاط الذات. ونظرًا لعدم قدرة المتعالي الموجود على هضم الحدث، لا تملك الذات أي مرتكز في النظام الموجود للقيام بذلك. الصدمة غير قابلة للتفسير، ولا يمكن قراءتها ولا تحتوي على معلومات. هي موجودة في منطقة اللاتحديد. وينبغي جعلها مقروءة، ويحدث هذا بالدرجة الأولى من خلال فعل الذات. ليس بمقدور الذات أن تعطي جوابًا محسوبًا، لأن الحساب يعتمد دائمًا على المنطق والقوانين الموجودة سلفًا في عالم ما، والتي سوف تُعلِن الصدمةُ بُطلانَها. تظهر الذات من حيث المبدأ في نقطة تكون بمفردها، وتكون على علم بـ«عدم وجود الآخر». تجد الذات نفسها، أمام الفجوة التي أحدثتها الصدمة، مضطرة إلى تحديد معنى الصدمة في لحظة تغيب فيها كل المرتكزات التي تساعد على ذلك. هذه هي النقطة التي تجعل معالجة الصدمة مهمة «أخلاقية» عوضًا عن أن تكون تقنية.

حين نجد أنفسنا ضمن منطق تقني، ستكون ثمةَ إجراءات أو خطوات مُحدَّدة تفضي إلى نتيجة مضمونة. لذلك يَفترضُ المنطقُ الطبي التقني أن ثمة معرفة تفضي إلى مَخرج من المعاناة بغض النظر عن الصدمة والسياق والذات. ولكن حين نتمعّنُ في العلاقة بين الصدمة والسياق الذي تظهر فيه، سوف نستنتج أن الطبيعة غير المُعرَّفة للصدمة تتطلب «قفزة» تستند حصريًا على قرار الذات أو فعلها.

بالنسبة لي، تكمُن القيمة التي لا تُقدَّر بثمن لنظرية باديو في أنها تكشف هذا الجانب الأخلاقي لمعالجة الصدمات. ولا تنسَوا أن الذات في نظريته لا تقتصر على «إنسان واحد». الذات في الحدث هي تلك التي يتم استجوابها من قِبَلِ ذلك الحدث، أو من قِبَلِ التسمية التي تُطلَق عليه. لذلك بمقدور أناسٍ مختلفين أن يصبحوا «حاملين» للحقيقة نفسها، ويتعاونوا على إعادة تشكيل العالم القائم من خلال ما أضافه الحدث. وهكذا نستطيع الاستعانة بباديو للاعتراف بأبعاد اجتماعية وسياسية وثقافية في معالجة الصدمات. فمن أكبر مساوئ نموذج «اضطراب كرب ما بعد الصدمة» هو أنه يُفردِن ويُنفسِن كل شيء: الجرح موجود في نفس الفرد أو عقله أو جسده، ويعالَج هناك أيضًا. غير أن الصدمة تنشأ ضمن سياق اجتماعي وهياكل ذات شرعية سياسية تُساهِم في خلق الظروف التي تحدث فيها الفظائع (فقر، حرب، استغلال وإلى آخره). وتبقى هذه البنى دونما تغيير، وحتى غير مرئية، في حال نظرنا إلى الفرد وجسده أو نفسيته فقط. يوضّح باديو كيف يمكن لإعادة صياغة السياق الاجتماعي أو الهيكلية السياسية من الناحية الأخلاقية أن تساعد على«الإمساك بـ» الصدمة النفسية، ولعل هذا هو جوهر عملية معالجتها.