تنطوي الحياة العالمية المعاصرة على أكثر من دلالة حقوقية وسياسية تشكل فلسفة قوامها الإنسان الذي يتعين تحريره من الظلم والاستبداد والخوف، وهدفها ضمان الحرية والمساواة والتضامن والتنمية الشاملة المستدامة، وأداتها إرساء دولة الحق والقانون في تناسق مع المجتمع المدني الهادف إلى ضمان الأمن والاستقرار والرخاء لأبنائه. ومن المؤكد أنّ ترسيخ هذا الوجه مرتبط بمدى نجاح التنشئة السياسية لأفراد المجتمع وأنسنة المؤسسات، وارتباطه بمشروع وعي نقدي تنويري.
إنّ المجتمع الذي يفتقد للحد اللازم من التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي لا يحتاج للطرق القسرية والفوقية والدعائية للتغيير والتلاؤم، لأنّ النتائج ستكون عكسية وسلبية، وعلى شكل إخفاقات وإحباطات، مما يفترض البحث الجاد عن إعادة تجديد الحياة السياسية، ببناها ووسائلها ومفاهيمها.
وفي شبكة العلاقات المعاصرة بين التنشئة والسياسة تحتل التربية المواطنية مكانة متميزة، وهي جزء رئيسي من القطاع التربوي الذي يسمى “التربية السياسية”، وهي أيضًا جزء من السياسة التربوية التي تعتمدها الدول المعاصرة. وما حاجتنا في سوريا الجديدة إلى اعتمادها، ولا سيما تأكيد مفهوم المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات، بما يستوجب شرطين أساسيين: أولهما، الدولة الوطنية وما يستتبع ذلك من إقامة مجتمع وطني يقوم على اختيار إرادة العيش المشترك بين أبنائه. وثانيهما، النظام الديموقراطي واستدعاءاته الكثيرة على مستوى التوازن بين الحقوق والواجبات وبين الخاص والعام.
إنّ إعادة بناء مفهوم الدولة داخل الفكر السياسي المعاصر، منظورًا إليها من زاوية كونها حقلًا يعكس تناقضات البنية الاجتماعية وتوازنات القوى فيها، أنقذت التفكير السياسي من مصطلحات القاموس العسكري، كما قلصت من مظاهر ممارسة السياسة بمنطق الحرب. إنّ إدارة التعددية الفكرية والسياسية بشكل حضاري، بما تفرضه من قيام مؤسسات تشريعية وتنفيذية وقضائية مستقلة، وبما تفرضه من علاقة المواطنة والمساواة في الحقوق والواجبات، تحمل بين طياتها إغناء لوحدة مكوّنات الدولة والمجتمع.
مفهوم التنشئة السياسية وأدواتها
إنّ بلورة الرؤى الصحيحة وتحسين السبل العملية المفضية إلى تنشئة سياسية عصرية يتطلبان الانطلاق من التلازم العضوي بين التربوي والاجتماعي والسياسي في المناهج الدراسية، بما يؤدّي إلى تنقيتها من التصوّرات السلبية المتصلة بالآخر. بحيث لا تكتفي هذه التنشئة بحشد ذهن المتعلم بمعلومات حول الكرامة والحرية والمساواة والاختلاف فحسب، وإنما تقوم على أساس أن يمارس المتعلم تلك الحقوق، وأن يؤمن بها وجدانيًا، وأن يعترف بها كحقوق للآخرين، وأن يحترمها كمبادئ ذات قيمة عليا.
إنها ثقافة المساهمة التي تقوم على اعتبار الأفراد مواطنين من حقهم المساهمة في الحياة العامة والتأثير على المنظومة السياسية وتوجيه عملها في أوطانهم، وهي التي تسمح بالوصول إلى التشاركية وتحقيقها. وفي الحقيقة فإنّ هذا النمط من التنشئة والثقافة السياسية يندرج ضمن إطار “التربية المواطنية”. وهي تسعى إلى تعزيز التعددية في الآراء والمواقف، وإلى تطوير السياسات التي تخدم الإنسان. إذ إنّ استقلال الفرد وحريته الفكرية وشعوره بالكرامة وقدرته على الابتكار ينبغي أن تكون من القيم الرفيعة للمجتمع.
وبطريقة التنشئة هذه يزداد إقرار الناس بأهمية الجهد الشخصي في اكتساب المكانة الاجتماعية وفي جمع الثروة وفي أداء الوظائف في شتى المجالات، ويقل اهتمام الناس بالعادات والتقاليد بوصفها مصادر لتلك المكانة وعوامل في جمع الثروة وأداء الوظائف. وبازدياد قيمة المجهود الشخصي في تحقيق المكاسب تضعف النظرة التقليدية التي تعتبر أنّ المرأة أقل حكمة وأقل حقًا وأقل جدارة بتولّي المسؤولية.
ومن أجل نجاح المساعي للتنشئة السياسية لا بدَّ من توفير آليات للتحديث السياسي تقوم على: السلطة السياسية تقام على أساس آليات تمثيلية انتخابية حرة تعبّر عن إرادة شعبية حقيقية، وتضمن التعددية السياسية والفكرية وحرية المعارضة وتحريم العنف. واستقلالية القضاء والالتزام بعدم الانتماء الحزبي إلى شاغلي وظائفه، وكذلك استقلالية المؤسسات العسكرية والأمنية. وحرية الصحافة والإعلام، بما يساعد على خدمة المجتمع وتكوين الرأي العام والتعبير عن اتجاهاته. وضمان وكفالة حقوق المرأة الدستورية، من دون انتقاص أو تمييز في الحقوق والواجبات، وتأمين فرص التعليم والعمل وممارسة الدور السياسي والاجتماعي في مؤسسات الدولة والأحزاب السياسية والمنظمات الاجتماعية.
وفي هذا الإطار تبرز أهمية منظمات المجتمع المدني التطوعية في تدعيم التنشئة السياسية، انطلاقًا من الاحساس بعمق الانتماء الوطني ومسؤولية المشاركة المجتمعية.
