ملخص
تمر اليوم الذكرى الـ36 للغزو العراقي الغادر للكويت، وما أشبه الليلة بالبارحة، فالكويت اليوم، ومعها شقيقاتها الخليجية، والأردن- بل وحتى مصر- تتعرض جميعاً لعدوان مصدره إيران والعراق.
“رفع العلم لحظة ألم…
ولا الاسم؟
أم قصبه… أوشن سيتي… والله ألم
إحنا رضينا بهالخبر؟
الكل منا متهم…
اللي سكت واللي ابتسم واللي هتف يس ونعم
والله ألم… والله ألم!!”
كانت هذه أبيات من قصيدة شعبية لصديق نظمها احتجاجاً على رفع العلمين الأميركي والسوفياتي على الناقلات النفطية الكويتية، حماية لها من الألغام والقصف الإيراني عام 1987.
كانت الحرب العراقية – الإيرانية لا تزال مشتعلة، فالخميني رفض كل دعوات السلام لإنهائها برفضه قبول قرار مجلس الأمن رقم 598، مصراً على أن يحرر القدس عبر بغداد. بعد مرور عامين على الحرب التي أشعل فتائلها الخميني، وأوقد نارها صدام حسين، قبِل صدام حسين إنهاء الحرب عام 1982 بعدما قلبت إيران الطاولة عليه، واستعادت أراضيها التي احتلها بداية الحرب.
كان صدام حسين مسؤولاً عن شمولية اندلاع الحرب، ووقفت دول الخليج ودول عربية عديدة موقف الحياد في بدايتها، ودعت الطرفين للجلوس إلى طاولة المفاوضات وإنهاء الحرب، وهو ما قبل به صدام حسين بعد عامين على إشعالها، لكن آية الله روح الله الخميني رفض وقف الحرب رفضاً قاطعاً وأصر على استمرارها حتى سقوط بغداد، وهنا انقلبت المعادلة، ووقفت الدول العربية الخليجية جميعاً مع صدام حسين دفاعاً عن العراق، وتنفيذاً لاتفاق الدفاع العربي المشترك المنصوص عليها بميثاق جامعة الدول العربية، وقدموا الغالي والنفيس لصدام حسين، وتحولت الموانئ الكويتية إلى رئة يتنفس منها العراق، تجلب له السلاح والمؤونة والعتاد.
كان الموقف الكويتي بمساندة العراق متميزاً ومتحمساً، وهو ما أغاظ إيران، فقصفت الكويت بصواريخ سيلكورم الصينية، وحاولت اغتيال أمير الكويت الراحل الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح عام 1985، وفجرت مقاهي شعبية راح ضحيتها العشرات، واختطفت طائرات مدنية كويتية، وفجرت السفارتين الأميركية والفرنسية عام 1983، واعترضت الناقلات النفطية الكويتية بالألغام والصواريخ. كل تلك الأعمال العدائية الدامية من أجل أن تغير الكويت موقفها وتتوقف عن دعم العراق بالحرب بعدما “أصبح الطالب مطلوباً”، وصار العراق تحت التهديد الإيراني باحتلاله، وهو ما لم ترض به دول الخليج ودول عربية عدة.
تعرضت الناقلات الكويتية لاعتداءات إيرانية متكررة، وهو ما أثر كثيراً على الملاحة التجارية الكويتية، وعرقل كثيراً حركة الشحن النفطي الكويتية، مما اضطرها للاستعانة بأكبر قوتين عظميين في حينه، الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي، فحملت السفن الكويتية العملاقة الأعلام الأميركية والسوفياتية حماية لها، لأن إيران ما كانت لتتعرض لسفن تحمل علم “الشيطان الأكبر”، ولا العلم السوفياتي الشيوعي الملحد الأحمر.
وكانت الاستعانة بالخصمين اللدودين في حينه حذاقة سياسية ودبلوماسية كويتية، لكن ذلك لم يرق لي ولا لكثر من أبناء جيلي من الشباب المتحمسين للمشاعر القومية العروبية الرافضة لأي صورة من صور التدخل الأجنبي في منطقتنا العربية، وبالذات في خليجنا العربي. جسد الشاعر الصديق تلك المشاعر وذلك الرفض بأبيات القصيدة أعلاه، وما هي إلا أشهر معدودة حتى قبل الخميني قرار مجلس الأمن بوقف إطلاق النار مشبهاً ذلك القبول بتجرع “كأس السم”.
بعد نهاية الحرب بعامين، غزا العراق الكويت يوم الثاني من أغسطس (آب) 1990. كانت جريمة حمقاء تعد ثلمة في تاريخ العرب والتضامن العربي. احتل صدام حسين الكويت التي كانت قبل أشهر قليلة متنفس العراق ومتكأ جيشه وعون شعبه ونظامه. نجت القيادة الكويتية من غدر صدام ولجأت إلى السعودية التي نذر ملكها في حينه الراحل فهد بن عبدالعزيز بأن “تعود الكويت أو تذهب السعودية معها”. انتفض المجتمع الدولي استنكاراً للجريمة البشعة التي ارتكبها العراق، واستصدر قرارات دولية ملزمة بتحرير الكويت، فقادت السعودية ودول الخليج ومصر وسوريا والمغرب تحالفاً عسكرياً دولياً تقوده الولايات المتحدة الأميركية، فتحررت الكويت بعد احتلال بغيض استمر سبعة أشهر.
عقدت الكويت بعد تحريرها اتفاقات للدفاع المشترك مع دول عدة على رأسها الولايات المتحدة الأميركية، وقدمت تسهيلات عسكرية لهذه الدول، واشترطت- ولا تزال – على هذه الدول ألا تكون قواعدها منطلقاً للهجوم على أي من جيرانها.
صمت شاعرنا الذي احتج على رفع أعلام الدول العظمى على ناقلات الكويت عام 1987، لم يقل شعراً احتجاجاً على القواعد الأميركية بالكويت والمنطقة.
تسبب صدام حسين بانهيار ما كان من تضامن عربي هلامي بجريمته النكراء، وجرَّ المنطقة للتدويل، وشمَّت بنا إيران، وأعطاها ذرائع للتقوي والتسليح، في وقت بقي العراق محاصراً إلى أن سقط نظام صدام عام 2003، وجاءت إيران لتتحكم به اليوم، وتحوله إلى محافظة إيرانية تابعة لها تطلق منه صواريخها على أشقائه العرب بالخليج والأردن- وربما بدمياط مصر.
تمر اليوم الذكرى الـ36 للغزو العراقي الغادر للكويت، وما أشبه الليلة بالبارحة، فالكويت اليوم، ومعها شقيقاتها الخليجية، والأردن- بل وحتى مصر- تتعرض جميعاً لعدوان مصدره إيران والعراق.
والحجة هي القواعد الأميركية الموجودة بالخليج التي تسبب العراق بوجودها.
“والله ألم”!
