ملخص
المجتمعات والشعوب التي تعيش ثقافة التخويف يصبح فيها المواطن إنساناً مروضاً، وتصبح أحلامه حانية السقف، فتراه لا يطلب ولا يطالب سوى بتوفير “العلف” و”المربط” و”السقف” ولو في الحد الأدنى، وهو في مثل هذا الوضع كمن يقايض حريته وكرامته مقابل “الأمن” و”الخنوع”.
“الخوف” سؤال تاريخي وأنطولوجي و”صناعة الخوف” سؤال سياسي سلطوي.
هل يمكن تصور الإنسان خالياً من حاسة الخوف؟ وكيف يتحول الخوف من ظاهرة أنطولوجية إلى ثقافة تصنع في مخابر سلطات السياسة والمال؟
نخاف من أمور صغيرة وأخرى كبيرة وعليها، ونخاف على مستقبل أبنائنا وعلى صحتهم، ونخاف من الحروب، ونخاف من الأمراض والأوبئة، ونخاف من خلع ضرس مسوسة، ونخاف من حقن إبرة في العضد، ونخاف من أيديولوجيا غريبة على أيديولوجيا نعتقد بأنها هي مأمننا، ونخاف من الآخر، ونخاف من الجوع والعطش، ونخاف من عنف الطبيعة، ونخاف من الشاشة التي أصبحت تسرق عقلنا وعمرنا، ونخاف من الذكاء الاصطناعي الذي بدأ يتمرد على الإنسان ويرهن الحياة برمتها لمصير مجهول.
لكن لماذا نخاف ولماذا يتم تخويفنا أي يُصنع لنا خوف ظرفي؟
أنطولوجياً، يلاحقنا الشعور بالخوف منذ أن نبدأ مغامرة الوعي بالجسد وبالمحيط وكياناته البشرية والحيوانية والطبيعية، بهذا المعنى فالخوف حال إنسانية وحيوانية وهي نسبية كالشجاعة والبطولة.
حين ندقق في السؤال لماذا نخاف؟ فالجواب الأولي والبديهي هو أننا نخاف لأننا نخاف من الموت، ونخاف على فقدان الحياة بما فيها من ذكريات وارتباطات عاطفية ومادية.
والخوف من الموت هو ظاهرة وجودية، نخاف من تجربة الموت لأنها غامضة، حال غير مفهومة، فلا أحد رجع منها وأخبرنا ببعض صفاتها، وكلنا نتذوق من تفاحة الموت ذات يوم وهذه مسلمة قائمة وثابتة حتى اليوم، لكن كلنا يخاف من هذه التجربة التي لا تتكرر مع الإنسان الواحد مرتين.
لقد سجلت الأساطير الأولى وبكثير من الحس الفلسفي هاجس البحث عن الخلود ضد غموض الموت، كان ذلك منذ أن شعر جلجامش بالخوف من الموت بعد موت صديقه أنكيدو فراح يبحث عن “عشبة الخلود” كما جاء في أسطورة “جلجامش”.
لكننا حين نتأمل فلسفياً فكرة الخلود نفسها، فهي أيضاً تبدو مخيفة، الخلود هو موت بلا موت، فما معنى أن يعيش الإنسان من دون موت، الخلود ممل ومزعج وروتيني، فالحياة لا معنى لها في غياب فكرة الموت، الموت مرآة الحياة.
وجميع أنواع الخوف تحركها في نهاية الأمر فكرة الخوف من الموت الغامض حتى إن كان لهذا الخوف مسببات وعوامل مثيرة ومختلفة.
الخوف من سلطة الطبيعة، تتميز الطبيعة بغموض كبير ومفتوح على كل الاحتمالات، فكلما انكشف سر من أسرارها انفتح لغز آخر أمام الإنسان، ومنذ بداية أنسنة الإنسان بالعمل بات يبحث عن طرق للتعايش مع الطبيعة، يتم هذا التعايش من خلال عملية ترويض سلطتها العنيفة لمصلحة أحلامه في السلطة. وقرأ الإنسان النجوم خوفاً من لغز الكون اللامتناهي، وبنى السقوف خوفاً من المطر والعواصف وسعى إلى مواجهة الطوفان والبركان والزلزال تارة بالأسطورة ثم بالدين ثم بالعلم، وفي كل هذه المواجهات كان يبحث عن انتصار ضد الموت الذي يسببه عنف الطبيعة.
الخوف من الحروب، الحروب صناعة الإنسان من أجل حيازة السلطة وتأجيل الموت بإثارة الموت، فالحرب مصنع للموت ضد الموت، ويموت الواحد كي يبقى الآخر، واليوم إذ أصبحت الحروب تجري على شاشاتنا كما تجري في الواقع، وما عاشته وتعيشه غزة صورة جلية لذلك، يتأمل الإنسان الموت لا كقضاء وقدر لكن وبالأساس كصراع من أجل الوجود ومن أجل العدالة والحق.
وإذا كانت الحرب المعاصرة تحولت إلى طاحونة البشر (ما يحدث في السودان وقطاع غزة)، فإن الموت في ساحتها أصبح أكثر فأكثر بعيداً من التأمل الأنطولوجي قريباً من التوحش السلطوي. وخلال الحروب الراهنة، على رغم ما تنتجه من خوف، ففيها فقد الدم المراق جزءاً كبيراً من قدسيته التي كانت مرتبطة بفكرة “التضحية”، حتى أصبح موتى الحروب عبارة عن أرقام باردة وصماء.
الخوف من السلطة، كل سلطة هي كيان قمعي قائم على ترسانة من “القوانين” التي تحافظ على رأسمالها المستثمر في ترقية “مصانع الخوف” وتحميه وتعيد إنتاجه بأنواع مختلفة وتبريرات متعددة، ومصانع الخوف تنتج ثقافة التخويف التي تحاصر كل مواطن يفكر في خلق قطيعة معها بالاختلاف أو بالمعارضة، والسلطة قد تكون دينية أو دنيوية، وهي في كل الحالات تظل مشغولة ومنشغلة بأمر واحد هو “فكرة” السيطرة على الجميع من خلال نشر “ثقافة الخوف”، والسجون والمعتقلات والمحاكم كلها أذرع السلطة في تكريس الخوف من خلال محاربة فكرة “الحرية” الفردية أو الجماعية التي تشكل عدواً رئيساً بالنسبة إلى السلطة.
والأخطر من الخوف من السلطة هو الخوف من الدولة التي يفترض فيها أنها الحامية لحقوق المواطن من خلال مجموعة من المؤسسات التي تضمن استمرارية وجود الكيانات السياسية والعرقية والثقافية، لكن كثيراً ما تتحول هذه الدولة إلى ملحقة للسلطة، إلى الغرفة الداخلية لمطبخ السلطة، وهذا يحدث كثيراً في بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إذ تعمل الدولة وهي في ذلك تنطق باسم السلطة على بث ثقافة “التخويف” من خلال خلق أعداء وهميين أو حقيقيين وتجعل منهم مشجباً تعلق عليه حقها في الضرب والقمع والرقابة والحد من الحريات الشخصية، وذلك لأنها ترى أن هذه الحرية هي مجال يسمح لأعداء الدولة بالتدخل ونشر الفتنة.
وإن قراءة فلسفية لظاهرة ثقافة “التخويف” التي تبثها السلطة في بعض البلدان وتنشرها تحت قناع الدولة، وبحجة حماية البلاد والعباد، الجغرافيا والمواطن، التاريخ والذاكرة، تبين لنا أن المجتمعات والشعوب التي تعيش ثقافة التخويف يصبح فيها المواطن إنساناً مروضاً، وتصبح أحلامه حانية السقف، فتراه لا يطلب ولا يطالب سوى بتوفير “العلف” و”المربط” و”السقف” ولو في الحد الأدنى، وهو في مثل هذا الوضع كمن يقايض حريته وكرامته مقابل “الأمن” و”الخنوع”.
