-
ياسين السويحة.. المصدر الجمهورية .نت
-
-
-
هل يُمكن صياغة الماضي السوري في حكاية أو حكايات تقول لنا من نحن؟ كيف تُدار الصراعات الاجتماعية والسياسية بشأن ما يبقى حاضراً من الماضي في المجال العام؟ وكيف يُستعاد الماضي ويُمثَّل بما يُسهِم في التماسك الاجتماعي اللازم لإرساء السلام الوطني واستمراره؟ نحاول في هذا الملف مقاربة هذه الأسئلة وتعقيداتها من زوايا متعددة.
هذا المقال هو الرابع في ملف «الحكاية السورية وسياسة الذاكرة»، ونُشِرَ قبله مقال رؤى الطويل «السرديات والعدالة الانتقالية»، ومقال نوار قاسم «السلطة في سوريا وحكاياتها المُؤسِّسة»، ومقال باسم محمود «من يمنح المكان معناه؟».
* * * * *
ثلاث حكايات عن الذاكرة من أميركا اللاتينية
في الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) الماضي، كانت الذكرى الثالثة والخمسون للانقلاب العسكري الذي أطاح حكومة سلفادور أييندي في تشيلي عام 1973. مرّت الذكرى هذا العام بلا مراسم رسمية في القصر الرئاسي، إذ اختار الرئيس الجديد خوسيه أنطونيو كاست، الذي تسلّمَ الحكم في آذار (مارس) الماضي، أن يَمضي في برنامجه كأي يومٍ معتاد، رافضاً إحياء ذكرى ذلك اليوم ومُعتبِراً أن ثمة «تنوّعاً في المواقف حول حقيقة ما جرى عام 1973 يجعل من غير السليم اختيار رواية واحدة فقط»، بينما أقامت عائلة أييندي وقوى المعارضة مراسمها دون مشاركة من مؤسسة الرئاسة وما يتبع لها.
الرئيسُ الحالي كاست هو قياديٌ في اليمين المتطرف، أيّدَ بقاء أوغستو بينوشيه في الحكم خلال استفتاء 1988، ودافعَ لاحقاً عن جانب من إرث ديكتاتوريته التي استمرت منذ الانقلاب حتى 1990، وزارَ في السجن عسكريين مُدانين بانتهاكات حقوق الإنسان التي ارتُكبت خلال حكم بينوشيه، وظلَّ يخاصم القراءة التي تجعل من قمع النظام مركزَ الحكاية في تلك السنوات. لدى الدولة التشيلية سجّلات عن 1092 معتقلاً اختفوا بعد احتجازهم، ويشمل ملفُّ الاختفاء القسري 1469 شخصاً. لم تتبدل هذه الوقائع يوم غابت مراسمُ الرئاسة عن ذكرى الانقلاب، بل تبدّلَ موقعها في الدولة.
لدى تشيلي مُؤسَّسات للذاكرة ومواقعُ شاهدة على القمع، ولا يَختزلُ غيابُ الإحياء الرسمي للذكرى البلدَ وسياسته وقِواه الاجتماعية، ولا يمحو عملَ أجيال من أهالي الضحايا، بل تكمن دلالته في أن ما يدخل الذاكرة الرسمية قابلٌ لأن يُعاد ترتيب موقعه حين تتغير السلطة، حتى في سياق نظام ديمقراطي مستقر إلى حد كبير كما في تشيلي.
الأرجنتين مثال أفدح. في 24 آذار (مارس) 1976 أطاحَ الجيش الحكومة المنتخبة، وحكمَ حتى 1983 عبر جهاز قمع سري جَعَلَ من التغييب أداةَ ومنطقَ حُكم. تُقدِّرُ منظمات حقوق الإنسان عدد المختفين بثلاثين ألفاً؛ وثّقت اللجنة الحكومية الأولى أسماء نحو تسعة آلاف منهم، مع إقرارها بأن القائمة غير مكتملة. بعد عودة الديمقراطية حُوكمَ مسؤولون عن الاختفاء والتعذيب، ودخلت الذاكرةُ المدارس والمتاحف. صار 24 آذار (مارس) يوماً وطنياً للذاكرة والحقيقة والعدالة. وفي الذكرى الخمسين للانقلاب، هذا العام، أضافت رئاسة اليميني المتطرف خافيير ميلاي كلمة «الكاملة» إلى اسم اليوم في بيانها الرسمي. ووراء الكلمة منطقٌ يدعو إلى وضع عنف منظمات مسلحة قبل الانقلاب إلى جانب إرهاب الدولة في حكاية واحدة، ويطعنُ في تقدير عدد المختفين وفي عمل المنظمات الحقوقية. بهذا تُنزَعُ عن جريمة الدولة خصوصيتها، ويُعاد تقديم قمع الديكتاتورية كطرفٍ في حرب متكافئة. هذه غاية الخطاب الذي يُسمي نفسه «الذاكرة الكاملة».
خرجت إلى الشوارع هذا العام حشود تحمل ذاكرة أهالي المفقودين. ما زالت أحكام القضاء نافذة، وما زالت مؤسسات الذاكرة تعمل. ومع ذلك يستطيعُ رئيسٌ مُنتخَب أن يحاول إعادة كتابة معنى يوم رسمي من داخل الدولة نفسها. الأرجنتين، نظرياً، أقرب التجارب إلى أن تُقدَّم بوصفها قصة نجاح لسياسات الذاكرة.
وتُضيف بيرو وجهاً آخر. حكَم ألبرتو فوجيموري بين 1990 و2000، خلال صراع دموي بين الدولة وحركتَي «الدرب المضيء» و«توباك أمارو». هزمَ فوجيموري التمرُّدَ المسلح ورسّخَ صورة الحاكم الذي أعاد الأمن، فيما ارتكبت أجهزة دولته مجازر وإخفاءات قسرية، لا سيما بعد قيادته «انقلاباً-ذاتياً» من على سدّة الرئاسة المُنتخَبة، وحلَّ البرلمان والمجالس القضائية والدستورية العليا، ليتسنى له فرض الأمن ولَبرلة الاقتصاد كما يشاء. خلال النزاع الأوسع، الممتد من 1980 إلى 2000، ما زال مصير أكثر من 22 ألف شخص مجهولاً؛ تشملُ هذه الحصيلة ضحايا أطراف مختلفة، ولا تُنسَبُ كلها إلى حكمه. لم تحظَ حكاية جرائم فوجيموري بإجماع سياسي على تقديمها كخطيئة لا يجب أن تتكرر، إذ احتفظَ دائماً بتعاطف شرائح واسعة من الطبقتين الوسطى والعليا المدينيتين. مع ذلك، أُدينَ الرئيس السابق في مجزرتي باريوس ألتوس ولا كانتوتا وحُكِمَ عليه بالسجن خمسة وعشرين عاماً. بعد ذلك، سطعَ نجم ابنته كيكو وريثةً سياسية ومُرشَّحة متكررة للرئاسة، ووعدت بالعفو عن والدها في حملتها الانتخابية عام 2021. مات ألبرتو فوجيموري في العام 2024، قبل أن تربح ابنته الانتخابات وتُصبح رئيسة البيرو هذا العام 2026، وهي تواصل الدفاع عن إرثه. بقيت معركة المعنى مفتوحة رغم التوثيق، ورغم الحكم القضائي والسجن.
تكشفُ هذه الوقائع حدودَ الانتصار في معركة الذاكرة. تستطيعُ الدولة أن تعترف بالفظائع وأن تحاكم الجناة، ثم تأتي سلطة أخرى فتسعى لتغيير موقع هذا الماضي في الحكاية العامة. لا يكفي تثبيت ذاكرة الفظائع بوصفها «حقيقة رسمية»، بل تحتاج إلى قوة اجتماعية وسياسية تحملها مع وعدٍ متجدد وقابل للتنفيذ بمستقبل أعدل للجميع. من دون ذلك، يصبح دوامُ رسمية الحكاية رهناً بمن يحكم.
تختلف حصيلة العمل الحقوقي والسياسي في البلدان الثلاثة، لكنها تكشفُ الوهم نفسه: يُنجَز التوثيق وتَصدرُ الأحكام، ثم يبدو كأن هذا الفصل من التاريخ أُغلق. إنها «نهاية تاريخ» صغيرة، محصورة بالماضي الذي عولج، وخُتِمَ بالشمع الأحمر من خلال شعارات مثل «لا غفران ولا نسيان» أو «لن يحصل مرّة أخرى». تمرُّ السنوات وتتراكم أزمات الحياة، ويعود معنى الماضي إلى التداول. الحقائق ثابتة في ملفاتها، لكن السلطة ليست ثابتة على تأويلها لتلك الحقائق.
عودة الماضي محمولاً على سؤال الحاضر
تتغيّر كذلك العلاقة بين الأجيال وما ورثته من معرفة. يحملُ من شهدَ الخوف خبرةً شخصية تكفي أحياناً لفضح صورة الزمن الجميل، أما من وُلِدوا بعده فيتعرَّفونَ إليه عبر روايات الآخرين، ويختبرونَ صدقيتها من موقعهم في الحاضر. إذا كان الحاضر يُذلّهم، فلا يمكن إنشاء علاقة حية مع ذلك الماضي فقط عبرَ مُطالبتهم بالإيمان بما يسمعونه من الآخرين. يحتاجون إلى معرفةٍ تَفهمُ أسئلتهم، ولا تطلب منهم تعليقها. تحتاج الذاكرة إلى لغة تنقلُ الوقائعَ مع معناها، وإلى سياسة تُعطي هذا المعنى صلة بما يُراد أن يُعاشَ اليوم وغداً.
يعود الماضي دائماً محمولاً على سؤال من الحاضر. هذا كليشيه، لكنه كليشيه يستحق التفكّر. من يخاف انتشارَ الجريمة أو فقدانَ العمل يبحث عن وقت يُقال له إن الشارع كان فيه آمناً، وإن الوظيفة كانت مستقرة ومجزيةَ الراتب، وإن المعيشة كانت ممكنة. في كتابها الوقت الضائع: ضد العصر الذهبي، تُميّز الفيلسوفة الإسبانية كلارا راماس بين إدراك فقدان شيء لا يمكن استعادته، وبين ميلانكوليا تجعل من الفقدان برنامجاً سياسياً. يفترضُ الميلانكولي وجودَ عصر ذهبي كانت فيه الحياة مكتملة، ثم يَعدُ بالعودة إليه. يستمدّ هذا العصر صورته من حاجات الحاضر أكثر مما يستمدّها من وقائع الزمن الذي يُنسب إليه. تعترفُ راماس بوجود خسارات حقيقية. لكن المشكلة تنشأ حين تُنسَب كُلُّ خسارة إلى الابتعاد عن أصلٍ مزعوم، ويُغلَق التفكير في مستقبل مختلف.
في صور ذلك العصر مكانٌ بارزٌ لرجولةٍ يُقال إنها كانت أوضح وأقوى، قبل أن تهتزَّ أدوارُ الرجال وسلطتهم. تتناول راماس هذا الحنين إلى ترتيب قديم للجندر بوصفه جزءاً من الميلانكوليا السياسية، وترى في استعادة صورة الرجل التقليدي وَعداً زائفاً بإصلاح العالم. وهنا يمكن الذهاب خطوةً أبعد: من يشتاق إلى تلك الرجولة سيبحث عن الحزم والقوة في الحكم. الرجولة اللاسياسيّة تجعل القسوة فضيلةً قائمةً بذاتها، وتُتيح للحاكم أن يتباهى بما ينبغي أن يُحاسَب عليه. «حُكم الفحل» في أميركا اللاتينية اليوم مثال، والاستعادة الرمزية «الكيتش» لصدام حسين في بلاد مشرقنا أبرز أشكال الميلانكوليا عندنا.
نبقى عند صدّام: في العراق، رصدت الباحثة مارسين الشمري لدى بعض الشبان، وبينهم شبان من مدن ذات غالبية شيعية، حنيناً إلى صورةٍ عن عهد صدام لم يعيشوها. يتذكرون من الروايات عنه جيشاً قوياً ووظيفةً ودولةً صارمة. وقال إياد علاوي، الذي عارضَ صدام ثم ترأَّسَ حكومة العراق بعد إسقاطه، في مقابلة عام 2024 إنه «يحب صدام حسين» لشجاعته. لا يقول هذان المشهدان شيئاً شاملاً عن العراقيين جميعاً، لكنهما يرويان الكثير عن قدرة حاضرٍ خائب ووعدٍ مُجهَض على تغيير الأسئلة التي تُطرَح على ماضٍ دموي.
حتى ضمن مؤيديه السابقين، قد يبدو الحنين إلى زمن الأسد مستحيلاً الآن. لكن ماذا إن راكمَت السنوات الخوفَ والفقرَ وخيبةَ الأمل؟ سيظهر من ينتقي من ذلك الزمن الأسدي اللعين صورةً عن الاستقرارِ وقابليةِ العيش. لن يحتاج إلى إنكار كل ملف اختفاء أو كل شهادة تعذيب، بل يستطيع أن يبدأ من عبارة أكثر رواجاً: «على الأقل كانت هناك ربطة خبز بكذا». كلما عجزَ الحاضر عن تقديم جواب عن الأمن والعيش، ازدادت قابلية هذه العبارة وأخواتها للانتشار.
سوريا: في الحاجة إلى وعد
في سوريا خبرة توثيقية هائلة، راكمَها أناسٌ عملوا تحت خطر مباشر أو من المنافي. حجمُ الشهادات والأرشيفات استثنائيٌ لدينا، لكنه لا ينتقل بقوته الذاتية من أروقة العمل الحقوقي إلى حياة الناس. كثيرٌ منه يظل لغة اختصاص، أو مادةً يتداولها من يعرفون مسبقاً ما حدث. هذه ملاحظةٌ للعاملين في المجال أيضاً؛ تتعلق بكيفية فتحِ ما جمعوه وتقديمه وإشراك أهالي الضحايا والناس في النقاش حول معناه، بما يتجاوز سردَ الفظائع أو بوحَ الألم إلى إنتاج لغة وأفكار في سبيل عدم تكرار الفظائع والألم. ويقعُ عبءُ هذا التحويل الأكبر على عاتق القوى السياسية والثقافية الغائبة عن تنظيم هذا النقاش في مجال عام. يستطيع العمل الثقافي والإعلامي أن يجعل الوقائع قابلة للفهم خارج ملفات التحقيق، وأن يُتيح لأصحاب التجارب المختلفة الكلام بشأنها. لكن ذلك يحتاج إلى حياة سياسية تستقبلُ هذا الكلام وتختلفُ حول نتائجه. من دون حياة سياسية كهذه، يمكنُ للأرشيف أن يزداد ضخامة، وأن يظل الجمهور الذي يصل إليه صغيراً. وقد تنجح السلطة في اختيار بضع صور منه، فتمنحُها انتشاراً واسعاً بعد أن تُفرِغها من الأسئلة المزعجة.
بعض الأوساط المعارِضة للأسدين تتصرّفُ وكأن فرار بشار قد أنجزَ المهمة، فيما بعضها الآخر يجعل صِدامهُ المشروعَ مع السلطة القائمة محورَ سياسته كله، حتى بما يخص هذا الموضوع، وهي إذ تعترض على ما تقوله السلطة عن الماضي، إلّا أنها تتحدث غالباً إلى من يشاركونها الاعتراض فقط. يقلُّ الجهد الموجه إلى من يسألون عن الأراضي المُستولَى عليها، أو عن مصير مفقود، أو عن فرصة عمل تصون الكرامة. تظلُّ الذاكرة عندئذ مُحاججة قوية في دائرة ضيقة -فيسبوكية غالباً-، فيما يُترَك سؤال المستقبل لمن يملك السلطةَ ووسائلَ عرضِ وعوده.
السلطة السورية الحالية مستعجلة على جعل الماضي يمضي. تنتقي منه رمزيات تخدم حكايتها، وتطرح إجراءات قضائية لا تفي بحجم المظالم ولا بحاجات أصحابها. إيقاف افتتاح معرض «معتقلون ومغيبون» في طرطوس، واستدعاءُ «السلم الأهلي» حجّةً لتغليف الاعتراض على وجود صور رزان زيتونة ورائد الفارس، مثالٌ مأساوي في اختصاره -الكاريكاتوري تقريباً- لضيق معنى ماضينا الرهيب في أعين السلطة ومنطوقها، كما تكشف الواقعة حدود الذاكرة المسموح بها حين تمسّ جرائمَ ارتُكبت في أوساط إسلامية مسلحة.
سبق ذلك ضياعُ فرصة أن تبدأ مرحلة ما بعد الأسد بمؤتمر وطني تأسيسي، يُشارك فيه أكبر عدد من المختلفين في تقرير مصيرهم. راهنت السلطة، وتراهن، على استمرار شرعية إسقاط الأسد، وشرعت في بناء مؤسسات التعاطي مع الماضي داخل مسار استئثاري. شُكِّلت هيئتا المفقودين والعدالة الانتقالية، وعُيّنت قيادتاهما بقرار من السلطة، بينما بقيت آليات الإشراك والقرار والعمل قليلة الوضوح. يُهدِّدُ ذلك بتحويلهما سريعاً إلى جهازين بيروقراطيين. لا تستعيد الشكوى من هذا الوضع فرصةَ البداية الضائعة؛ ينبغي أن يبدأ العمل العام من الشروط التي خلّفها ضياع الفرصة.
تواجه القصةُ السورية الرهيبة خطرَ «التشفاية»: قصقصة تضاريسها وإعادة تركيبها على مقاس حاضرِ المنتصرين ومستقبلهم. يظهر ذلك في حجب ضحايا جرائم ارتكبتها فصائل وصلت إلى السلطة أو تدور في فلكها، ويمتدّ إلى تأميم الحكاية كلها، بِعظَمتِها وبؤسها، بتعرُّجاتها وتَناقُضاتها وتعقيداتها وبهدلتها، لصالح مسار خطّي يبدو فيه المنتصرون كأنهم أيقنوا وجهتهم من اللحظة الأولى ومضوا فيها دون خطأ أو دَنَس.
يُغيّبُ عن هذا المسارِ اقتتالُ الفصائل وفسادها وبغيها على الناس، وتغدو «تجربة إدلب» مثالاً تنموياً يُحتذى، بعدما شهدت احتجاجات شعبية واسعة ضد سلطة هيئة تحرير الشام قبيل معركة «ردع العدوان». والواقع أن سعيَ السلطة إلى امتلاك الحكاية مفهومٌ ضمن منطق حكمها، لكن المشكلة هي أن تبقى القصة السورية بلا حركة اجتماعية وسياسية وثقافية تحملها في المجال العام، وتمنعُ اختزالها في سيرة المنتصرين الذاتية.
لقد نشأت فظائع الأسدية عن مشروعٍ لتأبيد حُكمِ قلّةٍ ومحاسيبها وتوريثه، امتلكَ البلد وموارده، وخفّض قيمة حياة الناس وكرامتهم في سياق «الأبد»، ومن ثم سَيَّلهُما في سياق حربه ضد المنتفضين عليه. كان لهذا النهج مصالحُ ونُخَبٌ من داخل البلد. يجب أن نتذكر صيدنايا، وقبلها تدمر وحماة، وكذلك البراميل والكيماوي والتهجير، في سياق تذكّرنا لطبائع ومصالح وأساليب الحكم الذي أفضى إليها. ويتطلب الوعد بعدم تكرار هذه الفظائع دولةً عامةً يتداول الناس حُكمَها، وتَحدُّ مُؤسَّساتُها من قدرة أيّ فريق على الاستئثار بها.
يظهر امتحانٌ واضح لفرص القطيعة مع ذاك النمط من الحكم بالذات في «المسألة الأرضية». مثلاً، في التمسّك بالمرسوم 66 الذي رسمَ إعادة تشكيل مناطق كاملة على مقاس الأسد وشبكاته، والذي ما زالت المطالبة مستمرة بتعليقه ومراجعة الحقوق التي مسّها. وتُعلَن خُططٌ لتحويل مطار المزة إلى مقصد للطيران الخاص، قبل استكمال التحقيق في ما جرى داخله وفي مواقع يُشتبَه بأنها تضم رفات معتقلين. زارت هيئة المفقودين مواقع محتملة بعد الإعلان عن المشروع، وفقط إثرَ اعتراضات واسعة على وسائل التواصل. لا نعرف آثار هذه الزيارة، ويُتوقّع ألا نعرف. حكم الترند، والحكم عبر الترند.
للذاكرة، والقوانين والمؤسسات، قيمتُها في ذاتها؛ لكن هذه القيمة تترسَّخُ وتَتجدَّدُ حين يقتنع أكبر عدد من الناس بأن وجودها يجعل حياتهم أعدلَ وأكثرَ أماناً. يحتاج هذا الاقتناع إلى مساحة عامة مستقلة، يجتمع فيها أصحاب الحقوق مع قوى سياسية واجتماعية تعمل بين الناس. هناك يمكن أن يتكوّنَ ما هو عهدٌ «فوق دستوري»: اتفاقٌ على أن احتكارَ البلد وتأبيدَ الحكم أفضيا إلى فظائع، وأن منعَ تكرارها يقتضي تغيير شروط وقوعها. يحتاجُ دوامُ هذا الاتفاق إلى من يجدُ في الدفاع عنه دفاعاً عن مستقبله.
لا نعلم شرط المستقبل الذي سيُستدعى فيه حاضرُنا كماضٍ تُخاض فيه أسئلة ذلك الوقت. ما يجب أن نُحضِّرَ له هو ذاكرةٌ كوعدٍ بأعمّ عدالة وإنصاف مُمكنَين. المعاينة الحيّة لا تَضمُر، والانتصارات في «حروب السرديات» لا تدوم، و«الخطاب الرسمي» عادةً ما ينفق قبل السلطة التي تتبنّاه؛ الزمن يمضي، والهيمنات تتبدل، والسلطات تتغيّر.. حتى سلطة الأسدين.
-