..وارد بدر السالم .. ضفة ثالثة
“كلما أغْرمتُ بالرقص، كلما اقتربتُ أكثر من الوقوع في حب رجل حقيقي” (جين أوستن)
يوم رقص زوربا رقصته الشهيرة بأقدام أنتوني كوين في الفيلم المعروف، تجسّد تاريخ الرقص بين تلك الأقدام؛ تجسّدت روح الراقص والرقصة الخالدة التي اهتزّ معها البحر والسكون والأطيار المسافرة إلى بحر آخر. وغنّت الطبيعة بصوت لا يسمعه إلا الراقص المثابر على طيران روحه في سماواتٍ عاليات. هي أشبه بغيوم بيض تتصاعد من داخله لتبلغ إسراءها المثير، في زمنٍ خرج إلى أقصى مدىً منه. تلك روح الراقص المتماهي مع أصواته الداخلية التي تتحوّل إلى سحابٍ ودخان وردي وبخور من الورود، ينبجس من الأرض ويطير كفراشات ناعمات في ريح البحر الأثيرة.
(1)
بدأنا مع الراقص وليس مع الراقصة. ليس الرقص قانونًا يخصّ النساء فحسب، وطريقة مفروضة على هذا الامتياز الجندري، إذ لم يكن الإنسان القديم يعرف هذا المسمّى، لكنه كان يشعر باهتزازات داخلية متوترة لا يُعرف منشؤها ومصدرها، لكنها حدثت في جسده بطريقة رعشة فسيولوجية جرّدته من جسده المادي وطارت به. ذلك قبل أن يعرف الإنسان الكتابة، عرف الرقص. اهتزّ مع صوت الطبيعة البكر على نحوٍ تدريجي حتى تسرّب من جسده دخانٌ أبيض أو أزرق، ومضى إلى الغابات والعصافير وأصوات الحياة غير المنظّمة بين قدميه، ثم ارتدّ متموّجًا إلى داخل جسده وروحه، فاهتزّت أوتاره الخفية وانطلق يصوّت راقصًا، متعبّدًا، أكثر تماسًّا مع السماء في رقصته العِبادية أولًا.
نعتقد بأن تلك بداية ممكنة. فإنسان ما قبل التاريخ لم يكن يعرف الموسيقى، لأنها لم تكن ملازمة لبحيرة الدموع أو بحيرة الأزهار. لم يكن هناك فرحٌ مطلق ولا حزن مطلق. كانت الطبيعة وكائناتها الصغيرة هي الموسيقى المنبثّة من بين الأغصان والأوراق؛ لهذا، فإن إنسان ذلك العصر كان يحتفل بالغريزة ويجعل يومه رقصًا مقدسًا، فهو يؤمن بالمعبد والفراغ والعدم والآلهة والنجوم والقوة العليا الخارقة التي تشدّه من رأسه، غير أنه لا يعرف كل ذلك كما نعرفه اليوم. فالبدائية التي كان عليها هي بدائية تعرّف على المحيط وما فيه، حتى وإن كان بالرقص.
(2)
كان زوربا يونانيًا، وقد جسّد على البحر شيئًا من أساطيرها القديمة. لم يكن الإغريق وحدهم مَن عرفوا الرقص، مع أن هناك إشارات لأفلاطون وأرسطو وبلوطرخس ولوقيان تؤكد أن الرقص كان مشهودًا لدى الإغريق، مثلما اقتنع هوميروس بأن يضع له وصفًا في إلياذته الخالدة، بينما جعله أرسطو حبًا لا يشبهه حب. وهذا ما دفع جلال الدين الرومي، في ما بعد، إلى أن يشكّل عبارته: “من دون الحب، كل الموسيقى ضجيج… كل الرقص جنون… كل العبادات عبء”. وأن يشكّل منها طوفانًا سماويًا ودورانًا حول النفس التي تستجيب لهذه الاهتزازات الغامضة. وهي، روميًا، تدور حول نور خالقها. بينما وُجدت لوحات راقصة في المقابر المصرية تعود إلى نحو 3200 سنة؛ على أن التاريخ الصيني القديم للرقص ارتبط بالشعوذة والسحر، وهو ما تشي به بعض الآثار المكتشفة على الخزف. في حين رقص الهنود بثقافة تراثية وأسطورية ما تزال ملامحها إلى اليوم ماثلة في الرقص البوليوودي الحديث، في تعبيرية فنية مارستها شعوب الرقص القديم على وجه التخصيص.
لا يمكن الإحاطة بالقديم من الرقص، لا تاريخًا ولا جغرافيًا، إذ كانت حياة ما قبل التاريخ بوهيمية، عبثية، تلقائية، فردية قبل أن تكون جماعية، وربما متشابهة في الأغراض الطقوسية والعِبادية عبر التعبيرية الجسدية والنفسية التي تتوخّى العبادة وتأليه السماء. وقبل هذا، هو تعزيز الروح الجماعية لدى القبيلة ووحدتها التي يتوجب عليها أن تتضامن لمواجهة مخاطر الطبيعة، كما عند القبائل الأفريقية حينما جعلت من الرقص تعبيرًا روحيًا لتعزيز وحدة الجماعة. لهذا، فتضامن القبائل هو تضامن اجتماعي ونفسي. ورقصهم المقدس كان موصولًا بقوىً خارقة بين السماء والأرض، وتدلّل المعابد القديمة على أنه كان أحد أشواط الروح التي يجمعها المعبد في اهتزازات سلوكية ربما هي قائمة حتى اليوم، كالشامانيين الذين يرقصون في المعابد لاستجلاب المطر وطلبًا للشفاء. في حين أن المصريين القدامى والهنود والتبتيين لم يفترقوا عن تلك القبائل بوصف الرقص طقسًا دينيًا عظيمًا يربطهم بالسماء والآلهة.
| كان زوربا يونانيًا، وقد جسّد على البحر شيئًا من أساطيرها القديمة (من فيلم “زوربا اليوناني” 1954 ، Getty) |
هذا نوع من التوقير للجسد وما بعد الجسد، يعقبه الخوف أيضًا من الطبيعة والظواهر الفلكية في السماء، مثلما هو انبعاث للفرح بطريقة الرقص الذي يربطونه عادةً بالدين والمسالك التي توصِل إلى السماء. حتى إن علماء الآثار عثروا على صور ومنحوتات للرقص التاريخي في الهند ومصر القديمة وأفريقيا والغابات البرازيلية، بوصفه عبادة وشفاءً ونشوةً شخصية وطيران النفس في تخوم أبدية، بما يشبه الهستيريا الجماعية التي ينتظمون فيها بأصواتهم من دون آلات موسيقية على الأرجح. وتلك الأصوات المنغّمة كانت كفيلة بأن تهزّ المشاعر الجماعية في هستيريا العبادة الراقصة. فمن الطبيعي أن تتأسطر تلك الفعاليات العفوية البدائية لترفع من القيمة الافتراضية للرقص، شفاءً وعبادةً وخوفًا من مختلف ظواهر السماء. كما تشير الأسطورة السنهالية القديمة إلى أن رقصة كانديان كانت تُرقص على ملك مريض لتتسبب في شفائه.
(3)
إنسان ما قبل التاريخ لم يكن يعرّف التفاعل مع الظواهر النفسية والاهتزازات الجسدية على أنها رقص، بل كان يعدّها طقوسًا عبادية مطلوبة. وغريزة الجسد علّمته في أوقات معينة أن عليه أن يهتزّ ويتمايل ويدرّب جسده على الحركات المتعددة، لطرد الطاقة السالبة والإتيان بالطاقة الإيجابية وبثّها في المكان بما فيه من أفراد ينسجمون مع الموقف الجماعي لاكتساب القوة والعبادة الغامضة التي كانوا عليها. حتى استمرّت هذه العبادة الطقسية إلى أجيال هضمت الفكرة وتوارثتها من السلف، لذا فإن الرقص، بما هو عليه من تطوّر سريع، يُعدّ فنًا يمارسه البشر من طقوس المعابد إلى عصر الإنترنت والذكاء الاصطناعي؛ أي من الهاجس الفسيولوجي إلى الهاجس التمثيلي في الرقصات الانتشارية مع الغناء، والفلسفية مع حركات الجسد الخارجية والداخلية، والموضعية التي ترتقي بالراقص إلى التعبيرية الجمالية، تحت أثر طقوس غنائية صوتية بمصاحبة الموسيقى.
نحفظ لروجيه غارودي قوله: “الرقص هو جماع الفنون كلّها”. وفي هذا تشخيص لإذابة الكثير من الفنون القريبة من جسد الرقص وحاسّته الشخصية التي تستحضر الكثير من الفنون المتاخمة له، كالموسيقى والغناء والسينما والأسطورة؛ كونه فنًا يجمع ما لا يُجمع، بدءًا من القيمة الدينية التي كان عليها يومذاك، حتى عصر الذكاء الاصطناعي الذي لم يغيّر الصورة بل غيّر النهج والمنهجية. وبالتالي، يمكن أن نعرف أن الرقص فن صاخب وهادئ ومثير. فالرقص الديني والتقرّب إلى الآلهة أخذا زمنًا طويلًا حتى استقاما كمنظومة فنية في عصر النهضة الأوروبي، عبر آلات لاحقة تغيّر فيها الرقص من مفهومه العِبادي الديني إلى المفهوم العلماني المفتوح على المتغيرات الفنية؛ متحررًا من شروطه القديمة التي نشأ الأسلاف الطقوسيون عليها.
التحوّل الذي حدث هو تحوّله إلى طريقة اجتماعية وفنية وفولكلورية وشعبية انتشرت في المجتمعات العالمية، وصارت شكلًا ثقافيًا يُعنى بالتقاليد والتراث الوطني، ومن الجماعية إلى الفردية أو بالعكس. وصيغت ملابس مناسبة لتلك العروض الاحتفالية البهيجة. وباتت عالميته مفهومة نظرًا لأن كل المجتمعات لها تقاليد ومناسبات وطنية وتواريخ محلية وفولكلور خاص بها.
(4)
الرقص مثل الرسم، ليس له لغة. لغته يفهمها الجميع من شمال الأرض إلى جنوبها. هو رشاقة روح قبل أن تكون رشاقة جسد. رياضة للتنفس والتأمل والتحليق العالي لما بعد الغيوم. وعيٌ بأن تكون الحياة عبارة عن رقصة دائرية لا تتوقف. جمال الشكل والقلب والعاطفة. تماسّ وعلوّ بين السماء والأرض. امتلاء نفسي، تحليق سامٍ وطيران روحي يندر أن يكون له مثيل؛ فالراقص الحقيقي هو الذي لا يرقص، بل ينفّذ تجليات الجسد ويطيعه.
الرقص يكاد يكون فلسفة قديمة اعتادها الإنسان منذ ما قبل التاريخ وحتى اليوم. لذلك نرى الراقصين الصوفيين قد اعتمدوه للتعبير عن خلجات نفسية كثيرة، وأدخلوا عليه بعض الآلات المساعدة لتنظيم الحركة والصوت؛ فرقصة التصوّف هي رقصة الدراويش، من إنتاج المجتمعات الإسلامية الذي أعقب تلك الأدوار الفطرية، فنأت عن الكثير مما أوجدته الرقصات القديمة. والأبرز فيها هي الرقصة المولوية التي ابتكرها جلال الدين الرومي، وتُمارَس مع الموسيقى بدوران جسدي وتأملي سريع للانفكاك عن الأرض والتحليق في عالم التأمل والفردانية وفناء البدن وتحريره من لوثات الشر الكثيرة التي تعترض إيمانه، وصولًا إلى مرحلة الكمال في تأمل الخالق وخلقه المُعجز في الكون الواسع ومناجاته الحثيثة.
في حين يجسّد متصوفو شعب المالاوي في دورانهم الفصول الأربعة، بسبب الحركة الدورانية التي يرقصون فيها، ليكونوا “على اتساق مع حركة الكون”. لكن ابتكر المتصوفة المصريون رقصة التنورة كطقس احتفالي دوراني جماعي، مصحوبة بالدفوف والصنوج، تبدأ من نقطة محددة وتنتهي في نقطة أخرى، بدوران متتالٍ، وفلسفتهم تقوم على الدوران مع الأفلاك والكواكب. وهي تشبه الرقصة المولوية في دورانها السريع. وفي الحالات كلها، لقد تغيّرت فكرة الرقص الفطرية، واستقر المتصوفة، في مختلف تسميات رقصاتهم، على رسم دائرة بأبدانهم الحيّة، للترقية بالوصول إلى الخالق، إذ يعدّونها دورانًا حول النفس، وانجذابًا إلى الله تعالى في رياضة روحية لا نهاية لها.
***
إن الكتابة دوران حول الفكرة في جمل تقصر أو تطول. فكرة الرقص المستمرة، كفكرة الكتابة التي تقف في نقطة، ثم تبدأ من نقطة أخرى.
بدأنا برقصة زوربا اليوناني، وانتهينا برقصات الدراويش من دون أن يكون للمرأة فيها نصيب. ففي مطالعاتنا التاريخية لم نجد راقصة دينية…!