-
رؤى الطويل….. الجمهورية .نت
-
-
-
هل يُمكن صياغة الماضي السوري في حكاية أو حكايات تقول لنا من نحن؟ كيف تُدار الصراعات الاجتماعية والسياسية بشأن ما يبقى حاضراً من الماضي في المجال العام؟ وكيف يُستعاد الماضي ويُمثَّل بما يُسهِم في التماسك الاجتماعي اللازم لإرساء السلام الوطني واستمراره؟ نحاول في هذا الملف مقاربة هذه الأسئلة وتعقيداتها من زوايا متعددة.
هذا المقال هو الأول في ملف «الحكاية السورية وسياسة الذاكرة».
* * * * *
ثمة مَيلٌ شائعٌ ومفهومٌ لصناعة سردية مُوحَّدة في سياقات التحوّل السياسي، يكون الهدفُ منها تقليلَ حدّة الانقسامات، وإضفاءَ طابع الانتصار الجماعي أو التحوّل المشترك على مرحلة الانتقال. غير أن هذه السرديات المُوحَّدة عادة ما تميل أيضاً إلى التبسيط، وكثيراً ما تَسقُطُ منها التجارب الأكثر تعقيداً أو الأشدّ إحراجاً: الضحايا الذين لا يُناسب وجودهم الخطابَ الرسمي، والجُناة أبناء البنية ذاتها التي أُعيدَ توظيفها بعد الانتقال، والروايات التي تكسر ثنائية الضحية والجلاد لأن التجربة الإنسانية أكثر تَشابُكاً من هذه الثنائية. من هنا، ينشأ توتر مستمر بين «الحقيقة» و«السردية». ما تفعله السردية في سياق العدالة الانتقالية لا يقتصر على توثيق ما جرى، بل يمتد ليُشكّلَ الإطار الذي يُقرَأ فيه كل شيء، بما في ذلك الجرح والإفلات من العقاب والغفران والمصالحة. وما تُحدِّده السردية المُنتَجة في هذه المرحلة من شروط الاعتراف والاستبعاد يُلقي بظلاله على شرعية المسار برمته.
لا بدَّ إذن لأي تجربة انتقالية أن تجد نفسها، وتجدنا معها، أمام تساؤل: هل يُمكن للعدالة أن تُبنى على سردية ناقصة؟ وهل اكتمال السردية ممكن أصلاً في ضوء ما نعرفه عن طبيعة الذاكرة والحروب وتَعدُّد التجارب؟ أَقترحُ في هذا المقال أن حسمَ هذه الأسئلة لا يكون بالإجابة عنها بالضرورة، بل بالطريقة التي يُتعامَل بها معها. هل تُطرَح بجدية أم تُدفَن تحت براغماتية اللحظة السياسية؟ هل تُفتَح مسارات للمراجعة حين تتكشَّفُ النواقص أم تُحصَّن الرواية الرسمية من كل تشكيك؟ هل يُعامَل الاعتراف الجزئي كمرحلة في طريق الاكتمال أم كغاية في حدّ ذاته؟ هذه الفروقات الدقيقة، عميقة الأثر، هي ما يُحدِّدُ في نهاية المطاف ما إذا كانت مسارات العدالة الانتقالية تمنح المجتمعات فرصة حقيقية للتحوّل، أم إنها تُنتِجُ اطمئناناً مبكراً ومؤقتاً يُؤجِّل ما لا بدّ من مواجهته في وقت لاحق.
المعنى المُتنازَع عليه: الذاكرة وما يتبقى بعد الحقيقة الرسمية
من المهم التذكُّرُ قبل كل شيء أن الصراع على السردية، بصفته صراعاً على صلاحية إنتاج المعنى والحقوق، يشغل حيزاً مهماً قبل الوقائع، ويتشكّل خلالها، ويستمر بعدها. كذلك فإن التمركز السردي، أي تَحوُّلَ روايةٍ بعينها إلى هيمنة تُظلِّل سائر الروايات بشرعيتها وتُهمِّشها، نادراً ما يحدث بأمر صريح، فهو يحدث تدريجياً بأثر تراكمي يُوسِّعُ شيئاً فشيئاً المسافة بين ما يُحتفَى به في الأماكن العامة وما يُقال في البيوت همساً. مما لا شكَّ فيه أن السرديات التي لم تُستوعَب ولم يُعترَف بها لا تختفي، إنّما تهبط إلى أشكال غير رسمية من التداول وتتراكمُ في وجدان الأجيال المتلاحقة مُنتظِرة لحظة سياسية مناسبة تعود فيها بكثافة، وهذا ما تؤكده الثورة السورية نفسها. ولعلَّ أكثر ما يُثير الانتباه اليوم أن جزءاً مهماً من السوريين يُعيد إنتاج بعض أدوات النظام البائد بصورة ممنهجة، خاصة في سعيه المحموم إلى ترسيخ هيمنة سردية يصعبُ معها الحديث عن سرديات بديلة دون أن يُفهَمَ ذلك كتهديد للرواية الجامعة أو تشكيكاً في إنجازات الانتقال.
ليست هذه الملاحظات دفاعاً عن أيِّ سردية بعينها، بل هي محاولة للفت الانتباه إلى طبيعة الذاكرة الاجتماعية، وإلى ديناميات الشرعية في مجتمعات يُحرَم بَعضُها من حق رواية تجربته في المجال العام. وهي تذكيرٌ أيضاً بمسؤوليتنا الجماعية، ومصلحتنا المشتركة، في تَجنُّب إعادة إنتاج الأدوات ذاتها التي عانى منها الجميع لعقود، ومن شأنها أيضاً أن تُبقي المجتمع أسيراً لدائرة مفرغة من النزاع وعدم الاستقرار. هذا التوتر القائم بين الوحدة الرمزية الضرورية لحفظ تمَاسُك الجماعة من جهة، وحقِّ الأصوات المهمشة في الوجود والاعتراف من جهة أخرى، لا تحلّه الإرادة السياسية وحدها على أهميتها، بل يستلزمُ بنية مؤسسية تحتملُ الاعترافَ بالتعدّد دون أن تنهار تحته. هنا تحديداً تظهر أهمية آليات العدالة الانتقالية، إذ يتجلّى هذا التوتر في حدود تعريف الضحايا والانتهاكات، وفي إطار الاستجابة المؤسسية، وفي الغايات المرجوة من تلك الآليات، وفي المساحة التي تُتيحها لتعدُّد السرديات.
تحمل مسألة تحديد فئات الضحايا ومعايير التعويضات ثقلاً سردياً يوازي ثقلها القانوني أو المالي. فحدودُ من يُعترَف به ضحيةً ومن يقع خارج التعريف، وما يُعَدُّ انتهاكاً يستوجب الجبر وما يُنظَر إليه بوصفه نتيجة «حتمية» لظروف النزاع، أو خارج نطاق المعالجة بحجة «عدم واقعية» إدماجه في العملية الانتقالية، تُرسَم في سياق يتجاوز المعايير القانونية المجرّدة، وتتشكّل وفق الرواية التي تعتمدها الجهات المعنية، حكومية كانت أم دولية أم محليّة، بشأن طبيعة ما جرى وأسبابه ومسؤولياته، وتبقى على هامشها دائماً أشكالٌ من المعاناة لا تُصنَّف بسهولة، كالدمار الاجتماعي للمجتمعات، والجروح النفسية المتراكمة عبر أجيال، والتهميش الاقتصادي الذي يستمر سنوات طويلة بعد انتهاء العنف المباشر. إذاً حين تغيبُ هذه الأشكال عن تعريف الضرر، لا تغيب بالخطأ وحده، فالسرديةُ الحاكمة للعملية رسمت حدود الاعتراف بطريقة لا تتسع لها. وتزداد الإشكالية وضوحاً وتعقيداً حين يتقاطع الضحية والجاني في الشخص نفسه، وهي من المعضلات المعروفة في سياقات العدالة الانتقالية، حيث يكون الجاني ضحية للنُظُم القائمة، أو يتحوَّلُ بعض الضحايا في سياقات لاحقة إلى مساهمين أو مرتكبي عنف بحق آخرين. لا يُلغي أيٌّ من الوصفين الآخر، لكنه يكشف محدوديةً جديّةً في التصنيفات الثنائية داخل نزاع مُمتدّ تتبدّلُ فيه الظروف والمواقع التي يشغلها الفردُ عبر الزمن.
وتكشف مسألة المسؤولية بدورها عن أثر السردية في تشكيل ما يُعَدّ عادلاً ومقبولاً. ثمة فارق دقيق لكنه جوهري بين المسؤولية الفردية كما تُعالِجها المحاكم، والمسؤولية المؤسسية والاجتماعية الأشمل التي تتساءل عن الشروط التي جعلت الانتهاكات ممكنة. تُفضِّلُ السردياتُ الانتقالية الرسمية نوعَ المسؤولية الأول لكونه قابلاً للترجمة إلى إجراءات قانونية واضحة، وهي حين تفعل ذلك تُعفي البنى والأنظمة من المُساءَلة وتُغلِق السؤال الأصعب: كيف أمكنَ لهذا كله أن يحدث؟ وما الذي جعل الكثير منّا متواطئاً؟ لا يُطرَح هذا السؤال هنا لتوزيع الإدانة، بل لأنَّ فهم الشروط المُنتجِة للعنف شرطٌ أساسيٌ لاجتثاثها. وحدها السرديات التي تجيب عنه بصدق هي القادرة على الإسهام في عدم التكرار.
حين تتبنى الدولة مسارَ العدالة الانتقالية من موقع القوة لا موقع حساسية حقيقية، تُخاطِرُ بشكل كبير بتحويل المسار برمته إلى وظيفة سردية بالدرجة الأولى، أي أداة لإعادة تأهيل الشرعية عبر اعترافٍ مُدار. فتطغى الرمزية على الجوهر ويُحتفَى بالاعتراف بما جرى بوصفه غاية في حدِّ ذاتها، بدل أن يكون نقطة بداية لتحوّلات هيكلية. للاعتراف الرمزي قيمته، غير أنّ هذه القيمة تتوقف إلى حدّ بعيد على السياق الذي يحدث فيه وعلى ما يتبعه أو لا يتبعه.
والمصالحة، بوصفها إحدى الغايات الكبرى، تحمل في مفهومها إشكالية سردية عميقة تقوم على فرضية ضمنية بقدرة الأطراف، على اختلافها، على الإقرار بروايات بعضها أو التعايش معها في نهاية المطاف. لا يعني الإقرار تَوافُقاً على رواية واحدة موّحدة، بل ما هو أدقُّ وأصعب، وهو القدرة على الإقرار بأن للآخر تجربة حقيقية حتى حين تتعارض مع تجربتنا، وأن الحقيقة في النزاعات المعقدة نادراً ما تكون ملكاً لطرف واحد. يقتضي هذا النوع من الإقرار تحوّلاً في الموقف الداخلي يدعم أيَّ إجراءٍ خارجي تفرضه مؤسسة ما، وعليه، فهو يحتاج إلى تهيئةٍ أهمُّ ركائزها الوعيُ بأنّ السرديات في مسارات العدالة الانتقالية ليست إطاراً محايداً يحمل الحقائق، بل هي جزء من إنتاجها. هي ليست وعاء للمعنى بل هي مَصنعُه. ويُلقي هذا مسؤوليةً مضاعفةً على المؤسسات والآليات المُشرِفة على هذه المسارات، إذ عليها أن تدرك حدودَ ما تُنتِجه وما تُغفِله، وربما لا يكون المعيارُ الحقيقي لنجاح أيِّ مسارٍ ما حقَّقهُ من توافق آني، بل ما أتاحهُ للمجتمع من إمكانية أن يحمل ماضيه الثقيل دون أن يُصبح سجينه، وأن يتساءل عمّا جرى دون أن يتحوَّلَ التساؤل إلى عودة لما كان.
السياق السوري: الرواية في حالة لا تنتهي
يُضفي حجمُ ونطاقُ الحالة السورية على المعاناة بُعداً وثقلاً لا يُحتمَل، يصير معه توظيف المقارنة البسيطة بين السرديات السورية المُتعدِّدة أداةً غير مجدية لفهمها. لا يمكن، ولا يجدر بنا، وضعُ رواية في مواجهة رواية وقياسُ أيّهما أقرب إلى الحقيقة، ما دامت كل واحدة تعمل وفق منطق داخلي نشأ من تجارب حقيقية، ومن أوضاع حدّت من الخيارات المتاحة، ومن تاريخ طويل من تراكم الخوف والصمت.
يُشكِّل المِهجَرُ السوري مثلاً، بتشعُّبه الجغرافي وتَعدُّد مواقعه وأجياله، فضاءً سردياً مستقلاً، وإن ظلَّ مرتبطاً بالداخل بروابط عاطفية ورمزية عميقة. من غادرَ في الأشهر الأولى، ومن رحل بعد سنوات من الصمود، ومن خرج مُهرَّباً تحت القصف ومن فرَّ من مناطق سيطرة متعددة، ومن عاد ومتى عاد وإلى أين، ومن لم يزل يعيش حالة الانتظار… لكُلٍّ منهم تجربة ورواية مختلفة عن السبب والمعنى وما يجب أن يحدث. والصوتُ الذي يملك منبراً في الإعلام أو المناصرة أو الفضاء الأكاديمي والسياسي ليس بالضرورة الصوتَ الأكثر تمثيلاً لمجموع التجربة السورية. لا تنتقص هذه الملاحظة من مشروعية أي صوت، لكنها تُذكِّرُ بأن القدرة على التعبير ليست مرادفاً لعمق التجربة. فثمة من آثروا الصمت، داخل البلاد وخارجها، بعضهم لا يزال في مرمى الخطر، وبعضهم يحتاج إلى وقت، وبعضهم لم يجد من يُنصِت، وبعضهم يرفض الأدائية المرتبطة بصورة الضحية، وهؤلاء جميعاً يحملون روايات لم تُسمَع بعد.
الاعتراف بتجربة جماعة، بخوفها وبما دفعته ثمناً للبقاء، وبما ورثته من هشاشة تاريخية، لا يستلزم بالضرورة تبرئة قراراتها أو ممارساتها. والعكس صحيح أيضاً؛ فتوثيقُ الجرائم المُرتكَبة لا يُلغي التجربة الإنسانية لمن كانوا في المحيط أو الظلّ أو حتى داخل المنظومة خوفاً لا اقتناعاً. هذا التمييز هو ما تُبسِّطه لغة الضحية والجلّاد حين تُعامَل بوصفها تصنيفاً نهائياً.
ليست الذاكرة الانتقائية نقيصةً أخلاقية بالمعنى الفردي؛ فهي في كثير من الأحيان آليةُ نجاة تُمكِّنُ الأفراد والجماعات من الاستمرار في مواجهة العنف والفقد. لكنها حين تتحول إلى منهجٍ جمعي في قراءة الماضي وتفسيره، تُخاطِر بإنتاج تمركُزٍ ذاتي يَضيقُ بالتعقيد الأخلاقي والسياسي الذي تتطلبه مراحل الانتقال.
إن فهمَ الانحباس السردي الذي تعيشه شرائح واسعة من السوريين بصفته شرطاً للبقاء النفسي والاجتماعي، لا مجرّدَ موقف سياسي، يجعلُ المُساءلة نفسها رهينةً بالشروط التي تُتيح للناس مراجعة ذواتهم دون خوف من الانهيار أو الإقصاء. من هنا تبدو الرغبة في الإمساك بصورة واضحة عمّا جرى مفهومة ومشروعة عاطفياً، تلك الصورة المتداولة عن جهة ارتكَبَت والباقي ضحايا. جزءٌ من هذه الصورة يستند على حقائق، فمنظومة السلطة السابقة مسؤولة عن جرائم مُوثَّقة لا تقبل الجدل، تشملُ التعذيب الممنهج، والاختفاء القسري، واستهداف المدنيين بأسلحة محرّمة دولياً، وتدمير البشر والحجر، ولا تقتصر عليها. هذا ليس رأياً قابلاً للمُزايدة. لكنّ الإشكالية تبدأ حين يتحوّلُ اليقين الأخلاقي إلى إغلاق سردي يمنع طرح الأسئلة الأشدَّ إزعاجاً، وهي ليست تلك التي تُطرَح بين المعسكرات، إنّما تلك التي يتحاشاها كلّ معسكر في داخله، ومن أهمها سؤال المسؤولية المُوزَّعة، لكنْ ليس بالمعنى الذي يُسوّي بين المسؤوليات أو يُقلِّل من جرائم محدّدة، بل بالمعنى الذي يتجرأ على القول إن الاستمرارية التي أتاحت للمنظومة أن تُعيد إنتاج نفسها عقوداً لم تكن ثمرة السلطة العارية وحدها، بل كانت أيضاً ثمرة صمت اجتماعي، وشبكات مصالح وولاءات، واقتصاد غير رسمي من الامتيازات والإفلات من العقاب وَزَّعَ مكاسبه بطرق جعلت الخروج عنه مُكلِفاً للفرد. يُطرَح هذا كلّه لفهم كيف تعمل الأنظمة المُغلَقة، وكيف تَصنَعُ بمرور الوقت مُجتمَعاً يصعب عليه أن يتعرّفَ على درجة إسهامه في استمرار ما يُعانيه.
لا يملك أيُّ تيار سياسي سوري اليوم ثقافة راسخة للمراجعة الذاتية بالقدر الكافي. وربما تُفسِّرُ ذلك الضغوط التي يعيشها مِن تَشرذُم وخسارة ومواجهة مستمرة، فيُمسي التساؤل الداخلي ترفاً أو مصدرَ ضعف لا موردَ قوة. غير أن كلفة غياب المراجعة الذاتية تتجاوز، على المدى البعيد، كلفة ممارستها. فكل رواية تنغلقُ على ذاتها تصير مع الوقت عبئاً على من يحملها قبل أن تكون حجةً على من يخاطبه. وهنا يظهر الانحباس السردي في أوضح صوره، حين تتحول الرواية من أداة تُساعد الجماعة على فهم تجربتها والتواصل مع غيرها إلى إطار يُقيّدها. الجماعة العاجزة عن مراجعة نفسها لا تُنتِجُ سرديةً تبحث عن الحقيقة بقدر ما تُنتِجُ سرديةً تضمن استمرارها، وهذان مشروعان لا يسيران دائماً في اتجاه واحد.
ويبقى السوريون الأشد تَضرُّراً خارجَ المعادلة السردية السياسية في كثير من الأحيان، حتى حين يُستشهَد بتجاربهم. إذ تتحول تجربة الألم الفردي، عند إدراجها في رواية جماعية، إلى معنى أوسع يُقتَطَعُ فيه التعقيدُ وتسقطُ منه التفاصيل لصالح الدلالة العامة. ولا يكون من عاش ما عاش متأكداً دائماً من أنّ الرواية التي تُروَى باسمه تُعبِّر عنه فعلاً، لكنه يجد نفسه في موقع لا يستطيع فيه الاعتراض دون أن يُوصَف بالخيانة أو سوء الفهم. وهكذا يفقد الشاهد القدرة على مساءلة توظيف شهادته، وهو شكلٌ من أشكال العنف الرمزي الأقلِّ حضوراً في نقاشات العدالة السورية.
خلاصة
تُناقِشُ سوريا اليوم سردياتها في وقت تتشكّلُ فيه موازين القوى من جديد، وتُعاد فيه رسم الحدود الإدارية والسياسية والجغرافية. ليست الروايةُ الأقدرُ على التكيُّف سياسياً هي الأصدق بالضرورة، لكنّ الصدق وحده غير كاف في واقع لا تزال فيه شروط القوة والاعتراف موضعَ تَنازُع.
ما يبدو واضحاً من تأمُّلِ هذا السياق هو أن هيمنة أي سردية على الذاكرة الجماعية السورية تحتاجُ أكثرَ من الحجج المضادة في مواجهتها، كإعادة فتح الأسئلة التي أُغلقت. سوريا تجربةٌ مفتوحةُ الجرح، ومن القسوة أن يُطلَب منها اكتمالٌ لا تملك شروطه. لكن يمكن، وربما يلزم، أن يصبح التساؤل حول السرديات المحمولة، داخل كل معسكر وليس في مواجهة غيره فقط، مُمارَسة ممكنة لا تُفهَم بوصفها تخلياً عن العدالة. فعندما تبقى السرديات مغلقة على ذاتها، يفشل الحوار بينها في إنتاج مسار، ويُعاد إنتاج الانسداد بصيغة جديدة. ويحتاج التعامُل مع السرديات توازناً بين الاعتراف بالتجارب والألم، وبين مقاومة تحويل أي سردية، مهما بلغت قوتها أو انتشارها، إلى حقيقة مطلقة. كل سردية هي محاولة لفهم واقعٍ معقّد، لا يستنفدهُ صوتٌ واحد.
-