خيرالله خيرالله. كاتب لبناني .. العرب اللندنية
ليس ما يفسّر الحملة الإيرانيّة التي تتعرض لها المملكة العربيّة السعودية ودول مجلس التعاون الست سوى دليل على العجز الإيراني عن إقامة علاقات طبيعية مع الدول القريبة من “الجمهوريّة الإسلاميّة”.
حملت روح العداء، التي تميّز بها السلوك الإيراني، المملكة العربيّة السعودية إلى اتخاذ قرار، من نوع مختلف، وذلك في سياق الدفاع عن نفسها في مواجهة “الجمهوريّة الإسلاميّة”. يشير القرار السعودي الجريء والبعيد النظر المتمثل في الاتفاق الدفاعي مع تركيا وباكستان إلى إدراك عميق للألاعيب والمناورات التي اعتادت إيران ممارستها منذ 47 عاما، أي منذ قيام نظام “ثوري” جديد على أنقاض نظام الشاه. كذلك، يشير القرار إلى فهم حقيقي وواقعي للتغييرات التي تشهدها المنطقة والعالم في مرحلة بات فيها على “الجمهوريّة الإسلاميّة” الدفاع عن نظامها بعدما انتقلت الحرب إلى أرضها.
ليس الاتفاق ذو الطابع الدفاعي الذي توصلت إليه المملكة مع تركيا وإيران سوى رسالة في غاية الوضوح. تمتلك الرسالة أهمّية إستراتيجية وبعدا إقليميا. فحوى الرسالة أنّ هناك استيعابا على صعيد المنطقة، أي في تركيا وباكستان أيضا، للخطر الذي تشكله “الجمهوريّة الإسلاميّة” والأيديولوجية التي اعتمدتها ولا تزال تعتمدها.
باتت إيران ترى في مهاجمة جيرانها العرب القريبين منها بديلا ثابتا من مهاجمة القطع البحرية الأميركيّة الموجودة في مياه الخليج غير بعيد عن الساحل الإيراني. أكثر من ذلك، تتردّد إيران في مهاجمة إسرائيل خشية ردة فعلها التي هي أشدّ إيذاء ودقة من ي ردّ فعل أميركي.
الاتفاق الدفاعي السعودي مع تركيا وباكستان يعكس إدراكًا عميقًا لخطورة الأجندة الإيرانية ويؤكد أن أمن المملكة يتطلب تحالفات إقليمية لمواجهة أدوات إيران
تكمن أهمّية الموقف السعودي المستجد من رؤية تأخذ في الاعتبار أنّ التعاطي مع إيران والعدائية التي تظهرها يعني التعاطي أيضا مع الأدوات الإيرانيّة، بما في ذلك ميليشيات “الحشد الشعبي” في العراق التي تعتدي على المملكة وعلى دولة الكويت.
من هذا المنطلق، يمكن فهم الإصرار السعودي على وضع الحكومة العراقيّة أمام مسؤولياتها. ليس حدثا عاديا أن يذهب مسؤول سعودي، هو رئيس المخابرات خالد الحميدان، إلى بغداد لمقابلة رئيس الوزراء على الزيدي. تعني الزيارة الكثير، بما في ذلك شخصية المبعوث السعودي وصفته. تعني الزيارة، قبل أي شيء، وضع الأمن في مقدّم العلاقات السعوديّة – العراقية. من وجهة نظر الرياض، لا بدّ من أن تثبت الحكومة العراقية أنّها صاحبة قرارها بعدما عرض المسؤول الأمني السعودي كلّ ما يمتلكه من معطيات دقيقة تؤكّد أنّ ميليشيات “الحشد الشعبي” تتصرّف بشكل مستقل عن الحكومة. تعتبر زيارة المسؤول الأمني السعودي امتحانا لحكومة الزيدي التي صار عليها إثبات أنّها قادرة بالفعل على التحكم بما يدور على أرض العراق.
تحول “الحشد الشعبي” إلى أداة إيرانية بامتياز لا أكثر. لا مجال لأي علاقات طبيعية سعودية – عراقية من دون إمساك الحكومة العراقيّة بقرار الحرب والسلم واحتكارها للسلاح. ليست زيارة الحميدان لبغداد غير تأكيد لواقع جديد تختزله عبارة واحدة هي: أمن السعوديّة أوّلا. ستظهر الأيام القليلة المقبلة هل تمتلك حكومة الزيدي ما يسمح لها بالسعي إلى إقامة علاقات طبيعية مع الدول العربيّة الأخرى… أم ستبقى أسيرة الهيمنة الإيرانية ممثلة بميليشيات “الحشد الشعبي” التي تدفع رواتب المنتمين إليها من خزينة الدولة العراقية؟
الهجمات الحوثية على أرامكو وباب المندب تكشف استخدام إيران لوكلائها فيما يضع الاتفاق السعودي–التركي–الباكستاني أساسًا لتحالف يردع التهديدات ويعزز أمن الملاحة
سيرتدي أي اعتداء إيراني جديد على المملكة طابعا أكثر تعقيدا في ضوء الاتفاق السعودي – التركي – الباكستاني. لكنّ الواضح، أقلّه إلى الآن، أنّ “الجمهوريّة الإسلاميّة” مصرّة على الاعتقاد أن في استطاعتها متابعة السير في سياسة تقوم على امتلاك الورقة اليمنيّة. لا شكّ أن إيران قررت استخدام الحوثيين في مجال تنفيذ اعتداءات، لحساب إيران، على المملكة العربيّة السعودية. الدليل على ذلك استهداف مصفاة “أرامكو” على البحر الأحمر. جاءت مهاجمة الحوثيين، الذين ليسوا سوى أداة إيرانيّة، للمصفاة السعودية في وقت يقوم هؤلاء بنشاط عسكري في كلّ الاتجاهات في اليمن. شمل ذلك مهاجمة ميناء المخا اليمني الذي يتحكّم بمضيق باب المندب بواسطة المسيرات. لعبت دولة الإمارات العربيّة المتحدة في العام 2014، عن طريق قوى محلّية، دورا حاسما في منع الحوثيين من المكوث في المخا بعد إخراجهم من عدن نفسها. منعت القوى المحليّة اليمنية الحوثيين من التحكم المباشر بباب المندب.
كان التحكّم بباب المندب، في كلّ وقت طموحا إيرانيا، نظرا إلى أهمّية المضيق الذي يشكل المدخل الإجباري إلى البحر الأحمر وإلى قناة السويس.
أي دور سيكون للتحالف السعودي – التركي – اليمني في وضع حدّ للتهديد الذي يشكله الحوثيون على أمن الملاحة في البحر الأحمر الذي يعتبر مضيق باب المندب مدخلا إليه؟ سيفرض مثل هذا النوع من الأسئلة نفسه في المستقبل، خصوصا أن التصرفات الأخيرة للحوثيين تشير، بين ما تشير إليه، إلى رفض أي حلول أو تسويات ذات طابع سياسي وأنّ ليس في استطاعتهم الخروج بأي شكل من تحت عباءة “الحرس الثوري” الإيراني.
يظلّ الاتفاق السعودي – التركي – الباكستاني نقطة تحوّل على الصعيدين السعودي والإقليمي. عندما ستهاجم إيران السعودية مباشرة أو غير مباشرة، سيكون ذلك هجوما على تركيا وباكستان أيضا.
لا يمكن في طبيعة الحال الحديث عن حلف سنّي في مواجهة إيران في ضوء وجود شخصيات شيعية مهمّة تشارك في صنع القرار في باكستان. لا يمكن سوى أخذ العلم بأن عاصم منير قائد الجيش الباكستاني شيعي وقد لعب دورا محوريا في رسم السياسة الباكستانية تجاه إيران.
في النهاية، يظلّ مطروحا موقف إسرائيل من الاتفاق، خصوصا أنّّها معنية أيضا بما ستكون عليه التوازنات الإقليمية، من الزاوية الأمنية، بعدما انتقلت الحرب إلى داخل إيران وبعدما بات مضيق هرمز يشكل عقدة العقد. فما لا يمكن تجاهله أنّ اندلاع مواجهة أميركيّة مع إيران، بمشاركة إسرائيل أو عدم مشاركتها، يبقى واردا في كلّ لحظة بعدما قررت “الجمهوريّة الإسلاميّة” وضع شروط تعجيزية من أجل إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية…