
بالتزامن مع أكبر موجة احتجاجات تشهدها سوريا منذ سقوط نظام الأسد، من حيث نقاط الانتشار وتوزعها، خلال يومَي الأحد والاثنين، كان المستوى الرسمي وقطاع الأعمال في دمشق، في وادٍ آخر. إذ انشغل المسؤولون الرسميون باستقبال بعثة غرفة التجارة الأميركية التي تزور سوريا، بمشاركة 50 شركة و80 مبعوثاً. فيما انشغل قطاع الأعمال بانطلاق المعرض الدولي لإعمار سوريا “إعمار 2026″، بمشاركة مئات الشركات المحلية والعربية والدولية.
وفي عالم الأرياف والمحافظات التي عانت لعقود من تهميش تنموي كانت طرقات دولية تُقطع وإطارات تشتعل وأفراد غاضبون يعبّرون عن سخطهم، فيما كانت دمشق الرسمية محتفظة بهدوئها، إذ اكتفت وزارة الطاقة بشرح أسباب الفقزة النوعية في أسعار المشتقات البترولية التي أعلنتها صباح الأحد، لتعود لاحقاً إلى نشاطها الروتيني المعتاد وفق ما توحي به الأخبار التي تعرضها منصاتها الإعلامية.
لا يعني ما سبق أن الحكومة منفصلة عن الواقع. فصنّاع القرار في وزارة الطاقة على الأقل، يدركون ثقل وطأة قرار رفع أسعار المشتقات النفطية على معيشة السوريين، بدليل التمهيد الذي سبقه عبر معرّفات الوزارة ووسائل الإعلام الرسمية حول ارتفاع أسعار النفط العالمية وأثر أزمات “هرمز” و”باب المندب”. لكن كما حدث مع القفزة التاريخية في أسعار الكهرباء نهاية العام الفائت، التي أعقبتها احتجاجات متفرقة، انتهى المشهد إلى احتواء غضب الشارع بطرق مختلفة. في المدن، تضطر الأغلبية للدفع، أما في الأرياف، فتتقي السلطات غضبة الناس وتتجاهل التعديات على الشبكة الكهربائية أو تتعامل معها بحذر. المهم أن لا احتجاجات ميدانية اليوم على أسعار الكهرباء. تقبّلَ السوريون الواقع، وتقبّلت السلطات المعنية محدودية إمكان تطبيق قرارها باختلاف المناطق وسكانها وظروفهم المتباينة، لتعيش البلاد رهاناً جديداً على تقبّل السوريين لتبعات تحرير أسعار المحروقات وتأثّرها بمتغيرات ظروف الاستيراد التي تحكم حاجة البلاد. إذ لا دعم بعد اليوم. فالحكومة اتخذت مساراً نحو الانضباط المالي وتجنّبِ الدعم المباشر للسلع الاستهلاكية، وتنسِّق مع صندوق النقد والبنك الدوليين، وتتلقى إشادات منهما على ذلك، وتواصل الذهاب أبعد في الانتقال نحو اقتصاد السوق الحر وفق مبدأ “العلاج بالصدمة”.
وقياساً على تجارب مشابهة في الانتقال الاقتصادي، نستطيع القول إن صانع القرار يراهن على تجاوز “مرحلة الألم الاقتصادي” بسلام، عبر احتواء الغضب الشعبي -المتوقع تكراره في الفترة المقبلة- بطرقٍ تفككهُ ولا تتيح له أن يتحول إلى حركة احتجاج متسقة.
هذا الرهان الحكومي يُبنَى على رهان آخر، يرتبط بتجاوزٍ قريب للفجوة الزمنية التي يشبّها الاقتصاديون المؤيدون لمبدأ “العلاج بالصدمة”، بشكل حرف “J“، إذ تسوء المؤشرات الاقتصادية في البداية وتتجه هبوطاً، قبل أن تبدأ بالتعافي والنمو على المدى الطويل في اتجاه صاعد. ووفق هذا التشبيه، يعيش السوريون اليوم في قاع منحنى “مرحلة الألم الاقتصادي”. لكن صندوق النقد الدولي ووزارة المالية السورية يتوقعان بدء المسار الصاعد قريباً، مع حديثهم عن نمو الاقتصاد السوري بمعدل من خانتين (10% أو أكثر) خلال 2026، واستمرار الأداء القوي في العام التالي.
وفيما تراهن الحكومة على احتواء غضبات الشارع، يبقى رهان نجاح “العلاج بالصدمة” على الحكومة ذاتها، وعلى عوامل أخرى قد لا تكون في متناولها. ففي كثير من تجارب التحوّل وفق هذا المبدأ، كانت النتائج النهائية مخيّبة، وكانت حصيلة “الألم الاقتصادي” مزيداً من “الألم الاقتصادي”. ومن أشهر تجارب الفشل في تطبيق هذه الوصفة، روسيا في تسعينيات القرن الماضي، والتي عاشت قفزة تضخمية بنسبة 2500%، وظهرت طبقة “أوليغارشية” استولت على أصول الدولة بتكاليف بخسة فيما انهارت الطبقة الوسطى، قبل أن يتعافى الاقتصاد الروسي بفضل طفرة أسعار النفط والغاز العالمية بعد العام 2000، لا بفضل وصفة “العلاج بالصدمة”. وتقدّم تجربة تشيلي عام 1975، خاتمة أخرى غير مشجعة للتجربة ذاتها، إذ انتهت إلى تفاوت طبقي حاد وفجوة اجتماعية استمرت عقوداً وتسببت باضطرابات سياسية متتالية. كذلك لدينا تجربة بوليفيا عام 1985، التي نجحت في خفض معدلات التضخم الجامح وإعادة هيكلة الديون خلال فترة قصيرة، لتُوصف بأنها “معجزة اقتصادية”، إلى حين، قبل أن تتبدى آثار التحوّل الاقتصادي “الصادم” على المدى الطويل، في مظاهر ركود تنموي، وتفاقم للفقر والأمية، وتدهور لمعيشة الطبقة العاملة والمزارعين، وتوترات اجتماعية وسياسية حادة.
أما في أكثر التجارب نجاحاً، في بولندا عام 1990، والتي عانى شعبها من تضخم مفرط وتدهور معيشي حاد، قبل أن تتحول إلى أحد أسرع الاقتصادات نمواً في أوروبا، كان سرّ نجاح وصفة “العلاج بالصدمة” لديها، هو وجود مؤسسات قوية ونظاماً مصرفياً قادراً على استيعاب التحوّل، ناهيك عن تلقيها مساعدات مالية ضخمة من جانب دول الاتحاد الأوروبي. فيما تقدّم التجربة الصينية نموذجاً من “التدرج الحذر” في التحوّل الاقتصادي والإصلاح خطوة بعد خطوة، بعيداً عن رهانات “العلاج بالصدمة” الدراماتيكية الحادة، التي تقوم على فكرة حرق المراحل.
فالرهان على أن “مرحلة الألم الاقتصادي” مؤقتة، وسيعقبها انتعاش معيشي يُترجَم في حياة معظم السوريين، رهان غير مضمون العواقب، ناهيك عن أنه محفوف بالمخاطر، ويرتبط بالحاجة لمؤسسات قوية واستقرار سياسي ودعم مالي خارجي، يسمح بتوفير استقرار اجتماعي يضمن عدم خروج الأمور عن السيطرة في المرحلة العصيبة من التحوّل.