القاهرة – طلب الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي عقد جلسة طارئة لمجلس النواب للحصول على تفويض بشأن أي تدخل تطلبه المملكة العربية السعودية لحمايتها والدفاع عنها، مؤكدا وقوف بلاده بقوة إلى جانب أشقائها في دول الخليج العربي.
وجاءت تصريحات الرئيس المصري خلال حفل تخريج دفعات الأكاديمية العسكرية المصرية في العاصمة الإدارية الجديدة، حين قال إنه لا يمكن لمصر أن تشاهد المساس بأمن المملكة وتقف موقف المتفرج، وإن مصر لا تبحث عن دور، وإنما تتحرك انطلاقا من مسؤوليتها تجاه أشقائها.
وأضاف السيسي أن القاهرة ستتخذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن السعودية، وفق ما طرحه بشأن توجيهات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان.
وبحسب نص الدستور المصري، تعود صلاحية إعلان الحرب وإرسال القوات المسلحة في مهمة قتالية خارج الحدود إلى رئيس الجمهورية، ولكن بعد أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني وموافقة مجلس النواب بأغلبية الأعضاء، وفقا للمادة 152.
ولا يعد الانعقاد الطارئ استثناءً في الأسابيع الأخيرة، فقد انعقد مجلس النواب في جلسة طارئة في 30 سبتمبر بقرار من الرئيس، قبل يوم واحد من افتتاح دور الانعقاد الجديد، وكان ذلك في سياق حديث السيسي عن تأمين الجبهة الداخلية ومحاولات إثارة المشكلات بين مؤسسات الدولة.
وعلى الرغم من أن تلك الجلسة تناولت موضوعا مختلفا، إلا أنها تُظهر أن الدعوة إلى الجلسات الاستثنائية أضحت أداة سياسية ودستورية تستخدمها الرئاسة المصرية للتعامل السريع مع الملفات الملحة.
ويحمل طلب التفويض البرلماني المسبق دلالات سياسية واستراتيجية عميقة، إذ أن طلبه قبل وقوع الحاجة الفعلية للمشاركة الميدانية يعني أن الهدف ينطوي على إرسال رسائل متعددة الأبعاد.
وتتمثل الأولى في إرسال رسالة إلى الداخل المصري مفادها أن الخطوات الأمنية والعسكرية الخارجية تخضع لتوافق مؤسسي ودستوري صارم.
أما الرسالة الثانية فموجّهة إلى الأشقاء في الخليج لترسيخ الجاهزية المصرية الكاملة، في حين تبرز الرسالة الثالثة كإنذار موجه للأطراف المعنية بالهجمات بأن القاهرة تضع خطوطا حمراء لحماية الأمن القومي الخليجي.
وجاء الموقف المصري عقب سلسلة هجمات دموية وقعت بين 6 و12 أكتوبر، استهدفت مطارات الرياض وأبها والدمام بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، مما أسفر عن مقتل 20 شخصا وإصابة أكثر من 370 آخرين، كان من بينها 12 قتيلا سقطوا جراء ضربة استهدفت مطار الرياض في 10 أكتوبر.
وثقت تقارير عسكرية اعتراض صواريخ ومسيّرات في سماء الخرج وخميس مشيط والمدينة المنورة، إلى جانب إصابة ناقلة بمقذوف مجهول، مما أدى إلى تأجيل قمة الاتحاد الأوروبي والخليج المقررة في الرياض وتكثيف التحذيرات الأمنية الأميركية.
طلب السيسي قبل وقوع الحاجة الفعلية للمشاركة الميدانية يعني أن الهدف ينطوي على إرسال رسائل متعددة الأبعاد
وفي ظل هذا التوتر الإقليمي المتصاعد، دعا المستشار الدبلوماسي الإماراتي أنور قرقاش إلى “عمل خليجي مشترك”، مشددا على أن أمن دول الخليج وحدة واحدة وغير قابل للتجزئة.
وفي المقابل، نفت إيران تورطها في الهجمات الصاروخية والمسيّرة، وأعلن وزير خارجيتها عباس عراقجي استعداد طهران للوساطة بين السعودية والحوثيين.
وتتهم الرياض في المقابل طهران بمواصلة تسليح الجماعة الحوثية وتدريبها، مما يضاعف من حالة الاستقطاب السياسي والعسكري في المنطقة.
استحضر السيسي مواقف الدعم الخليجي لمصر عقب أحداث عام 2013 وإمدادات القمح والطاقة الحيوية التي قُدّمت للقاهرة، موجها الخريجين لأداء التحية العسكرية لأشقائهم، في تأكيد واضح على التوازن بين واجب العروبة والديْن السياسي المتبادل بين الطرفين.
وبحسب تقارير إعلامية مصرية، طلب السيسي من خريجي الأكاديمية أداء التحية العسكرية للأشقاء في الخليج، مؤكدا في موضع آخر من كلمته أنه لولا دعم الخليج بعد عام 2011 لما عرف أحد ما الذي كان سيحدث لمصر.
وتشير هذه الإحالة الصريحة إلى أن خطاب القيادة المصرية يوازن بدقة بين لغة المصلحة الاستراتيجية ولغة الواجب القومي؛ فالرئيس يشدد على أن مصر “لا تبحث عن دور” أو هيمنة إقليمية، لكنه يربط الموقف بخلفيات تاريخية ودين سياسي وأخلاقي معلن.
ويُذكّر هذا التوجه بالمشاركات المصرية السابقة، حيث شاركت القاهرة في عملية “عاصفة الحزم” عام 2015 بقطع بحرية وجوية دون إرسال قوات برية بحسب ما أُعلن حينها، مما يؤكد وجود سابقة عملية في تقديم دعم عسكري لعمليات تقودها الرياض ضمن أطر وسقوف محددة.
تتجسد الصياغة الشرطية والتوزيع السياسي كأول أبعاد التحرك المصري، إذ إن استخدام عبارة “إذا طُلب منا” يربط الإجراء برمتّه بقرار سعودي رسمي، وهو ما يُوزع المسؤولية السياسية والتنفيذية بين العاصمتين. ويمنح هذا الأسلوب القاهرة هامشا مناوريا واسعا، بحيث يظل الدعم العسكري معلنا، بينما يتوقف تنفيذه الميداني على طلب رسمي لم يصدر بعد.
ويبرز البعد الردعي والتوافق المؤسسي ليعكس التفويض المسبق كأداة ردع سياسية وإعلامية قبل أن يكون خطوة تنفيذية، حيث يُثبت جاهزية القوات المسلحة المصرية ويضفي الشرعية الدستورية الكاملة على أي تحرك مستقبلي.
أما طبيعة التهديد ونطاق التدخل فتتبدى في كون التحدي الراهن يتمثل في صواريخ ومسيّرات تنطلق من اليمن وتتجاوز مسافات تتخطى ألف كيلومتر عبر مجال جوي وبحري تقع مصر على أحد أطرافه.
ويطرح ذلك تساؤلات عملية حول طبيعة “الدفاع” المقصود، وما إذا كان يقتصر على الدعم الجوي والتنسيق الاستخباري أم يمتد إلى حضور بحري مكثف، وهو ما لم تحدده المصادر الرسمية بعد.
وفي المقابل، ثمة اعتبارات جوهرية تقيّد أي قراءة مبكرة للتصعيد، فالرئيس السيسي شدد بنفسه على أن مصر لن تهاجم أحدا وأن عقيدتها العسكرية قائمة على الدفاع.
كما أن النفي الإيراني وعرض الوساطة، بالتوازي مع دعوات التهدئة الخليجية، يُبقي باب الدبلوماسية مفتوحا. وبهذا المزيج، يبدو الموقف المصري محاولة متوازنة للجمع بين تأكيد التضامن الأخوي والردع العسكري من جهة، وإبقاء باب التصعيد الشامل مغلقاً من جهة أخرى.