تنتقل سوريا اليوم من مرحلة إدارة الأزمات إلى إحدى الساحات التي يُعاد عبرها تشكيل توازنات المنطقة. من هنا لم تعد الزيارات المتبادلة بين المسؤولين الأتراك والسوريين تُقرأ بمنطق العلاقات الثنائية وحدها، ولا بما ينتج عنها من اتفاقات أو مذكرات تفاهم، بل بما تعكسه من تحولات أعمق تعيد رسم توازنات البيئة الإقليمية.
فالتحولات التي فرضتها حرب غزة، ثم المواجهة الأميركية ـ الإسرائيلية مع إيران، دفعت القوى الإقليمية والدولية إلى إعادة مراجعة مقاربتها للملف السوري.ولم تعد سوريا مجرد ساحة لإدارة الصراعات أو تقاطع المصالح، بل أصبحت إحدى الركائز التي يُبنى عليها النقاش بشأن مستقبل الأمن الإقليمي، والممرات الاقتصادية، وإعادة الإعمار، وحدود النفوذ، وشكل العلاقة بين الدولة والمكونات المسلحة.
لماذا جاءت زيارة الشيباني إلى أنقرة في هذا التوقيت تحديداً؟ ولماذا اجتمعت على طاولة واحدة ملفات الأمن، وإنهاء السلاح خارج الدولة، والربط الاقتصادي، وإعادة الإعمار، وبناء المؤسسات؟ وهل تعكس هذه الأجندة تطوراً طبيعياً في العلاقات التركية ـ السورية أم أنها تكشف عن إعادة تعريف موقع سوريا ودورها في النظام الإقليمي الذي يتشكل؟
تكتسب زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى أنقرة أهميتها من كونها جاءت في لحظة تتقاطع فيها ثلاثة مسارات كبرى برزت خلال العامين الأخيرين: إعادة بناء الدولة السورية، وإعادة رسم التوازنات الإقليمية، وإعادة تعريف أدوار القوى الفاعلة في الشرق الأوسط.
جاءت الزيارة تتويجاً لمسار سياسي تركي ـ سوري بدأ قبل أشهر، لكنها اكتسبت زخماً مختلفاً بفعل التحولات السياسية والميدانية التي شهدتها سوريا والمنطقة. فسقوط نظام بشار الأسد لم يقتصر أثره على تغيير شكل السلطة في دمشق، بل أعاد إدراج سوريا في الحسابات الإقليمية والدولية من زاوية مختلفة، بعد سنوات طغت فيها مقاربة إدارة الحرب والصراع، مروراً بالتحولات التي فرضتها حرب غزة، ثم المواجهة الأميركية ـ الإسرائيلية مع إيران، وتبدل أولويات واشنطن، وتسارع الانفتاح العربي على دمشق، وصولاً إلى الانتقال التدريجي من منطق إدارة النزاعات إلى البحث عن ترتيبات إقليمية أكثر استقراراً.
ولذلك، لم تعد المنافسة الإقليمية تدور حول من يمتلك النفوذ الأكبر داخل سوريا، بقدر ما أصبحت تتعلق بمن سينجح بالمشاركة في صياغة الدور الذي ستؤديه سوريا في الترتيبات الإقليمية المقبلة. وهو ما يفسر تنامي الاهتمام الإقليمي والدولي بمستقبل الدولة السورية وموقعها في معادلات الأمن والاستقرار والربط الاقتصادي.
ومن هنا، فإن زيارة الشيباني إلى أنقرة لم تأت لتدشن مرحلة جديدة بقدر ما جاءت لتؤكد أن هذه المرحلة قد بدأت بالفعل، وأن الأطراف المعنية انتقلت من اختبار النوايا إلى مناقشة آليات التنفيذ.
تُقرأ زيارة الشيباني إلى أنقرة من خلال طبيعة الملفات التي تصدرت جدول أعمالها. فمن الأمن ومكافحة الإرهاب، إلى دمج المؤسسات، وإعادة الإعمار، والتكامل الاقتصادي، والربط السككي، وتسهيل الحركة المالية، تبدو الأجندة أوسع من أن تُفهم باعتبارها مجرد مجموعة من الملفات الثنائية المتفرقة.
فاللافت ليس حضور هذه الملفات كلٌّ على حدة، بل اجتماعها في مسار واحد. الأمن يفتح الطريق أمام تثبيت مؤسسات الدولة، واستقرار المؤسسات يهيئ البيئة لإعادة الإعمار، في حين يوفر الربط الاقتصادي والممرات التجارية قاعدة مادية لعلاقات أكثر عمقاً واستمرارية. ومن هنا، يبدو أن النقاش التركي ـ السوري بدأ ينتقل من معالجة القضايا العاجلة إلى ربط سوريا الجديدة بالإقليم.
وتكتسب مشاريع الربط الاقتصادي والسككي أهمية خاصة في هذا السياق، لأنها تمنح العلاقة بعداً يتجاوز الحدود السورية ـ التركية. فربط سوريا بتركيا والدول العربية، ولا سيما عبر مشاريع النقل والتجارة، يعني أن الجغرافيا السورية يمكن أن تتحول من عبء أمني طوال سنوات الحرب إلى عنصر اتصال بين أسواق وممرات إقليمية جديدة. وهنا يصبح الاقتصاد جزءاً من إعادة تعريف موقع سوريا.
والأمر نفسه ينطبق على ملف الأمن. فالتشديد على توحيد المؤسسات وإنهاء ظاهرة السلاح خارج الدولة لا يتعلق فقط بترتيب الوضع الداخلي السوري، بل بتوفير البيئة التي تسمح لتركيا وشركائها الإقليميين بالتعامل مع سوريا باعتبارها دولة قادرة على ضبط حدودها، وحماية مصالحها، وتنفيذ التزاماتها، والمشاركة في مشاريع إقليمية طويلة الأمد.
ومن هنا، فإن وجود هذه الملفات على طاولة واحدة يكشف أن أنقرة ودمشق لا تناقشان فقط كيفية إدارة العلاقة بينهما، بل تحاولان بناء قاعدة سياسية وأمنية واقتصادية لعلاقة يمكن أن تمتد آثارها إلى المحيط العربي والإقليمي.
تكشف التحولات التي تشهدها سوريا اليوم أن التغيير لم يقتصر على المشهد الداخلي، بل طال أيضاً الطريقة التي تنظر بها القوى الإقليمية والدولية إلى موقعها ووظيفتها. فلم يعد السؤال الأساسي من يملك النفوذ داخل سوريا، بل أي دور يمكن أن تؤديه سوريا في البيئة الإقليمية التي يعاد تشكيلها.
ولا يفسر الحراك التركي وحده هذا التحول، بل يؤكده أيضاً الانخراط العربي المتزايد، والاهتمام الأميركي بمستقبل مؤسسات الدولة السورية، والتحركات الأوروبية، إلى جانب المواقف الإسرائيلية والإيرانية. فجميع هذه القوى، على اختلاف أهدافها وحساباتها، باتت تتعامل مع سوريا باعتبارها عاملاً مؤثراً في معادلات الأمن والاقتصاد والنفوذ، وليس مجرد ملف سياسي أو أمني منفصل عن بقية ملفات المنطقة.
واللافت أن اختلاف هذه المقاربات لا يعني غياب التنافس، بل يؤكد أن سوريا أصبحت نقطة التقاء بين نقاشات مختلفة حول شكل الدولة، وحدود نفوذ القوى الخارجية، وطبيعة علاقاتها بجوارها العربي والإقليمي، ودورها في شبكات النقل والطاقة والتجارة التي يجري العمل على إعادة رسمها.
وهنا تحديداً تتضح أهمية التحول السوري بالنسبة إلى تركيا. فأنقرة لا تتعامل مع سوريا الجديدة باعتبارها نتيجة لتغيير سياسي فحسب، بل باعتبارها فرصة لتعاون حقيقي باتجاه إعادة بناء شبكة من العلاقات والممرات والمصالح تمتد من الحدود التركية إلى العراق والخليج، وتمنح سوريا موقعاً مختلفاً في الخريطة الاقتصادية والأمنية للمنطقة.
فسوريا اليوم لم تعد مجرد ساحة للتنافس بين المشاريع الإقليمية، بقدر ما أصبحت جزءاً من عملية تشكيل النظام الإقليمي نفسه. والمفارقة أن هذا التحول لا يعود فقط إلى ما تغير داخل سوريا، بل إلى ما تغير حولها.
تعاملت تركيا خلال السنوات الماضية مع سوريا من منظور أمني فرضته ظروف الحرب. أما اليوم، فتبدو مقاربتها أكثر شمولاً، إذ تجمع بين الأمن، والاقتصاد، والدبلوماسية، والتكامل الإقليمي. وهذا التحول يعكس إدراكاً متزايداً بأن النفوذ في المرحلة المقبلة لن يقاس بحجم التعاون العسكري وحده، بل بالقدرة على المساهمة في بناء شبكات التعاون الإقليمي التي تتشكل حول سوريا.
لا تنحصر الرؤية التركية في مستقبل العلاقة مع دمشق، بل تمتد إلى شكل الإقليم الذي تريد أن تكون جزءاً من هندسته.
إذا كانت زيارة الشيباني إلى أنقرة تعكس توافقاً متزايداً حول أهمية استعادة سوريا لدورها الإقليمي، فإن نجاح هذا المسار لن يتوقف على الإرادة السياسية وحدها، بل على قدرة الدولة السورية على تثبيت معادلة جديدة داخل حدودها أولاً. فإعادة بناء المؤسسات، وبسط سلطة الدولة على كامل الأراضي، وإنهاء ظاهرة السلاح خارج المؤسسات الرسمية، ستبقى الاختبار الأول لأي مشروع يراد له أن يحول سوريا إلى عنصر مساهم في الاستقرار الإقليمي.
ولا يقل أهمية عن ذلك مواصلة القوى الإقليمية والدولية دعم سوريا في مسارها الجديد. فكلما اتسعت مساحات التقاطع بين أنقرة والعواصم العربية وواشنطن حول مستقبل سوريا، ازدادت فرص نجاح سوريا في إنجاز المرحلة الانتقالية التي تعيشها .
لا تكمن أهمية زيارة أسعد الشيباني إلى أنقرة في ما أُعلن خلالها من تفاهمات فقط، بل في كونها تكشف أن النقاش الإقليمي لم يعد يدور حول مستقبل سوريا وحدها، وإنما حول الدور الذي يمكن أن تؤديه في مستقبل الإقليم. التحدي الأكبر أمام هذا المسار هو الحفاظ على التوازن بين سرعة التحولات الإقليمية وبطء إعادة بناء الدولة السورية.
مستقبل العلاقة بين أنقرة ودمشق لن يتحدد فقط بما ينجزه الطرفان، بل أيضاً بالمكانة التي ستحتلها سوريا في التوازنات الجديدة التي تتشكل في المنطقة.
