تَتَّسِمُ علاقاتُ العربِ مع إيران بكونِها سيّئةً جدّاً، مع أنّ الدول العربيّة لم تشارك في الحروب ضدّ إيران، بل حاولت منعها. ويعود ذلك إلى محاولات طهران إثارة العصبيّات المذهبيّة والقوميّة والإضرار بالدول الصاعدة والناجحة.
كتبتُ في كتابي “العلاقات المضطربة بين إيران والعرب” (صدر عام 2014) فصلاً مقارناً عن التطوّرات السياسيّة والثقافيّة في كلٍّ من مصر وإيران في مئة عام (1850-1953). لكنّ الفصل الأهمّ كان عن العلاقات الشيعيّة – السنّيّة على مدى خمسمئة عام. وقد حصرتُها في أربع موجات، وبيّنت أنّ الموجة الخامسة بدأت على أثر قيام الجمهوريّة الإسلاميّة عام 1979.
مع أنّ قيادة الثورة آلت إلى المؤسّسة الدينيّة، فقد قدّرتُ أنّ القوميّين واليساريّين الذين شاركوا فيها بقوّة لن يصادموها في البدايات، حتّى إنّ صدّام حسين هاجم إيران لخشيته من تأثيراتها على نظام حكمه، ولذلك قدّرت أنّه على الرغم من إسراع الخمينيّ في تصفية الشيوعيّين والليبراليّين، فإنّ القوميّين والإسلاميّين سيتوحّدون في مواجهة الجيش العراقيّ. وهذا ما حدث بالفعل.
بدت الاتّجاهات الأساسيّة للجمهوريّة الجديدة في دستور الثورة حتّى قبل الحرب الصدّاميّة، في ثلاثة بنودٍ على الأقلّ:
1- الصلاحيّات الكبيرة للوليّ الفقيه، وهو ما يؤكّد الطابع الدينيّ للجمهوريّة.
2- اعتبار المذهب الشيعيّ اعتقاداً وفقهاً هو المذهب الرسميّ للدولة.
3- نصّ الدستور على تصدير الثورة، سواء لجهة المذهب، أو لجهة نصرة المستضعَفين!
الخلاف بين التّنافس
لا داعي لسرد معالم الموجات الأربع. بيد أنّ الاستنتاج الأهمّ هو أنّ التوتّرات بين الطرفين لم تنجم عن خلاف مذهبيّ، بل عن تنافس بين الدول التي كان بعضها يعلن تسنّنه والبعض الآخر تشيّعه. والأوضح في ذلك الحروب العثمانيّة – الصفويّة. فكلا الطرفين أعلنا أنّهما إنّما يقاتلان لإحلال الدين الصحيح.
في النهاية وبعد حوالى مئتي عام من القتال صارت الدولة العثمانيّة دولة الجهاد السنّيّ وإيران دولة الجهاد الشيعيّ مع أنّ الطرفين من أصول تركيّة، وكان العامل القَبَليّ والاستراتيجيّ فيهما مقدّماً على العامل الدينيّ أو المذهبيّ.
جاءت الثورة الإيرانيّة الثانية (الأولى 1905-1911) في سياق نهوضٍ أصوليّ راديكاليّ لدى الشيعة والسنّة. وفي حين لم تحتضن المؤسّسة الدينيّة السنّيّة الأصوليّات بل عارضتها وحملت عليها لمصلحة الدولة الوطنيّة، فإنّ كهول المؤسّسة الدينيّة الشيعيّة وشبابها قرّروا ترك “التقيّة” والانتظار للإمام الغائب لمصلحة الانخراط في السياسة، شأن ما كان “الإخوان المسلمون” يحاولونه في العالم العربيّ، والجماعة الإسلاميّة في باكستان.
لذلك في ظلّ الإصغاء أو الإحياء للحساسيّات التاريخيّة، اجتاح التمذهب الإيرانيّ الجديد الدول العربيّة والإسلاميّة، وأنشأ ميليشيات، ووزّع سلاحاً ومؤسّسات مذهبيّة، إمّا لإسقاط السلطات أو مقاسمتها أو ابتزازها، والاستتار في كل ذلك بالقضيّة الفلسطينيّة.
عندما ذهبتُ للتدريس في الولايات المتّحدة في التسعينيّات وما بعد، وجدت أنّ النُخَب الإيرانيّة المهاجرة في الجامعات تدعم بشكلٍ أو بآخر النظام الإيرانيّ، وبحجّتين:
1- سياسات الانحياز الأميركيّ الظالمة، وأنّه لولا الحصار الأميركيّ لكانت أو صارت إيران ديمقراطيّةً مزدهرة!
2- أنّ محيط إيران كلّه سنّيّ متعصّب وفيه جانب سلفيّ قويّ.
كان النقاش معهم عبثاً لأنّهم يتّهمونك فوراً إمّا بالقوميّة العربيّة أو بالتشدّد الدينيّ. والطريف أنّهم يعتبرون أنفسهم قوميّين، لكنّهم مثل دعاة النظام الإيرانيّ يهجمون بالإجماع على القوميّة العربيّة ويربطونها بصدّام وبالنازيّة!
توالي النّكسات
بعد انتهاء الحرب بين صدّام والخمينيّ، بذل العرب جهوداً جبّارةً لاستعادة العلاقات مع إيران وتحسينها. وعلى الرغم من بعض المسالمة أيّام أكبر هاشمي رفسنجاني ومحمّد خاتمي، كانت النكسات متوالية ومتكرّرة. وكان ذلك يتجلّى في اضطرابات الحزب المسلّح في لبنان، والحركات التي تتولّى السلطة بالعراق، ثمّ الكارثة التي تمثّلت في استيلاء الحوثيّين المحازبين لإيران على السلطة في شماليّ اليمن، والانتصار الإيرانيّ الهائل لبشّار الأسد، والتحرّش بكلّ الدول في الجزيرة والمشرق.
كانت الدول العربيّة تسعى إلى المهادنة في علاقاتٍ ثنائيّة تبقى هشّة لأنّ إيران تخرج عليها ساعة تشاء ابتزازاً وتعصّباً. ومعروفٌ الاتّفاق الذي جرى بين المملكة السعوديّة وإيران في الصين عام 2022، ومع ذلك كانت المملكة بين أولى الدول التي قصفتها إيران بالصواريخ والمسيّرات، بالإضافة إلى تحشيد الحوثيّين من جديد لضرب المملكة وباب المندب ومناطق الحكومة اليمنيّة الشرعيّة.
العلّة في التّعصّب والابتزاز
ذكرت سابقاً أنّ العلّة ليست في السنّة والشيعة ولا في القوميّة، بل في سياسات التعصّب والابتزاز من جانب النظام الدينيّ الواسع الدعاوى والتحرّش.
علاقات العرب في الزمن الحاضر مع إيران سيّئة جدّاً، مع أنّ الدول العربيّة لم تدخل في الحروب ضدّ إيران، بل وحاولت منعها، وذلك بسبب:
– محاولة إثارة العصبيّات المذهبيّة والقوميّة استعداءً وابتزازاً، وهو أمرٌ لم ينجح، وأنّها تستطيع ذلك ما دامت لا تستطيع النيل من أميركا وإسرائيل وهم الذين يشنّون الحرب عليها!
– الإضرار بالدول الصاعدة والناجحة لإرغامها على التنازل، وهو الأمر الذي أقدّر أنّ الدول لن تقوم به هذه المرّة بسبب التجربة المضنية وغير المفيدة على مدى عقود.
