علي العبدالله.. المصدر النهار
أصدرت محكمة الجنايات العسكرية في حلب يوم 17/9/2026 أربعة أحكام بحق متهمين بالمشاركة في المواجهات الدامية التي وقعت في الساحل السوري في آذار/مارس 2025، حين قامت قوات من الأمن العام والجيش الوطني والمقاتلين الأجانب وفزعات ريفية بقتل مدنيين من أبناء الطائفة العلوية ونهب بيوتهم وحرقها وإتلاف محاصيلهم الزراعية، وذلك انتقاماً من محاولة عسكريين علويين من جيش النظام البائد السيطرة على مواقع عسكرية في محافظتي اللاذقية وطرطوس، قُتل فيها مئات من قوات الأمن العام…
والسؤال الرئيس هنا: لمَ تضع السلطة ملف العلويين على الرّف، ولا تتحرك لحلّه وفتح الباب أمام رأب الصدع وتكريس الاستقرار، رغم مرور عام ونصف العام على الفظائع التي ارتكبت؟
لم تكتفِ السلطة بعدم التحرّك لرأب الصدع بين الجماعات المحلية في هذه المحافظات، بل وتجاهلت عمليات القتل والخطف والتحريض من بعض الموالين لها ضد العلويين عامة، حيث ذهب كاتب سوري من الموالين للسلطة إلى دعوة العلويين إلى تقديم اعتذار جماعيّ عن جرائم النظام البائد ضد الشعب السوري.
وخرجت أصوات من الموالين للسلطة، مثل حملة “لست شجرة”، تدعو إلى مقاطعة العلويين؛ وقام مجهولون بالاعتداء عليهم بالقتل في أحيائهم في مدينة حمص وريفها وريف حماة لدفعهم إلى النزوح. هذا بالإضافة إلى حملات تحريض وكراهية ضدهم على مواقع التواصل الاجتماعي. وقد زادت السلطة من حِدّة التحريض على الكراهية والعنف بعملها على شدّ عصب حاضنتها الاجتماعية عبر نشر أنباء عن تحركات أتباع النظام البائد من العسكريين العلويين في لبنان وروسيا لزعزعة الاستقرار الداخلي باعتبارها محاولات لإعادة الحكم البائد (حكم تحالف الأقليات) مع أنباء القبض على ضباط من جيش النظام البائد من العلويين وغير العلويين مارسوا القتل والتعذيب بحق المواطنين.
تكمن المشكلة في نظرة السلطة إلى الجماعات السورية ووضعها كل جماعة في خانة تشير إلى درجة مقبوليتها أمنياً وسياسياً، واستخدامها هذا التصنيف في عمليات بناء الدولة بدءاً بالترويج للأموية، ولحكم عربي سُنّي، مروراً بالهوية البصرية للدولة واختيار مسؤولين للمناصب الحساسة من العرب السُنّة، وصولاً إلى إعادة صياغة الذاكرة الوطنية من خلال تحديد الأعياد والعطل الرسمية، إذ كان لافتاً إلغاء عيد الشهداء المرتبط بشهداء 6 أيار/مايو، الذين أعدمهم جمال باشا، والذي أُقِرّ كعيد عام 1925، وتغيير أسماء الشوارع والمدارس والساحات، التي كانت لقادة من الحركة الوطنية السورية ضد سياسة التتريك التي اعتمدتها حكومة الاتحاد والترقي، والانتداب الفرنسي، ولأدباء ومصلحين وسياسيين وطنيين، بما يتوافق مع نظرة السلطة إلى الدولة المستهدفة باعتبارها دولة الإسلام السُنّي.
وقد شكلت ممارساتها العملية من عدم قيامها بما يجب إزاء تبعات مجازر الساحل وضحاياها من المدنيين وضحايا الاغتيالات في مدينة حمص إلى الفصل الجماعي لموظفين من الطائفة دليلاً على أنها تضع العلويين في خانة الأعداء، باعتبارهم حاضنة النظام البائد، في حين أنهم لم يكونوا كلهم جزءاً عضويّاً منه، حتى لو كانت نسبتهم في المخابرات والجيش كبيرة ومسيطرة، فيما حاضنته كانت من كل الأقوام والأديان والمذاهب الدينية؛ وبذلك تضع الدولة العلويين خارج الجماعات الوطنية وتدفعهم نحو العزلة والتشتت والانهيار، علماً بأنها بهذا التوجه تدفعهم إلى أحضان مزعزعي السلم الأهلي والاستقرار المجتمعي.
لقد ذهبت السلطة بعيداً عندما بدأت التأسيس للدولة المستهدفة وفق معايير دينية ومذهبية، حيث العرب السُنّة في قمة الهرم السياسي مع القطع مع الدولة الوطنية وقيمها الجامعة، وعندما تجاهلت كل الإشارات الصريحة والتحذيرات المباشرة وغير المباشرة من خطورة هذا التوجه وتبعاته على الاستقرار والسلم الأهلي؛ فما يتم لا يبني دولة موحدة ومندمجة، بل يرصف جماعات قومية ودينية ومذهبية بجوار بعضها ويتركها تحدد خياراتها وتصوغ ردود أفعالها على السياسات المتبعة بدلالة خلفياتها الضيقة ومصالح قاعدتها الاجتماعية.
نحن أمام سلطة ترفض التعدد والتشارك، وترفض الاستماع إلى النصائح والتحذيرات، مع أنها بحاجة ماسة إلى الأمن والاستقرار في ضوء رهانها على الاستثمارات، وعلى تحويل الأرض السورية إلى ممر للطاقة والتجارة بين الخليج وبقية العالم.