علي حسين…جريدة المدى
وقف الشيخ همام حمودي أمام المنصة، وخلفه باقة ورد كبيرة ليعلن أن العراقيين يعيشون زمن العافية، حيث المواطن يتابع أكبر مسؤول بالدولة ويسأله عن راتبه، بل ذهب الخيال بالشيخ حمودي أن صرّح بأن المسؤول يخشى أن يقلل المواطن من راتب رئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء، ويكمل الشيخ حديثه ليقول: “لا دولة مثلكم، وعليكم أن تشكروا هذه النعمة.. أنتم تعيشون نعمة ما بعدها نعمة”، يصمت الشيخ همام قليلاً بعدها يحذر العراقيين: إن لم تكونوا شاكرين ستزول هذه النعمة.
بعد أشهر من حديث الشيخ همام، خرج علينا وزير الصحة ليعلن: “فلوس ماكو”، ولكي تكتمل فصول مسرحية “النعمة” التي كتبها همام حمودي مع رفاقه، أخبرنا الناطق الرسمي للحكومة أن صرف الرواتب سيصبح مرتبطاً بتوفير السيولة. فيما خرج علينا أكثر من محلل سياسي ليعلنوا أن العراقيين ليسوا بحاجة إلى الرواتب ولا الكهرباء ولا الخدمات، فالمهم بالنسبة لهم الكرامة. طبعاً السادة المحللون مطمئنون على رواتبهم “الفضائية” التي يستلمونها كلما أثاروا فتنة طائفية.
قبل أشهر كانت أناشيد الانتصار تفوح من جميع الاستوديوهات التي استضافت نواباً اختلط عندهم الواقع بالخيال، في ذلك الوقت، كتب أحد المدونين يعلن أن العراق لن يحتاج أحداً فخزائنه ملأى بالدولارات والذهب، لكن ما إن انتهى العرس واستيقظ الجميع من نشوة الانتصار حتى وجدنا رئيس الوزراء يخبرنا أن الحكومة لا تملك سوى القليل من المال الذي لا يغطي نفقات شهر واحد، ووجدنا الذين صالوا وجالوا على الهواء، يعيشون في صمت مطبق، بل إن البعض منهم أعلن أن الإمبريالية ومعها الصهيونية تتآمر على التجربة السياسية العراقية ولا تريد لها الاستقرار، وأن هناك مؤامرة دولية لمنع تنفيذ نظرية “النعمة” لصاحبها الشيخ همام حمودي.
كان من المفترض، في مثل هذه الظروف الاقتصادية، أن يتواضع أصحاب الصولات والجولات الفضائية، ويتركوا المجال لأصحاب الاختصاص، لكننا نعيش في بلاد يعتقد النائب فيها أنه فقيه في القانون وخبير في شؤون المال، وعالم في الذرة لا يقل أهمية عن عالمنا الذي نفتقده حسين الشهرستاني، وجهبذ في السياسة ينافس “أبو مازن” أحمد الجبوري، ولغوي من عينة إبراهيم الجعفري، ولهذا لابد من أن يحشروا أنوفهم في كل شيء وأي شيء.
وسط هذا المناخ المشبع بالإثارة والتشويق، يعيش المواطن العراقي منذ سنين، ونحن ننتظر في هذه البلاد الخبر الذي يقول لنا أصحابه إنّهم مهمومون بمتاعب الناس، وإنّ المناصب بالنسبة لهم وسيلة لخدمة المجتمع لا غاية لخدمة العشيرة والحزب، لنغرق معهم في معركة تعريف الوطنية، هل هي تلبية احتياجات المواطن العراقي، أم الصراخ في الفضائيات ضد كل من يريد الاستقرار لهذه البلاد.