ملخص
تتعامل الدراسة التي يضمها كتاب “التمثلات الفولكلورية في الرواية الأفريقية” للباحث المصري فؤاد مرسي، مع مفهوم الفولكلور، ليس بوصفه إحالة إلى الماضي أو إعادة إنتاجه، بل بوصفه أحد مكونات الحاضر الذي لا يمكن استيعابه دون معرفة السابق الذي أنتجه، والإلمام بأبعاده الثقافية والاجتماعية والسياسية، وتتعاطى مع مسألة توظيفه إبداعياً من منطلق عضوي، لا ظاهري أو نفعي.
وقع اختيار الباحث المصري فؤاد مرسي على ثلاث روايات “أفريقية”، تحضر اللغة العربية فيها، كونها لغة النص الأصلي لروايتين، وهما “عرس الزين” للسوداني الطيب صالح، و”فساد الأمكنة” للمصري صبري موسى، وبكونها لغة ترجمة الثالثة وهي “الأشياء تتداعى” للنيجيري تشينو أتشيبي من الإنجليزية، ليحللها في سياق كتابه “التمثلات الفولكلورية في الرواية الأفريقية” (الهيئة المصرية العامة للكتاب). ولاحظ مرسي أن الحس الفولكلوري يسطع في الروايات الثلاث فيصبغها بألوانه، ويضعها داخل مساحاته مباشرة، وينقلها من عالم الكتابية إلى أقانيم الشفاهية.
أو بمعنى آخر، يحيلها من ساحات الجنس الروائي إلى مواضعات وتقاليد النص الفولكلوري، إذ تنتقل بين صناعة الأسطورة، كما في “فساد الأمكنة”، والحكاية الشعبية كما في “عرس الزين”، والبطولة كما تقدمها “الأشياء تتداعى”. وفي هذه الأعمال، ينظر الروائي إلى الوجود من منظور ميراثه الثقافي، ولذا فإن المكان فيها لا يعد فضاء جغرافياً للأحداث فحسب، بل هو وعاء معرفي ومخزن للمضامين الثقافية والاجتماعية. ومن ثم، فإن هذه الأعمال لا تبدو كما لو كانت نتاج تخييل الواقع، بل هي الواقع ذاته بعدما فارق حدوده وتجاوز قوانينه المألوفة.
وإذا كانت هذه الدراسة تنهض على تحليل النصوص في الأساس وبيان مكوناتها فقد اعتمدت، كما يقول مرسي، بالقدر ذاته على التنقل بين متونها وتضفيرها عضوياً، في ضوء أنها نتاج تناص مع تراث شخصياتها وفق رؤية كل كاتب من الكتاب الثلاثة. في الفصل الأول من الدراسة وعنوانه “جدل الذات والموضوع”، يذهب مرسي إلى أن الأدب الأفريقي المعاصر، بصرف النظر عن اللغة المكتوب بها، يعكس في كثير من نماذجه وعياً بطاقات الفولكلور بمضامينه الفكرية والروحية، عبر توظيف الأسطورة والخرافة والحكاية والأغنية الشعبية، واستثمار العادات والتقاليد والمعتقدات في إنتاج نص حداثي وثيق الصلة بالبيئة التي أنتجته ودال عليها.
حكاية “الزين”
في “عرس الزين” (1969) تجلت دراية الطيب صالح الوثيقة بفنيات وأساليب الحكي الشعبي، حتى إنه يمكن القول إنه قدم حكاية جديدة تضاف لمجمل الحكايات الشعبية السودانية، وهي حكاية “الزين”، لتتحول في الذاكرة الجمعية إلى ما يمكن اعتباره رافداً إضافياً لتمجيد القيم النبيلة، مستفيداً من السمات الأسلوبية والفنية والبنائية للحكاية. وهنا لاحظ مرسي التقاء توظيف التراث المحلي، من ناحية، مع توظيف التراث السردي من ناحية ثانية، في أن كليهما سعى إلى تأصيل مختلف للرواية العربية.
ويكمن الفرق بينهما في أن الاتجاه الأول سعى إلى ذلك الهدف من طريق الشكل، في حين سعى الاتجاه الثاني إلى الهدف ذاته من طريق المحكي/ المضمون، أي تحويل البيئة المحلية إلى حكاية. ومثلما كان “أوكونكو” في “الأشياء تتداعى” أشبه بالمنشور الزجاجي العاكس للطيوف جميعها، فإن “الزين” أيضاً يصبح رمزاً للتحولات المعرفية والفكرية التي تمر بها القرية. وفي سبيل تحقيق هذا المسعى اعتمد الطيب صالح على تفجير المفردات الفولكلورية، سواء الظاهرة أو الكامنة، من لغة وتراكيب وعادات وتقاليد وطقوس….
وعمد إلى استنطاق هذا كله وإعادة إنتاجه بوصفه طاقات إيجابية مشحونة بالخبرات الحياتية، لينتقل الفولكلور من المجال الحكائي إلى الفعل السردي، حتى على صعيد المكان وهو قرية “ود حامد” التي تتحول من مكان واقعي إلى بنية فولكلورية، محتشدة بالعلامات والرموز، التي تعكس النظام المعرفي والفكري الحاكم، لسلوك أبطال الرواية.
بناء الأسطورة
ورأى مرسي في “فساد الأمكنة”، “نصاً يسعى إلى تجاوز حدود نوعه الأدبي، ليتماس مع دوائر التراث، في سبيل إنتاج نص يحمل سمات الشفاهية، يكتسب آليات قبوله وتداوله وتبني المجتمع له، وهو أمر ليس يسيراً على أي كاتب، إلا إذا كان يقف على مسافة متساوية من عالمي الشفاهية والكتابية”. فاللجوء إلى التراث هنا كان بمنزلة محاولة حلحلة اغتراب الإنسان المعاصر ورتق آلامه والبحث عن خلاص حقيقي لروحه المعذبة بين التيارات المتباينة، لما يمثله هذا التراث من معانٍ وقيم، يأتي في مقدمها احترام الطبيعة حد تقديسها، والتعايش معها بمنطقها وربما بصوفية أو روحانية شفيفة، بدلاً من النزوع نحو الوحشية.
إذا كانت الأسطورة تتغلغل في وعي هذا المجتمع الذي يعيش داخل منطقة تتاخم حدود السودان، بوصفها تمثل ماضي هذه الجماعة الذي تنجذب إليه بقوى غير واعية، فإنها تتمثل فنياً في الرواية إما تصريحاً وإما تناصاً. فعلى مستوى التصريح هناك أسطورة الجد الأكبر الكاشفة عن وعي المجتمع بالعالم من حوله وطريقة إدراكه لها. وعلى مستوى التناص نجد ظلالاً لأسطورة سيزيف التي تنير لنا مأساة “نيكولا” وتعيننا على فهم مأساته وتكشف الحقائق المتعلقة به.
ويمكننا أن نقرأ طقس المناداة في البئر بحثاً عن الغائب، وهو الذي لم تقم به الجماعة فحسب، بل سعت إلى فرضه على “إيليا”، ابنة “نيكولا”، في هذا السياق. الرواية تشبه مائدة قرابين تقدم للطبيعة، ومن ذلك أن “إيسا” يذهب بسبيكة الذهب لجده الأكبر/ الصخرة، كي يصفح عنه، و”أنطوان” يقدم الطفلة “إيليا” قرباناً للملك ليظفر برتبة أعلى، وبها معاً، و”نيكولا” يقدم حفيده (وليد الخطيئة) قرباناً للطبيعة التي يسعى إلى الاتحاد بها خلاصاً من آثامه.
تبرز الرواية اعتقاد قبائل البجا أن الغابة الكثيفة في وادي عيذاب الذي يشرف عليه الجبل الأبيض المقدس (جبل علبة) مغلقة على روح جدهم الأكبر “كوكا لوانكا”. تهب العواصف على حياة أبناء قبيلة البجا، الذين يستوطنون المنطقة ويعيش الإيطالي “نيكولا” بينهم، ممثلة في وصول المستثمرين الذين ينقبون عن بودرة التلك داخل عروق الجبل، دون أن تأخذهم شفقة ببراءة الطبيعة التي راحوا ينتهكونها بكل شراسة.
وهكذا تذهب “فساد الأمكنة” إلى ما هو أبعد من مستوى التوظيف الشكلاني أو الاستيحاءات والتناصات المضمونية للتراث الثقافي، لتصبح هي نفسها نصاً تراثياً يضاف إلى ما تمتلكه تلك الجماعة المتوحدة مع الطبيعة بحركتها الدائبة والتي لم يعق انتظامها إلا دخول الآخر غازياً بأدواته وقوانينه التي لا تقيم لا لهؤلاء البشر ولا للطبيعة حساباً.
عادات وتقاليد
أما في “الأشياء تتداعى”، فإن الأسطورة لا تتمثل في تاريخ بطلها فحسب، بل إنها تشكل تيمة وأيقونة في حياة القرية بأكملها، بما لا يمكن أن يتجاهله وعي، بدءاً من تأسيس القرية، مروراً بتفاصيل حياتها اليومية البسيطة والكبرى. فهي قرية أسطورية المنشأ لم توجد إلا بعد التحام مؤسسيها مع روح برية لسبعة أيام. ولاحظ مرسي أن الحكايات الشعبية استخدمت في هذه الرواية لسد الفجوات النصية التي سكت عنها الكاتب عمداً أو لتفسر أحداثاً جرت، أو ليسقطها على أحداث متوقعة.
كان وصول الإرساليات التبشيرية المسيحية نقطة تحول في نيجيريا التي تحولت إلى مستعمرة بريطانية عام 1906، إذ بدأ المجتمع يتخلى عن ثقافته الأصيلة لحساب الثقافة الغربية الوافدة. ومن ثم، عكست الرواية كثيراً من جوانب المنظومة الاعتقادية التي يضمرها أفراد القبيلة ويغذيها الخيال الفردي، وتوجه مسارات معتنقيها، وتصطحب نظامها من العادات والتقاليد العاكسة لها. فالأطفال لا يجب أن يصفروا بالليل تجنباً للأرواح الشريرة. ولا يجب أن تدعى الحية باسمها لئلا تسمع، وإن كان ولا بد من ذكرها فيجب أن تدعى “قطعة من الدوبار”. كما أنهم لا يفعلون شيئاً قبل أن يقدموا القرابين لأرواح أسلافهم ويستشيرونهم في أمور حياتهم.
فالمرء قبل أن يلقي بأي بذور في التربة يقدم ديكاً أضحية لصاحب الأرض، كما أنه يقدم ديكاً آخر لأرواح الأسلاف. ويعتقدون أنه عندما يكبر الناس فإن النار لا تحرقهم، وهو معتقد يعزز من احترام العشيرة للكبار. ومثل شعوب عديدة يعتقدون أنه إذا رف الجفن العلوي للإنسان فهذا معناه أنه سيرى شيئاً مهماً. وحينما ينادي واحد على الآخر فإن المنادى عليه لا يرد بنعم أبداً، خوفاً من أن يكون المنادي روحاً شريرة. يحرص بطل الرواية قبل أن يكسر ثمرة الكولا ويتناولها أن يصلي لأسلافه طالباً الصحة والحماية من الأعداء. ومن أهم مظاهر الطقوسية في الرواية، طقس الأرواح المقنعة، أو “الأوجوجو” كما يطلق عليه باللغة المحلية.
إنه أقوى عقائد العشيرة وأكثرها سرية. وكان “أوكونكو” بطل الرواية واحداً من فرقة الأرواح المقنعة، إذ كان يمثل روح القرية في طقوسها التي كانت تمثل القضاء في العشيرة لحل الخلافات بين أبنائها. وفي المقابل كان صديقه “أوبيريكا” يحكم عقله في الأمور كافة ولا يقبل شيئاً دون مناقشة. لا يقبل قوانين العشيرة وتقاليدها على علاتها ولكن وفق اقتناعه الشخصي بها، ثم جاء الرجل الأبيض “فاستمال إخوتنا إليه، ولم تعد العشيرة تستطيع أن تعمل كرجل واحد. لقد وضع سكيناً على الأشياء التي تربطنا معاً فتداعينا”، بحسب الراوي العليم.
