إذا كان قارئ رواية “المهرجون” التي كانت من آخر النصوص المنشورة للكاتب الفرنسي هنري دي مونترلان (1896 – 1972)، قبل نحو عقد من رحيله منتحراً عام 1972، يخرج من قراءتها وهو على ظمأ في مضمار معرفة العلاقة بين موضوع الرواية وعنوانها، فإنه مع ذلك يبدو أكثر اقتناعاً بما يخبرنا به الكاتب من أن بطله الدون كيشوتي المعاصر قد مات حقاً منتحراً، هو الآخر، ولكن بأربع ضربات من سيفه البتار. سيفه الذي يستخدمه وهو يصارع الثيران صراعاً وهمياً سواء أكان ذلك في غرفة فندقه البائس في باريس، أو في الأزقة والطرقات، بعد أن عجز عن استعماله بصورة حقيقية في هوايته التي عايشته طويلاً في صباه وشبابه في وطنه الإسباني: مصارعة الثيران وارتياد الحلبة بصورة دائمة. والحقيقة أننا نعرف أن سيليستينو، بطل “المهرجون”، كان منذ اكتسب وعيه قد جعل مصارعة الثيران واحدة من توجهاته المفضلة في الحياة، إلى جانب شغفه بالتاريخ الروماني، وهوسه بالحروب وخوضها حتى، من دون أن يربط ذلك الخوض بأية أبعاد سياسية، وآية هذا البعد الأخير خوضه الحرب الأهلية الإسبانية في صفوف الجمهوريين ضد فرانكو الذي لم يكن ليحمل أية مشاعر مضادة له، في دواخل نفسه، ولعله في ذلك صنو لكاتب الرواية نفسه، حتى من دون أن تكون هذه الأخيرة نوعاً من سيرة ذاتية لكاتبها.
تناقضات لا تنتهي
صحيح أن السطور السابقة تضعنا أمام جملة من تناقضات قد تبدو محيرة على ضوء تعرفنا إلى سيرة الكاتب، خارج روايته أو من خلالها، غير أن تلك التناقضات إنما هي التي تخلق ذلك السحر الذي يسم كتابة هذا الأرستقراطي الفرنسي الذي سيجعل من المهمش الفوضوي سيليستينو في رواية “المهرجون”، أنا – آخر له يعيش أيامه الأخيرة بعد هربه من إسبانيا على أثر انتصار فاشيي فرانكو من دون أن يعبأ بواقع أن فرنسا التي التجأ إليها، مع ابنته الصبية، محكومة بالنازيين الذين هم، في تراتبية الشر التي يصيغها لنفسه، أكثر شراً، وذكاء، ومن ثم من الفرانكويين، لكن سيليستينو يجد عزاءه في أنه، في فرنسا، يمكنه أن يفعل ما لا يقدر عليه في إسبانيا: يمكنه أن بتجول محارباً بسيفه طواحين الهواء كدون كيشوت، يبحث عن عزاء لنفسه ولهزيمته أكثر مما يبحث عن انتصار ما، وذلك هو جوهر القضية على أية حال، بل ذلك هو الموضوع الذي أراد دي مونترلان أن يعبر عنه عام 1963 حين كتب “المهرجون”. وأكثر من ذلك حين كتب هذه الرواية كإعلان عن المصير الذي سيتخذه لنفسه، الموت انتحاراً، من ناحية، وعن الانتصار النهائي لبطل تسربانتيس، الإنسان الأول في الرواية الغربية، من ناحية ثانية. ترى ألا تتخذ “المهرجون” في الحالين سمة الوصية؟
أصل الحكاية
كما يتضح من السطور السابقة يخبرنا الكاتب أن سيليستينو مقاتل فوضوي سابق في القوات الجمهورية الإسبانية المنتفضة على انقلاب فرانكو الفاشي خلال الحرب الإسبانية، وعلى أثر انتصار الفاشلين يسلك سيليستينو درب المنفى مع ابنته باسكواليتا ليعيشا معاً حياة البورجوازية الصغيرة بفضل تأجير سيليستينو أراضيه الزراعية في وطنه، فالحقيقة أن سيليستينو لا يعيش إلا في ذكرياته، وهذه الذكريات هي التي تقوده إذ تموت أخته التي تركها في إسبانيا ويقرر العودة إلى الوطن على رغم الأخطار التي تحيط بعودته، تحت ذريعة تدبير شؤون الميراث المشترك مع الراحلة، لكنه ما إن يصل إلى مدريد حتى يشعر بقدر كبير من الذل أمام مشهد مدينة نظيفة مرتبة أنيقة وكان يعتقدها عكس ذلك، وإذ يحدث له ذات بعد ظهر مدريدي أن يحضر حفل مصارعة ثيران، يتماهى أمام ربطه مصير الثور بمصيره الشخصي: يدرك كم أنه كإنسان يعيش مهزوماً ومطارداً ومحكوماً سلفاً بأن يكون الضحية، وإلا فإن العرض نفسه لا يستقيم. وهكذا إذ يعود إلى فندقه وقد استبدت به تلك الأفكار، يغرق في انهيار شامل يجعل الشرطة حين تصل للقبض عليه وقد انكشف أمره وأمر ماضيه السياسي، لا تجد في انتظارها سوى جثة انتهى أمرها بضربات السيف الأربع، تماماً كما حال الثور الذي كان قد وقع صريعاً بدوره في الحلبة قبل قليل.
تحديث مقاتل الطواحين
لا شك أن من يصل إلى نهايات الفصول الأولى من رواية “المهرجون” سيدرك بسرعة أنه أمام ذلك التحديث الذي حلم به كثر من كتاب القرن الـ20، ثم أيضاً سينمائييه وملحني أوبراته وراسمي لوحاته، لرواية تسربانتيس الشهيرة.
فما لدينا هنا، من خلال شخصية سيليستينو، ليس سوى دون كيشوت معاصر، “بطل” وهمي يتنطح، وكما يفعل البطل الإسباني القديم، حين يخيل له أنه يقاتل طواحين الهواء وينتصر عليها، يتنطح لخوض معارك الحرب الإسبانية في الشوارع الباريسية محققاً في كل “معركة” انتصارات لا تعد ولا تحصى، هذا إذا لم ينشغل في تلك الشوارع نفسها، بين الحين والآخر، بخوض معاركه الضخمة ضد ثيران شرسة يتخيلها، وأمام جمهور مصفق لا وجود له إلا في خياله أو على أرصفة مكتظة بالسكارى الضاحكين عليه الساخرين منه. إن سيليستينو يعيش ذلك الانفصام الذي يجعله في منأى عن الواقع الحقيقي كما عن الزمان الحقيقي. ونعرف على أية حال أن مونترلان كثيراً ما عالج هذه التيمة الدونكيشوتية في نصوصه الكثيرة السابقة على “المهرجون” كما في نصوص قليلة له أتت من بعدها ومنها بخاصة “الفوضى والليل” التي صدرت عام صدور “المهرجون” نفسه.
والحقيقة أن هذه الرواية الأخيرة، التي بدورها تبدو حاملة نوعاً من وصية لنهاية حياة الكاتب الذي كان مدركاً أنه لن يعيش كثيراً بعد ذلك، أتت تستكمل سابقتها ولكن مع انفتاح أكثر دلالة على ذينك البعدين اللذين دائماً ما ميزا متضافري أدب مونترلان: البعد الرمزي والبعد الفلسفي، ولعل ذلك التضافر هو الذي جعل كثراً يميلون إلى قراءة ذينك النصين لكن معاً، كبديل من تلك الذكريات التي كانوا ينتظرونها من كاتب كانوا يرون حياته نفسها محيرة، ولم يتوانوا عن البحث في أدبه عما يخلصهم من تلك الحيرة… هذا من دون أن يفوتنا ما كتبه واحد من النقاد يوماً من أنه قد يجدر بمن يبحث عن إدراك يربط حياة هنري دي مونترلان بأدبه، أن يعيد قراءة رواية دون كيشوت الأصلية “فهي تفسر تلك الحياة أكثر مما تفعل أية صفحة من صفحات هذا الكاتب المعاصر نفسه”.
